
يتضح في مفهوم السيمانطيقا الوضعي المنطقي، سعيها إلى نزع دلالة المعنى عن الواقع الموضوعي، وبالتالي فإن الحقيقة المنطقية قائمة، في مفهوم الوضعية المنطقية، على فصلها عن العلاقات بين المقولة والواقع، وحصرها في القواعد الدلالية المحض ذاتية. واختزال المعنى في المبدأ الوضعي التحقق التجريبي. في الموقع النقيض للوضعية المنطقية ومنهجيتها يطرح السؤال التالي: هل يمكن التحقق من مبدأ التحقق؟ الإجابة، وفق المنطق الداخلي للمنهجية الوضعية أن مبدأ التحقق التجريبي الذي تقول به غير قابل للتحقق، وهنا يكمن أحد أشكال مأزق الوضعية، والفكر المثالي بعامَّة، النابع من مشكليتها العامَّة، فصل النتاج الإنساني، قسراً، عن الواقع المادي وحركة تطوره المادية العلمية، لتحويل اللغة إلى أداة تصف الواقع وحسب لتبدو وكأنها فوق التناقضات الاجتماعية تجحب، بالوهم، استخدامها الأيديولوجي ضمن الأيديولوجية المسيطرة، وتغيِّب، عمداً، التطور المادي التاريخي للبنية الاجتماعية الشاملة بمختلف مستوياتها وعلاقات الإنتاج، والارتباط المادي الديالكتيكي بينهما، هي المنهجية نفسها التي يستخدمها الفكر المثالي لتصوير النتاج الإنساني بشتى حقوله، الفلسفة الشعر الرواية المنطق الرياضيات… إلخ على أنه منفصل عن البنية الاجتماعية وتناقضاتها وتطورها، وكأنه عبارة عن نتاج محض ذاتي، على قاعدة المبدأ العام الحاكم للفكر المثالي، بشتى اتجاهاته ومذاهبه، أسبقية الفكر على الواقع، ثنائية ميكانيكية ميتافيزيقية فكر\ واقع، وتشييد الأبراج العاجية للفلسفة واللغة والثقافة… إلخ منفصلة عن الواقع المادي الموجودة فيه وتناقضاته وموقعها فيه بهدف تشويه الوعي لتأبيد القائم وأيديولوجيته البرجوازية المسيطرة. وهو ما انتقدته النظرية الماركسية – اللينينية منزلة الفلسفة واللغة والنتاج الثقافي الإنساني من الأبراج العاجية إلى طمي الأرض ليكون أداة من أدوات النضال ضد الاستغلال على قاعدة مفهوم الأسبقية المادية العلمية الديالكتيكية للواقع على الفكر، والارتباط المادي الديالكتيكي بينهما. وهو ما حدده ماركس بمفهومه المادي العلمي وربطه بالممارسة السياسية النضالية والوجود الفعلي “إن إنتاج الأفكار والتصورات والوعي مختلط بادئ الأمر بصورة مباشرة ووثيقة بالنشاط المادي والتعامل المادي بين البشر ، فهو لغة الحياة الفعلية (…) ينطبق الأمر نفسه على الإنتاج الفكري كما يعبَر عنه في لغة السياسة، ولغة القوانين، والأخلاق (…). فالبشر هم الذين ينتجون تصوراتهم وأفكارهم، لكن البشر الفعليون، الفاعلون، المشروطون بتطور معين لقواهم المنتجة والعلاقات التي تقابلها”. (٥) وليس من يقبعون في أبراج عاجية يعيدون تأبيد الواقع وعلاقات الاستغلال.
إن حصر الوضعية المنطقية مهمة الفلسفة بالتحليل المنطقي للغة يعني أتها تئد الفلسفة وتقيدها بمجال واحد تصادر فيه باقي مفاهيم الفلسفة ومهمتها المناقضة لها، وتئد حرية اختيار مفاهيم أخرى لها. تعود مصادرة الوضعية للفلسفة بمفهوم واحد عنها وحصر مهمتها بالتحليل المنطقي واللغوي إلى سعيها لفصل الفلسفة عن الواقع المادي وشروط تطوره، وهو أس رئيس في نقد الماركسية – اللينينية للمفهوم الوضعي للفلسفة ونقضه، فالفلسفة بمفهومها المادي العلمي، مرتبطة بالواقع وتطوّره من حيث هي علاقة مادية ديالكتيكية بين المادة والوعي وليست مجرد منطق بالمعنى المثالي الوضعي للمنطق، وللعلم، فالمعرفة الفلسفية للعالَم، بمفهومها المادي العلمي، باستنادها إلى معطيات العلوم تعطي، أيضاً، معرفة جديدة عنها دائمة التطوّر ومرتبطة ديالكيكياً بالبراكسيس، بذلك يتحدّد أحد الجوانب الرئيسة من تمييز مفهوم الفلسفة في الماركسية – اللينينية عن مفهومها المثالي.
إن تحديد الوضعية المنطقية للجمل الزائفة (الخالية من المعنى) وحصرها للجمل ذات المعنى بشرط مبدأ قابلية التحقق وعزلها عن الواقع المادي، يعكس عمليَّة الفصل المنهجي الميكانيكي بين الوعي والمادة (الواقع)، وبين الفلسفة والعلوم، وبين النظرية والتجربة، فتصبح المفاهيم الفلسفية عبارة عن استنتاجات منطقية محضة يتم التحقق منها من خلال مقارنتها بالمعطى الحسي، وبالتالي تحولت “مهمة الفلسفة، وفق المنطوق الوضعي الجديد، إلى عملية تحليل منطقي لكيفية التكوُّن المفهومي للعلوم المفردة. ومن ثم، فالتصدي لمثل المسائل التالية: اكتشاف القانونيات العامة التي تحكم الواقع المادي، والبحث في العلاقات الأنطولوجية والابيستمولوجية بين الوعي وهذا الواقع إلخ… يبدو امراً نافلاً لا ينطوي على دلالة حقيقية”.(٦)
إنكار تاريخية النتاج الإنساني والنظريات العلمية
تكمل الوضعية المنطقية السير في عملية الفصل الميكانيكي الذي يحكم منهجيتها العامَّة، يظهر ذلك في تحديدها لشكلَيّ المعرفة العلمية وتقييدها بهما وهما واقعية أو تجريبية تعطينا معرفة عن العالَم معرفة توليفية محمولها يزيد من معرفتنا عن الموضوع، وأخرى صورية (منطق ورياضيات) لا تعطي معرفة عن العالَم معرفة تحليلية، في هذا الفهم يبرز، مرة جديدة، فصل النتاج المعرفي عن الواقع وتطوره وارتباط تطوّره، ديالكتيكياً، بتطور الواقع، وتبرز عملية الفصل الميكانيكي بين جانبي المعرفة التحليلي والتوليفي بشكل مطلق ميكانيكي ميتافيزيقي، في حين أن بين الأحكام التحليلية والأحكام التوليفية علاقة اتصال، وحدة مادية ديالكتيكية.
إذن، أصبحت النظرية العلمية، في مفهوم الوضعية المنطقية، عبارة عن تركيب منطقي يرتكز إما إلى المعطيات، وإما إلى اختيار قَبْلي (ذاتي) لأحكام عن الواقع، هذا التحديد الميتافيزيقي يعني أن صدق أحكام النظرية يتحدَّد باتفاقها مع القواعد المتواضع عليها لبناء النظرية (أحكام قَبْلية)، في هذا الفهم يتضح أن الوضعية فلسفة غائية، ويظهر تأثير مبدأ هنري پوانكاريه، أي مبدأ المواضعة Convention كأُس للمعرفة العلمية ومراحلها في المفهوم الوضعي المنفصلة عن الواقع الموضوعي، مما يقود إلى إنكار موضوعية العلم والنظريات العلمية. نقع على مبدأ المواضعة، أيضاً، لدى توماس كُوْن، وهو من أقطاب مرحلة ما يسمَّى «ما بعد الوضعية»، في مفهومه عن الباراديغم Paradigm والمجتمع العلمي.
باسم العلموية والحياد، الذي تسعى لفرضه على النظريات العلمية واللغة، تتخفى الوضعية، كما الفلسفة المثالية، لتغيِّب موقعها الطبقي المـؤبد للاستغلال الطبقي وأيدولوجيته المسيطرة، في الطرف النقيض يتحدّد أحد الركائز الأساسية المادية العلمية للنتاج الإنساني بمختلف حقوله ودلالته، بأنه نتاج سيرورة مادية للواقع وتطوره، وليس عملية ميكانيكية بالمعنيين المادي والمثالي الميتافيزيقيين، وليس عملية تحقق منطقي أو تجريبي محض وأن المعنى (الدلالة) يتكون ويتطوّر في إطار البنية الاجتماعية الشاملة ويُعبر عنها، على هذا الأساس المادي العلمي الديالكتيكي يصبح النتاج الإنساني أداة من أدوات الصراع الطبقي الذي تخوضه الطبقة العاملة ضد النظام الرأسمالي العالمي وأيديولوجيته المسيطرة في سبيل التحرر الوطني وكسر علاقة التبعية البنيوية به ومقاومة الاحتلال بعلاقتهما المادية الديالكتيكية. إنها الممارسة الثورية المرتبطة بالنظرية الثورية مقولة لينين “لا نظرية ثورية من دون ممارسة سياسية ثورية”.
المصادر والمراجع:
(٥) – المصدر نفسه، ص. ٣٨.
(٦) – تيزيني، طيب، الوضعية الجديدة، الموسوعة الفلسفية العربية، مج٢، قسم ٢، مرجع سابق، ص ١٥٤٦.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*سكرتير تحرير منصة "تقدم"
منصة "تقدم" – 28 كانون الأول 2025







