سلسلة "ماركس في لحظات" هي حلقات قصيرة مدة قراءتها ثلاث دقائق، تتناول مفاهيم ماركسية أساسية بأسلوب واضح ومبسط. نركز هذا الأسبوع على مفهوم ماركس عن الوجود النوعي/الكينونة النوعية Species-Being، الذي يُعدّ أساس فهم علاقتنا بعملنا وكوكب الأرض.

"إن الحيوان لا ينتج إلا ما يحتاجه مباشرة لنفسه أو لنسله، وينتج على نحوٍ أحادي الجانب؛ أما الإنسان فينتج إنتاجًا كونيًا… ولذلك يشكّل الإنسان الأشياء وفقا لقوانين الجمال."

لم أهتم يوما بالمناقشات حول "الطبيعة الحقيقية للإنسان"؛ أراها بلا جدوى.  لا يمكننا إثباتها — وحتى لو استطعنا، لكانت قد تغيّرت الآن مع تطورنا.  ثم إن كانت طبيعتنا متجذّرة فعلًا في الجشع، فالمطلوب هو تغييرها حفاظًا على بقائنا.  ومع ذلك، أجد مفهوم ماركس عن الكينونة النوعية (Species-Being) مثيرا للاهتمام — ليس فقط بسبب أساسه المادي، بل أيضا بسبب دلالاته البيئية.

ماذا يقصد ماركس بالكينونة النوعية (species-being)؟  جوهرنا، وفقا لماركس، ليس "طبيعة" ثابتة؛ بل هو الارتباط الذي يعرّف أول حقيقة بيولوجية.  نحن بحاجة إلى أن نأكل وننام ونبقى دافئين لنعيش؛ وبسبب هذه الحقيقة، نحن جزء من الطبيعة. نحن لا نسبقها ولا نعلو فوقها - نحن داخلها.  إنها علاقة متبادلة نحوّل فيها أنفسنا فيما نحوّل الأرض. وللبقاء، علينا أن نتفاعل مع الطبيعة - لدينا حاجات مادية، نفكّر في طرق لتلبية هذه الحاجات، ثم نبني مما تقدّمه الطبيعة ما نحتاجه لإكمال العملية. هذه العملية - الإنتاج - تعيد إنتاجنا اجتماعيا. هذا هو جوهر essence وجودنا؛ هذه هي الكينونة النوعية. إنها ليست متجذّرة في فكرة مثالية عمّا هو صائب أو عادل - بل متجذّرة ببساطة في ما هو ماديا حقيقي.  ومع ذلك، فهي تتجاوز مجرد وسيلة للبقاء.

جادل ماركس أيضا بأن الطريقة التي نفكر بها بوعي، ونخطط لها، وننفذها في هذا الإنتاج، هي ما يميّز البشرية عن سائر الحيوانات. فالحيوانات تنتج بشكل فردي - للبقاء. أما البشرية فتنتج على نحوٍ فردي وكوني معا singularly and universally -  لتلبية الحاجة وللمتعة. ومن خلال الإنتاج، لا تعيد البشرية إنتاج الأشياء فحسب، بل تعيد إنتاج العالم الاجتماعي والطبيعي برمته. أطلق ماركس على هذا التبادل المستمر اسم "الأيض الاجتماعي" social metabolism:  العملية المادية المتواصلة التي ينتج من خلالها البشر والعالم الطبيعي ويعيدان إنتاج بعضهم بعضا. من شأن الأيض الاجتماعي العقلاني أن يضمن أن هذه القدرة الإنتاجية العالمية تخدم إعادة إنتاج كل من البشرية والطبيعة معا.

إن هذه العلاقة الأيضية أعمق من مجرد الإنتاج. فمفهوم الطبيعة كجسم غير عضوي، عند ماركس، يتجاوز الضرورة البيولوجية، إذ يتغلغل أثر الطبيعة في وعينا من خلال الفن والعلم والثقافة. فوجودنا الفكري والجمالي متجذر في تفاعلنا الحسي مع العالم الطبيعي.

إن الطبيعة، التي جرى اختزالها طويلًا إلى مجرد مدخلات اقتصادية، ليست سوى المادة الأولى التي يتشكّل منها الوعي الإنساني ذاته. فهي لا تُختزل في "صندوق أدوات" toolbox  يُستدعى عند الحاجة، بل تمثل الشرط المادي العميق الذي يتيح إمكان التكوّن الجسدي والاجتماعي للإنسان، ويؤسس لفاعليته في العالم. لا يمكننا العودة إلى الطبيعة بطريقة ساذجة، كما كانت قبل الثورة الصناعية، ولكن بإمكاننا بناء اقتصاد يقوم على علاقة عقلانية واعية مع الطبيعة.

في ظل الرأسمالية، جرى اختزال علاقة الإنسان بالطبيعة إلى مجرد تبادل يهدف إلى البقاء، الأمر الذي أدى إلى تحويل الطبيعة إلى موضوع استعمالي محض instrumentalization، أي إلى مدخلات للإنتاج.  ومن ثم، فإن حديث ماركس عن الاغتراب alienation ينطوي بالضرورة على بُعد إيكولوجي، إذ إن الإخلال بالتوازن بين الإنسان والطبيعة هو في جوهره إخلال بوجود الإنسان ذاته وبمعناه الأولي للكينونة. ويصف جون بيلامي فوستر هذا الإخلال بوصفه: القطيعة المنهجية مع الدورات الطبيعية التي تقوم عليها استدامة المجتمع البشري والعالم الطبيعي معا، وهي قطيعة تنتج عن إخضاع الأيض الاجتماعي–الطبيعي لمنطق الربح بدلاً من منطق الحاجة.

إن مفهوم الكينونة النوعية ليس استعادة رومانسية لجوهر إنساني مفترض، بل هو مقولة مادية تُعنى بالبنية الفعلية التي تنتظم من خلالها علاقة الإنسان بالطبيعة. فالمسألة لا تتعلق بكيف نقيّم الطبيعة، بل بكيف نعيد إنتاج علاقتنا بها تنظيميا ومؤسسيا. وفي ظل الرأسمالية، يعاد تشكيل هذا التنظيم وفق منطق الربح، بحيث تُختزل العمليات الأيضية التي تربط المجتمع بالطبيعة إلى مجرد وسائط لتراكم رأس المال. ومن هنا ينشأ الصدع الأيضي: الانفصال البنيوي عن الدورات الطبيعية التي تقوم عليها استدامة الحياة البشرية والطبيعة معا، وهو انفصال ناتج عن إخضاع الأيض الاجتماعي–الطبيعي لمقتضيات الربحية بدلا من تلبية الحاجات الإنسانية. إن البديل لا يكمن في العودة إلى الطبيعة، بل في بناء أيضٍ عقلاني واعٍ، يعترف بأن الإنسان ليس كيانا متعاليا على العالم الطبيعي، بل جزء مادي لا ينفصل عنه، وأن إعادة تنظيم هذه العلاقة على أسس عقلانية هو شرط إمكان الاستدامة البشرية والطبيعية معا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سلسة "ماركس في لحظات" – مونثلي ريفيو – 27 آذار 20226