في إحدى حلقات المسلسل الكوميدي الأميركي الشهير "نظرية الانفجار الكبير/ The Big Bang Theory"، يسأل رئيس قسم الفيزياء أحد الأساتذة عن وظيفة الجامعة، فيجيبه "بالطبع تقديم العلم والمعرفة"، فيرد عليه رئيس القسم "لا، بل كسب الأموال". تكتسي بامتياز هذه العبارة الصادمة ــ رغم بساطتها ــ سمة ما بعد حداثوية لفكرة تسليع الحياة تماشيا مع قانون العرض والطلب. وهي، بالمناسبة، ليست خاصية أميركية بحتة، بل باتت صفة معولَمة بفضل ما يمكن تسميته بـ"فوضى ما بعد الحداثة".

من الصعب أن نجد في أي مرجع أكاديمي تعريفًا جامعًا قاطعًا لما بعد الحداثة/ postmodernism، التي غالبا ما يؤطرها الباحثون تاريخيا من بداية السبعينيات وحتى نهاية التسعينيات من القرن الماضي. ولا تُعزى هذه الصعوبة إلى تعقيدات هذه الظاهرة، بل لأنها لا تشكل تيارًا واحدا، أو حركة فلسفية مستقلة تتمتع بمواصفات خاصة. نكاد نلحظ في عدد من الدراسات ما يشبه التوافق على وصفها بـ"الخليط"، الذي يجمع "اعتباطا" هجينا متنافرا من المتناقضات التي تتلاقى في ما يمكن تسميته "تحالف الأضداد" ضمن مروحة واسعة تشمل الفن والعمارة والأدب والثقافة والاقتصاد، ووجدت طريقها إلى الفكر السياسي، وهنا تكمن ــ كما يرى هذا المقال ــ خطورة المشكلة.

في كتابه "النقد الأدبي في القرن الحادي والعشرين: نهضة النظرية" (بلومزبيري، 2014)، يستعرض فنسنت بي ليتش السمات العامة لما بعد الحداثة في أنها قامت أساسًا على إلغاء الفصل التقليدي بين الثقافة الراقية والثقافة الرخيصة، ونزع الفوارق بين الاختصاصات العلمية المستقلة أكاديميًا بالتوازي مع نشوء حركات اجتماعية جديدة، وتوسيع حرية الاقتصاد وحركة رأس المال التي تتعدى الحدود القومية والهويات الثقافية. ويخلص الأكاديمي الأميركي إلى أن ما بعد الحداثة هي "الحقبة الما بعد الصناعية المصحوبة بخليط غريب قوامه التفكك والتنافر". بعبارة أخرى، اتخذت ما بعد الحداثة أشكالا متعددة على نحو جعلها ليست عصية على التحديد وحسب، بل وعلى الفهم أحيانا، بسبب ما تحتويه من تناقض عبثي. من جانبه، كان الفيلسوف البريطاني فريدريك جاميسون أكثر تحديدا في كتابه "التحول الثقافي: مقالات مختارة عن ما بعد الحداثوية" (نيويورك، فيرسو، 1989) بقوله إن من أهم سمات ما بعد الحداثة هي التسليع، والاختناق المتزايد للرأسمالية اللاأخلاقية. ما كان يعنيه جاميسون هو توحش الرأسمالية التي جعلت الفرد مفصولا عن إنسانيته، وحوَّلته إلى رقم استهلاكي في آلتها الضخمة.

لا يمكن للمرء أن يتجاهل الأسس الفكرية التي ساهمت في إطلاق عجلة ما بعد الحداثة، وتحديدًا ما يختص بمبدأ أساسي يجمع أطياف هذه الظاهرة كافة، ألا وهو نسف المرجعية المركزية متمثلة بتفكيكية دريدا، ومفهوم لاكان، في ما يخص العلاقة بين الدال والمدلول، ليصبح المعنى معهما أمرا مؤجل الحضور دائما، ولا يمكن تلمسه، في انقلاب على العلاقة الكلاسيكية بين الحقيقة والمعنى. بل حتى إن أي نص كان هو مجرد تلاق مع آثار/ traces  نص آخر ينفتح بدوره عند كل قارئ على تفسيرات جديدة لتغدو كل قراءة هي قراءة خاطئة. فقد نحا كل من دريدا ولاكان إلى القول بغياب أية علاقة ثابتة بين الدال والمدلول "المفهوم/ المعنى"، واستبدالها بسلسلة من الدوال يصفها دريدا باللعب الحر/ free play، ومن ثم ينزلق المعنى ــ حسب لاكان ــ على طول هذه السلسلة، ليخلق تأجيلًا وانقسامًا لا ينتهيان. أي أن المعنى كما يراه دريدا مؤجلٌ، ويقوم على الاختلاف بين العلامات اللغوية، ولا يصل مطلقا إلى مدلول حاضر ومستقر، أي لا وجود لحضور ثابت للمعنى/ المفهوم.

أما في ما يخص المجال السياسي، وعلى الرغم من أن الدراسات الأكاديمية قلما تربط ما بعد الحداثة بهذا الميدان، هنالك ظاهرتان أساسيتان يجدر النظر إليهما بصفتهما نتاجا ما بعد حداثوي بامتياز، وإن كانتا تتناقضان في بعض الأساسيات، لكنهما تتلاقيان في الأسلوب والهدف في إطار ما يسمى تحالف الأضداد. لا يمكن لأي باحث أن يتجاهل بروز النيوليبرالية والمحافظين الجدد في فترة تاريخية متقاربة في سياق الصراع الداخلي في تركيبة النظام الرأسمالي الغربي، ولا سيما في الولايات المتحدة. وما يعطي الانطباع عن السمة الما بعد حداثوية لهاتين الظاهرتين أنهما يجسدان حالة هجينة من الأضداد تتوزع على التصنيف التقليدي لليمين واليسار السياسي. تقوم النيوليبرالية "اليسارية" على مفهوم السوق الحرة، وعدم تدخل الدولة في إدارة الاقتصاد إلا في حدود ضيقة جدًا، وعلى النظر إلى الفرد بصفته مستهلكًا ليس للسلع وحسب، بل للأفكار والأيديولوجيات، وعلى الهوية الفردية. أما المحافظون الجدد ــ الذين عادة ما ينسبون إلى اليمين المتشدد ــ فتقوم سياساتهم على قيم الأسرة المحافظة التي يلعب الدين فيها دورا أساسيا، واتباع سياسة خارجية متشددة تعمل على ترويج الديمقراطية في الخارج. بيد أن اللافت للنظر أن هاتين الظاهرتين تتلاقيان عند قدسية الرأسمال، وحرية الفرد، في علاقة تشاركية تخدم سلطة النخبة وآليات السوق. وفي هذا الإطار، ينحصر دور الدولة في خلق الهيكل المؤسساتي المناسب لهذه السياسات وحمايتها.

من هذا المنظور، وقياسًا على فكرة غياب المرجعية، وإقصاء المفهوم الجمعي المشترك للحياة في دورتها الطبيعية، كان أمرا منطقيا أن تفرز ما بعد الحداثة في ممارستها السياسية الميكافيلية ظاهرتْين فرعيتيْن، وهما العولمة (Globalization)، والشعبوية (Populism).

يقدم الأكاديمي والباحث الأميركي ريتشارد بولدوين في كتابه "التوافق الكبير: تكنولوجيا المعلومات والعولمة الجديدة" (جامعة هارفرد، 2016) عرضا تاريخيا لتطور آليات العولمة مقرونة بقراءة اقتصادية لتداعيات العولمة تكشف في الوقت ذاته التأثيرات السوسيولوجية والجيوسياسية للعولمة، بصفتها سلاحا لتدمير الهوية الجمعية، واستبدالها بهوية الفرد المستهلك لكل ما تنتجه الرأسمالية بفائض قوتها التكنولوجية، وصولًا إلى هدم مفهوم الدولة والانتماء، وتحويله إلى مفهوم الشركة الخاصة. إن التحول العولمي في مجال تقنية المعلومات هو من أضفى صفة ما بعد حداثوية تلغي الفارق بين المسافة والزمن، الأمر الذي دفع بعدد محدود من الدول المتطورة ــ مثل مجموعة السبع الكبار ــ أن تخوض تنافسا محموما في مجال التصنيع. فما كانت المكننة الصناعية تنتجه في مراحلها الأولى في أسابيع، باتت التقنيات الجديدة قادرة على إنتاجه في أيام وساعات. وهذا بدوره أرخى بظلاله على تغير أنماط الاستهلاك مع تبدل وسائل الإنتاج، لتصبح السوق قوة دافعة لعولمةِ هويةٍ استهلاكية تستدعي بالضرورة تغيير عادات وموروثات ثقافية تحت مسميات التجديد. بعبارة أخرى ــ كما يقول بولدوين ــ ساهمت العولمة الجديدة في إزالة قيود كانت تعيق وصول هذه الأفكار التي عملت على تعديل مظاهر الهوية الثقافية للمجتمعات، وأعادت رسم حدود جديدة تكفل ديمومة نظام رأسمالي استهلاكي من خلال الترويج لأيديولوجيات جديدة ترفع شعارات الليبرالية والديمقراطية، وتقدم للمتلقي "الأضعف" يوتوبيا خيالية تمجّد الأقوى رمزا للخلاص، منها على سبيل المثال لا الحصر أفلام هوليوود، وصورة الأميركي الخارق السوبرمان صاحب الفضيلة ونصير الضعفاء. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم عبارة ترامب الشهيرة "تحويل غزة إلى ريفييرا"، أي استبدال الوطن بلقمة العيش.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"ضفة ثالثة" – 1 كانون الثاني 2025