من القامات الفلسفية النقدية الأوروبية البارزة بعد سقراط هو إيمانويل كانط (1727-1804)، الذي اعتبر الاستقلال الأخلاقي للفرد معيارا أساسيا. وقد تناول في نتاجاته الفكرية مفهوم العقلانية وهدفها المتمثل في الحرية ضمن مشروع فلسفي واسع وعميق للكشف عن قدرة العقل البشري عبر الفحص المنهجي وتحليل الشروط السابقة للمعرفة  مثل حدود العقل، إمكاناته، مجالات استخدامه المشروعة والحالات التي يتجاوز العقل تلك الحدود فيقع في الوهم.

من جانب اخر، يرتكز مشروع كانط الفلسفي على ثلاثة أنواع من النقد تناولها في ثلاثة من كتبه الأساسية، يفحص فيها جانبًا مختلفا من قدرات العقل البشري وهي مترابطة لتشكل بمجموعها أطارا لفهم المعرفة والأخلاق والجمال.

ففي كتابه “نقد العقل المحض" تناول كانط حدود معرفة العقل للعالم، متسائلًا عن إمكانية إدراك الميتافيزيقيا مستنتجا أن الإنسان يدرك الظواهر فقط وليس الشيء في ذاته، وذلك باستخدام أدوات منطقية قبلية الزمان والمكان والمقولات. بينما ناقش الكتاب الثاني "نقد العقل العملي" قدرة العقل الأخلاقي على إصدار أحكام ملزمة ويبحث أساس الأخلاق ودور الحرية كشرط أساسي لها، مع التأكيد على أن الواجب هو محور الأخلاق وأن مصدر الالتزام الأخلاقي هو العقل.

وفي الكتاب الثالث "نقد ملكة الحكم"، يناقش كانط مفهوم الحكم الجمالي بوصفه أحد الأسس الرئيسية للنقد. فضلا عن ذلك يرى كانط أن الجمال ليس صفة موضوعية في الأشياء، بل مجرد تجربة ذوقية عقلية عندما يشعر الإنسان بمتعة خالصة غير نفعية مثل تأمل منظر طبيعي أو الاستمتاع بقطعة موسيقية. فالجمال في هذا السياق لا يُعد خاصية للشيء ذاته، بل تجربة ذاتية بشرية تنشأ من التفاعل بين الفهم والخيال في العقل. ولهذا السبب، فإن المتعة الجمالية عند كانط لا ترتبط بأي مصلحة أو منفعة.

ويتميز الحكم الجمالي لدى كانط بكونه تأمليا وكليا، إذ يتفق معه الجميع رغم أن منبعه الذات لان هذا الحكم يحدث عندما تنسجم ملكتا الخيال والفهم في العقل مولدا متعة جمالية راقية تتجاوز المتعة الحسية أو المنفعة المباشرة. ويعتبر الحكم الجمالي الجسر الذي يصل بين العقل النظري الذي يدرس الطبيعة، والعقل العملي الذي ينشغل بمفاهيم الحرية والغاية.

أما ملكة الحكم الغائي فتظهر عندما يتعامل الإنسان مع الطبيعة من خلال نسب الغايات والأهداف لها بهدف فهمها مؤكدا على أن هذا الوصف ليس موضوعيا لأن الطبيعة في ذاتها لا تملك غايات ولان الإنسان يمثل أعقد ظاهرة في الطبيعة.  فالغائية لديه ليست علما بالمعنى الدقيق لأن العلم يستند إلى مبدأ السببية والقوانين والتجربة بينما الغائية هي طريقة تفسيرية لا يمكن إثباتها علميا لكنها مفيدة في فهم الطبيعة كالجسر الذي يربط بين العقل النظري الذي يفسر الطبيعة، والعقل العملي الذي يشتغل بالغايات والحرية. ولابد من التوضيح ان رؤية كانط تتوخى إقامة بناء شامل يحدد إمكانات الإنسان وحدوده تتكامل فيه قدرات العقل المحض الذي يحدد حدود المعرفة مع العقل العملي الذي يحدد مجال الأخلاق والحرية، وملكة الحكم التي تربط بينهما عبر مفهومي الجمال والغائية. بهذا نستنتج ان المشروع النقدي عند كانط يمثل أطارا لفهم طبيعة العقل البشري وحدوده وتداخل مجالات المعرفة والأخلاق والجمال.

وقد تأثرت الفلسفة العربية الحديثة بشكل كبير بمفاهيم كانط النقدية، حيث استخدم محمد عابد الجابري (1935-2010) المنهج الكانطي لتحليل بنية العقل العربي وآليات التفكير في التعامل مع التراث، والعقل، والدولة والدين، والكشف عن أسباب التخلف في تحقيق الحداثة عربيا. وقسّم الجابري العقل العربي إلى ثلاثة أنماط الأول هو العقل البياني الذي يعتمد اللغة والنص، ويوجد في الفقه والكلام والبلاغة، ويرتكز على النص والقياس والثاني هو العقل العرفاني ويعتمد الكشف والحدس، ويوجد في التصوف والباطنية ويتمركز حول التجربة الروحية والأخير هو العقل البرهاني الذي يعتمد على العقل والمنطق ويمثله الفيلسوف ابن رشد ويرتكز على البرهان العقلي. ودعا إلى إعادة بناء العقل العربي على أساس برهاني نقدي لإحياء الرشدية وتجديد التراث العربي والإسلامي ورد الاعتبار للرشدية كرمز للعقلانية العربية.

واختلف الجابري مع طه عبد الرحمن، الذي تبنى منهج كانط الأخلاقي والروحاني، مع اعتماد الغزالي كمرجعية حيث ركز عبد الرحمن على أولوية الأخلاق والروحانية العملية كأساس للعقل والسلوك منتقدا المادية في الحداثة ورافضا حصر الفلسفة في الغرب، مؤكداً قدرة التراث الاسلامي على تطوير مفاهيم فلسفية جديدة تتجاوز الفلسفات الغربية.

 وبصياغات أخرى، استخدم محمد أركون وعبد الله العروي وحسن حنفي الإطار النقدي لكانط للتأكيد على مركزية الحرية واستقلال الاخلاق واعلاء دور العقل في التشريع ونقد الموروث والتراث، والحداثة، والدولة والمجتمع.

 وقد استثمر جورج طرابيشي الذي اشتهر بترجماته ومشروعه النقدي الضخم للعقل العربي والتراث ركائز المنهج الكانطي (في نقد أدوات المعرفة قبل استخدامها عقليا لمعرفة حدوده والتمييز بين الظاهرة والشيء في ذاته كونها عير مطابقة للواقع في ذاته وتحرير العقل من أوهام الميتافيزيقيا) لتأسيس مدرسة نقدية زاوجت الفلسفة مع التحليل النفس، مؤشرا ان نقد الجابري كان أيديولوجيا وليس   أبستمولوجيا، ومؤكدا على ضرورة نقد البنية المعرفية فبل نقد النص والفقه والتراث وعلى أهمية التخلص من الأوهام الأيديولوجية بأنواعها، التي خلقت لدى العقل العربي أوهاما ثقافية تاريخية، وأيضا رفض  الميتافيزيقيا. وفي الوقت ذاته اقترح  كبديل قراءة النص كظاهرة لان الثقافة العربية لا يمكن إصلاحها بدون نقد جذري لأدوات التفكير ذاتها مثل التأويل والسرديات التاريخية والتراثية.

ومن المجالات الاخرى التي تركت الكانطية بصماتها هي في النقد الفني خاصة لمدارس الفن التجريدي والتعبيري الحديثة لانسجامها مع رؤية كانط للجمال حيث لا يهدف النقد الى البحث عن رواية أو متعة في تماثل العمل الفني مع الواقع، بل في كونها تثير تجربة حسية خالصة يتحول فيها الجمال الى تجربة تأملية  كونية يتناغم فيها الخيال مع الفهم.

و استخدم هذا المنهج أيضا في النقد الادبي، مثلا في تطبيق الحكم الجمالي على  الشعر العربي الحديث كالسياب أو أدونيس الذي يرى في النتاجات الشعرية الحديثة موسيقى داخلية وصورا غير تقليدية أو إيقاعا حرا أو في الانزياحات اللغوية (من مفاهيم اللسانيات الأسلوبية والشعرية الحديثة)، ويشير إلى كل خروج مقصود عن القاعدة اللغوية أو الاستعمال المألوف بهدف إنتاج دلالة جديدة أو تأثير جمالي) كونها جوهر الحكم الجمالي لدى كانط،  حيث الجمال ليس في المعنى المباشر بل في المشاعر والانفعالات الخالصة كالحزن والفرح والرومانسية   والمتعة الجمالية نتيجة تفاعل الصورة مع الإيقاع، ونتيجة الشعور الداخلي بالانسجام بين الصورة و الإيقاع و المعنى.

 وقد وجدت مفاهيم كانط النقدية طريقها الى مجال التربية والتعليم، وتميزت بتركيزها على المتعلم وليس المعلم. فلا يولد الانسان كاملا بل يصبح كذلك عبر التربية التي تنمي الاستقلالية الأخلاقية (الاوتونومي) وتربط الحرية بالواجب والانضباط وتنمية القدرات العقلية، وضبط الذات، وتعلم مهارات التنظيم الذاتي، وتعلم التفكير النقدي في اتخاذ القرار والتمييز بين الرأي والمعرفة بما يطور المتعلم ذاته ليصبح قادرا على الانتقال من الطبيعة (الغريزة) الى الثقافة (الاخلاق والعقل والقانون ) وبناء شخصية مستقلة.

 وعلى الرغم من تأثير الكانطية الكبير فلسفيا واجهت انتقادات حادة حول   تناقض الثنائية الصارمة في الفصل بين ما ندركه عبر الحواس والعقل (الظاهرة) وبين ما هو موجود خارج حدود الادراك (الشيء في ذاته) حيث لا يمكن اثبات وجود ما لا يمكن إثباته أو في رؤيته حول ثبات بنية العقل التي يراى البعض مثل هيغل ونيتشه انها تتطور وتتغير تاريخيا، بينما كان نقد هيوم للكانطية بأنها ترى السببية شرطا قبليا للفهم وليست كنتاج ذهني غير حقيقي أكدته الفيزياء والرياضيات الحديثة في تعاملها مع الاحتمالات ونظرية الكم. كما كشفت النظرية أن المكان والزمان ليسا حدسا فبليا ثابتا. وشمل نقد فلاسفة آخرين مفاهيمه حول الاخلاق وحدود العقل كونها صارمة وغير واقعية.

 وقدم المنهج المادي الجدلي نقدا عميقا لأفكار كانط الفلسفية باعتبارها نموذجا للفكر المثالي البرجوازي، الذي يهمل دور العامل المجتمعي والتاريخي لأن   المعرفة تتطور تاريخيا عبر الممارسة والعلاقة الجدلية بين الفكر والواقع. وتعوق بعض مفاهيم كانط مثل مقولة الشيء في ذاته فهم الواقع والنشاط الإنساني من أجل تغييره. وكذلك المفهوم الترانستندالي (المقولات القبلية مثل الزمان والمكان والسببية) الذي يجعل منبع المعرفة في داخل العقل ومن الذات، بينما يرى المنهج المادي الجدلي التاريخي أن البنية المادية للوجود الاجتماعي هي التي تشكل الوعي البشري.

 وفي نقد مفهوم الحرية يرى المنهج المادي أن الحرية ليست قضية نفسية داخلية بحتة، بل نتاج شروط موضوعية اجتماعية ومادية خارج عقل الإنسان حيث لا وجود للحرية في ظل علاقات إنتاج قائمة على الاستغلال. الحرية الحقيقية هي نتاج تحول اجتماعي يغير البنية الاقتصادية نفسها. ومن هنا، فإن جوهر النقد يتمثل في نقد الواقع والوجود الاجتماعي، وليس العقل وحده، لأن المعرفة هي نتاج الممارسة.