
لن يغيّر تناقص السكان طريقة تعامل الحكومات مع مواطنيها فحسب، بل سيغيّر أيضا طريقة تعاملها مع بعضها البعض. وسيغيّر هذا التناقص حتما توازن القوى العالمي الحالي، وسيرهق النظام العالمي القائم. ومن الحقائق الديمغرافية المسلّم بها للجيل القادم أن الفرق في النمو السكاني سيؤدي إلى تحولات سريعة في الحجم النسبي للمناطق الرئيسة في العالم. وسيكون عالم الغد أكثر أفريقية بكثير. على الرغم من أن حوالي سُبع سكان العالم يعيشون اليوم في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، إلا أن في هذه المنطقة يولد ما يقرب من ثلث جميع مواليد العالم؛ وبالتالي، من المتوقع أن تنمو نسبتها من القوى العاملة والسكان على مستوى العالم نموا هائلاً خلال الجيل القادم. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن "القرن الأفريقي" على الأبواب. ففي عالم تتفاوت فيه حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 100 ضعف بين البلدان، يشكل رأس المال البشري - وليس فقط إجمالي عدد السكان - أهمية بالغة للقوة الوطنية، ولا تزال آفاق رأس المال البشري في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى مخيبة للآمال. إذ تشير الاختبارات المعيارية إلى أن 94 في المائة من الشباب في المنطقة يفتقرون حتى إلى المهارات الأساسية . وعلى الرغم من ضخامة عدد العمال المتوقع في المنطقة بحلول عام 2050، فإن عدد العمال ذوي المهارات الأساسية قد لا يكون أكبر بكثير مما سيكون عليه في روسيا وحدها عام 2050 . الهند الآن هي الدولة الأكثر سكانا في العالم، وهي في طريقها لمواصلة النمو لعقود قليلة أخرى على الأقل. وتؤكد بنيتها السكانية عمليا أنها ستكون قوة رائدة عام 2050. لكن نهضة الهند معرّضة للخطر بسبب ضعف الموارد البشرية . تمتلك الهند كوادر عالمية المستوى من العلماء والفنيين وخريجي النخبة، بينما يتلقى الهنود العاديون تعليما ضعيفا .ويفتقر سبعة من كل ثمانية من الشباب الهندي اليوم، وهو أمر صادم، حتى إلى المهارات الأساسية، نتيجة لانخفاض معدلات الالتحاق بالمدارس وتردي جودة المدارس الابتدائية والثانوية المتاحة لمن حالفهم الحظ في الحصول على التعليم .بينما يتفوق ملف مهارات الشباب الصيني على شباب الهند اليوم بعقود، وربما أجيال .ومن غير المرجح أن تتجاوز الهند الصين التي تشهد انخفاضا سكانيا في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. وتهدف الشراكة المتنامية بين الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا إلى تحدي النظام الغربي الذي تقوده الولايات المتحد .ويبدو أنها واثقة من أهدافها الدولية ، لكن الاتجاهات الديمغرافية تقف ضدها ، إذ تعاني مجتمعات الصين وروسيا منذ زمن طويل من انخفاض معدل الإحلال (المقصود متوسط عدد الأطفال الذي تنجبه المرأة في حياتها لمواصلة الانجاب مستقبلا وهو عند 2,1 طفل، المترجم) حيث تشهد الآن تقلصا في القوى العاملة وانخفاضا في عدد السكان .كما أن عدد سكان إيران أقل بكثير من معدل الإحلال .ولا تزال بيانات السكان في كوريا الشمالية سرية، لكن القلق العلني الشديد الذي أبداه الرئيس كيم جونغ أون أواخر العام الماضي بشأن معدل المواليد الوطني يشير إلى أن القيادة غير راضية عن البنية السكانية للبلاد .لقد أدى تناقص عدد السكان في روسيا والصعوبات التي تبدو مستعصية في مجال الصحة العامة وإنتاج المعرفة إلى تقليص القوة الاقتصادية النسبية للبلاد لعقود، دون أي تحسن في الأفق .وسيؤدي انهيار المواليد في الصين - حيث من المتوقع أن يكون الجيل القادم أقل بنصف حجم الجيل السابق فقط - إلى تقليص القوى العاملة على نحو لا مفر منه وزيادة شيخوخة السكان، مع ضمور وتفكك الأسرة الصينية الممتدة، التي كانت حتى ذلك الحين شبكة الأمان الاجتماعي الرئيسة في البلاد .تنذر هذه الحقائق الوشيكة بأعباء رعاية اجتماعية جديدة غير متوقعة لاقتصاد صيني لم يعد مبهرا، وقد ينتهي به الأمر إلى عرقلة تمويل طموحات بكين الدولية. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فتبدو الأسس الديمغرافية سليمة إلى حد ما - على الأقل عند مقارنتها بالمنافسين .فالاتجاهات الديمغرافية في طريقها لتعزيز القوة الأمريكية خلال العقود القادمة. ونظرا للتوترات الداخلية والضغوط الاجتماعية التي يعيشها الأمريكيون اليوم، فقد تشكّل هذه المزايا الأمريكية طويلة الأمد مفاجأة .على الرغم من أن مجتمع الولايات المتحدة لا يزال دون معدل الإحلال السكاني، إلا أن معدل الخصوبة السكانية فيها أعلى من أي دولة في شرق آسيا ومن جميع الدول الأوروبية تقريبا .وبالتزامن مع التدفقات القوية للمهاجرين، فإنها تمنح البلاد مسارا ديمغرافيا مختلفا تماما عن مسار معظم المجتمعات الغربية الغنية الأخرى، مع استمرار نمو السكان والقوى العاملة، وتوقعات معتدلة فقط بشيخوخة السكان حتى عام 2050.
بفضل الهجرة إلى حد كبير، تسير الولايات المتحدة على الطريق الصحيح لاستيعاب حصة متزايدة من القوى العاملة والشباب والمواهب المتعلمة تعليماً عالياً في العالم الغني .كما أن التدفقات المستمرة للمهاجرين المهرة تمنح البلاد ميزة كبيرة . ويبدو أن هذه الميزة الديمغرافية ستكون بنفس القدر على الأقل عام 2050. بالمقارنة مع المنافسين الآخرين، تبدو البنية السكانية للولايات المتحدة جيدة اليوم - وقد تبدو أفضل غداً - في انتظار استمرار الدعم الشعبي للهجرة، وهو أمر لا بد من التأكيد عليه .وتظل الولايات المتحدة الاستثناء الجيوسياسي الأهم للانخفاض السكاني القادم. لكن الانخفاض السكاني سيُحدث أيضاً اختلالاً في ميزان القوى بطرق لا يمكن التنبؤ بها. ويبرز مجهولان يفوقان كل شيء: مدى سرعة ومهارة المجتمعات التي تعاني من تراجع السكان في التكيف مع ظروفها الجديدة غير المألوفة، وكيف يمكن أن يؤثر الانخفاض السكاني لفترة طويلة على الإرادة والمعنويات الوطنية .لا شيء يضمن نجاح المجتمعات في تجاوز الاضطرابات الناجمة عن التراجع السكاني .لا شك أن المرونة والتماسك الاجتماعيين يسهّلان هذه التحولات، إلا أن بعض المجتمعات أقل مرونة وتماسكا من غيرها .ويتطلب تحقيق تقدم اقتصادي واجتماعي رغم تراجع عدد السكان إصلاحات جوهرية في المؤسسات الحكومية، وقطاع الشركات، والمنظمات الاجتماعية، والأعراف والسلوكيات الشخصية .لكن برامج الإصلاح الأقل شجاعة تفشل باستمرار في عالمنا الحالي، بسبب سوء التخطيط، والقيادة غير الكفؤة، والسياسات الشائكة.
غالبية الناتج المحلي الإجمالي العالمي اليوم تولّدها دول ستجد نفسها في حالة تراجع سكاني بعد جيل من الآن. وستدفع المجتمعات التي تعاني من تراجع عدد السكان والتي تفشل في التحوّل ثمنا باهظا: أولاً بالركود الاقتصادي، ثم ربما بأزمة مالية واجتماعية واقتصادية .إذا فشلت مجتمعات تعاني من تراجع عدد السكان في التحوّل، فإن صراعاتها ستجرّ الاقتصاد العالمي إلى الانهيار .سيكون سيناريو الكابوس هو منطقة ذات اقتصادات مهمة ولكنها تعاني من تراجع عدد السكان، وتمثّل جزءا كبيرا من إنتاج العالم، لكنها في حالة تصلب دائم أو انحدار بسبب التشاؤم والقلق ومقاومة الإصلاح . وحتى لو نجحت المجتمعات التي تعاني من نقص السكان في التكيف مع ظروفها الجديدة، كما هو متوقع، فلا ضمانة لها لتحقيق ذلك وفق الجدول الزمني الذي تتطلبه الاتجاهات السكانية الجديدة .وقد تكون تداعيات الأمن القومي حاسمة أيضًا . ويكمن أحد أوجه الغموض الاستراتيجي الهائل في عالم يعاني من نقص السكان، في مدى تأثير الشيخوخة المتفشية، وانخفاض معدلات المواليد، ونقص السكان لفترات طويلة، على استعداد المجتمعات المتقلصة للدفاع عن نفسها واستعدادها لتحمل الخسائر في سبيل ذلك . لا يمكن الدفاع عن الوطن دون تضحيات، لكن الاستقلالية، وتحقيق الذات، والسعي وراء الحرية الشخصية هي ما يدفع اليوم إلى "التخلي عن الأسرة" في جميع أنحاء العالم الغني. إذا كان الالتزام بتكوين أسرة يُعتبر مرهقا، فكيف إذا كان يُنظر إلى طلب التضحية الكبرى من أجل أشخاص لم يلتقِ بهم المرء قط؟ ربما تشكّل الصين أكبر علامة استفهام عندما يتعلق الأمر بانخفاض عدد السكان والاستعداد للقتال .فبفضل سياسة الطفل الواحد التي فُرضت بلا رحمة لعقود، والانخفاض غير المتوقع في عدد المواليد منذ تعليق البرنامج قبل نحو عشر سنوات، سيُضطر الجيش الصيني إلى الاعتماد بشكل كبير على الشباب الذين نشأوا دون أشقاء . وسيكون لحادثة سقوط أعداد كبيرة من الضحايا عواقب وخيمة على العائلات في جميع أنحاء البلاد. من المنطقي المراهنة على أن الصين ستقاتل بشراسة ضد أي غزو أجنبي .لكن هذا التسامح مع الخسائر قد لا يمتد إلى العمليات الخارجية. فإذا قررت الصين، مثلاً، خوض حملة مكلفة ضد تايوان، ثم تمكنت من الاستمرار فيها، فسيكون العالم قد تعلم درسا قاتما عما قد ينتظرنا في عصر تناقص السكان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة عن:
Foreign Affairs, 10 October 2024







