جعلت تفسيرات إريك هوبسباوم المستندة الى الماركسية لـ «القرن التاسع عشر الطويل» (1789-1914) و «القرن العشرين القصير» (1914-1991)  منه مؤرخا عالميا مشهورا. وعندما توفي في لندن في 1 تشرين الأول 2012 عن عمر ناهز 95 عاما، كانت نصوص نعيه إيجابية. حتى لو أراد بعض المراقبين التقليل من أهميته، أو انتقدوه، لعدم نقده للشيوعية السوفيتية، كما يرون: كان هوبسباوم مفكرا بارزا، برؤيته للأحداث العالمية ومقارباته الأصلية.

ويمكن الإشارة الى ان كتابه الموسوم «عصر التطرف. تاريخ العالم في القرن العشرين» جعله أيضا أحد أعظم المترجمين للتاريخ الحديث، وبعد ذلك بوقت قصير، صدر كتاب المؤرخ الفرنسي فرانسوا فوريه «نهاية الوهم» - الشيوعية في القرن العشرين «، الذي نال اهتماما كبيرا كتفسير منافس ومعاد للشيوعية. ومع ذلك، وحتى في السنوات الأخيرة من حياة هوبسباوم، فقد فوريه الكثير من أهميته.

القادم من أوساط الأطراف

بعد الحرب، عاد هوبسباوم إلى كامبريدج، لكن مسيرته الأكاديمية كانت بطيئة هناك. في عام 1947، التحق بجامعة  بيركبيك بلندن، حيث ظل مرتبطا بها لعقود. في ذلك الوقت، كانت بيركبيك بعيدة عن كونها جزءا من المركز الأكاديمي المتميز لجامعتي أكسفورد وكامبريدج. لكن هوبسباوم لم يكن المؤرخ البريطاني الوحيد الذي صعد ببطء إلى الصدارة والشهرة من أطراف الأوساط الأكاديمية. لقد فتحت جامعة بيركبيك الباب أمام الأشخاص المهتمين بدراسة التاريخ، للاستفادة من الدراسات المسائية، وهذا ليس أساسا سيئا لمؤرخ كان في مركز اهتمامه تاريخ الحركة العمالية.

بطريقة ما، ظل هوبسباوم يغرد خارج سرب الوسط الأكاديمي، لكنه مؤلف بارز وناجح ويحظى باحترام عالمي متزايد. منذ بداية السبعينيات، قبلته المؤسسة الثقافية البريطانية أيضا،  وأصبح أستاذا زائرا، ثم عمل بشكل منتظم في المدرسة الجديدة في نيويورك، محاضراته واصداراته جعلته معروفا أكاديميا، وكذلك في وسط أوسع من القراء، في بلدان متنوعة مثل البرازيل (حيث أثر على الرئيس الأسبق، وربما المستقبلي لولا دا سيلفا)، والهند والولايات المتحدة الأمريكية. وهو معروف أيضا في الوسط اليساري والثقافي في الكثير من البلدان العربية وبلدان الشرق الأوسط.

وهكذا أصبح هوبسباوم مثقفا عاما مؤثرا، برز حتى يومنا هذا كمؤرخ، ذي اهتمام واسع في استخدام الأساليب، وتغطية المناطق والمواضيع. ولم يكن التاريخ، بالنسبة له، مجرد تاريخ وطني أو أوروبي. وقبل وقت طويل من ظهور مفهوم المركزية الأوروبية، الذي استخدم بشكل مفرط، شملت أعمال هوبسباوم العديدة أيضا أمريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية وشمال إفريقيا وأجزاء كبيرة من آسيا بالإضافة إلى أوروبا. وامتد اهتمامه أيضا إلى ما هو أبعد من اهتمام المؤرخ: فقد عمل لسنوات عديدة بصفته ناقدا في إحدى الصحف، وكان لديه اعجاب شديد بموسيقى الجاز وتناول «اللصوص كمتمردين اجتماعيين» (الصعاليك). ولم يضايقه كثيرا أن هذا الكتاب عن «قطاع الطرق» عرضه أيضا للنقد، باعتباره استسلم لوجهة نظر اجتماعية رومانسية وبالتالي غير ماركسية.

من ناحية أخرى، تمتع بوزن أكبر الاتهام القائل إن هوبسباوم لم يتفهم الحركات النسوية الجديدة في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ومقارباتها البحثية التاريخية، بدت له هذه الحركات تبتعد عن القضايا الطبقية، كنقطة انطلاق مركزية للتاريخ المستوحى من الماركسية والتحليل الاجتماعي والسياسة، وأنها تميل الى أسئلة الهوية أكثر من اللازم. وقد جعله هذا الموقف أيضا في خلاف مع بعض طلبته، الذين كانوا يقدرونه كثيرا كأكاديمي. وجاء مماثلا عدم تفهمه لمظاهر اليسار الأخرى في أعقاب حركات 1968 واتجاهات الثقافة الشعبية. وبالنسبة له، ظلت موسيقى الجاز والأوبرا هي المرجعية المركزية للثقافة الموسيقية. من المفيد أن التحولات بشأن هذه الاتهامات شهدت تطورا في أوساط اليسار الجديد لصالح رؤية هوبسباوم، وكما تقول الفيلسوفة الماركسية الامريكية نانسي فريزر «كان لابد من نضال صعب وطويل في سبيل العودة إلى الكلية الاجتماعية والرأسمالية كمعيار مركزي للتحليل»، أي لجوهر التحليل الماركسي للصراع الاجتماعي.

فهم مميز لعضوية الحزب

ظل هوبسباوم عضوا في الحزب الشيوعي في بريطانيا العظمى حتى قبيل محاولة حل الحزب الفاشلة في عام 1991، والتي عاد الحزب بعدها الى النشاط باسمه الجديد الحزب الشيوعي البريطاني، أي ان هوبسباوم لم يجاري موقف بعض رفاقه الذين غادروا الحزب بعد التدخل السوفيتي في المجر عام 1965. ومع ذلك، لم يكن هوبسباوم أبدا عضوا تقليديا، وامتلك دوما رؤية نقدية وتمسكا بالمنهج الماركسي رافقه حتى وفاته. وبالرجوع الى تسجيلات تنصت المخابرات البريطانية الداخلية على مكالمات الشيوعيين، بدا واضحا نقد الجهاز الحزبي لتصرفات هوبسباوم الشخصية والموصوفة بالبوهيمية، خاصة في خمسينيات القرن الماضي، كما أوضح ريتشارد إيفانز في السيرة الذاتية لهوبسباوم «حياة في التاريخ».

لقد راقبت السلطات البريطانية الحزب الشيوعي بكثافة لا تقل عن التي كانت حاضرة في بلدان أوروبا الغربية الأخرى، ولكن لم يحظر نشاط الحزب، ولم  يحرم أعضاؤه من ممارسة مهن معينة، كما حدث في المانيا الغربية. سياسيا، لم يكن الحزب الشيوعي في بريطانيا العظمى ناجحا للغاية بعد عام 1950، لكنه أنتج عددا رائعا من المؤرخين اللامعين الذين تجمعوا حول المجلة الاجتماعية التاريخية «الماضي والحاضر». برز منهم أي. تومسن، كمؤرخ مؤثر، بحث في «أصل الطبقة العاملة الإنجليزية» وأصبح مشهوراً. وكان لديه الكثير من القواسم المشتركة مع هوبسباوم، ولكن كان هناك تنافس ملحوظ بينهما.

سياسياً، اتجه هوبسباوم بشكل متزايد نحو الحزب الشيوعي الإيطالي والشيوعية الأوروبية. وكانت له صداقة طويلة الأمد مع الرئيس الإيطالي اللاحق جورجيو نابوليتانو. وساهم بعدد كبير من المقالات لمجلة «الماركسية اليوم»، التي كانت مؤثرة في الثمانينيات، وفي وقت مبكر من عام 1978 افترض في نص رائد بعنوان «توقف مسيرة العمال الى الامام؟»، أن صعود الحركة العمالية الكلاسيكية قد انتهى. وتناول الانقسامات الجديدة في الطبقة العاملة في وقت مبكر، سواء كان ذلك بين العمال المهرة ومتلقي الضمان الاجتماعي أو بين مجموعات العمال المهاجرين والمحليين: بالنسبة له، كان فقدان أهمية وسلطة منظمات العمال التقليدية وما يترتب على ذلك من تناقص قوة الترابط والمناعة، ما جعل العمال أكثر عرضة لليمين العنصري.

 في هذا السياق كان سباقا في الكثير من المناقشات بشأن التحول إلى اليمين في اوساط الطبقة العاملة. لكن لا يمكن توظيفه كشاهد رئيسي لبعض التقييمات «الليبرالية التقدمية» اليوم، والتي تعتبر بشكل أساسي المواقف اليمينية والعنصرية مشكلة عمالية، وبالتالي تتجاهل بكل اريحية استعداد أوساطها البرجوازية للتأثر. لقد كان هوبسباوم مقتنعا بإمكانية احتواء التأثر بالمواقف الرجعية من خلال التركيز على الصراع الطبقي، وتقييم العمل اليدوي الصناعي، والثقة بالتنظيم، وتعزيز التأهيل السياسي.

على الرغم من أنه ظل ماركسيا طوال حياته ولم يرغب في الابتعاد عن الآمال الشيوعية في جميع المجالات، فقد كان كمحلل سياسي معاصر ومفكر محط اعتزاز الوسطيين الحداثيين في حزب العمال مثل نيل كينوك وجوردون براون، الذي كانت تربطه صداقة بعائلة هوبسباوم. وأعجب به لولا دا سيلفا، ومايكل فوت زعيم حزب العمال البريطاني (1980 – 1983 )، وكان حاضرا في المجلات الماركسية وصولاً إلى الأوساط البرجوازية، اهتم به الناس العاديون، والمهتمون في الأوساط الأكاديمية. لقد أصبح إريك هوبسباوم مرجعا في العقود الأخيرة من حياته الطويلة، واحتفظت أعماله بأهميتها بعد وفاته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* اعدت هذه المادة عن مقالة لفلوريان فوايز نشرت في جريدة «نويز دويجلاند» بتاريخ 1 تشرين الأول 2022

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل