في الوقت الذي يعتبر فيه مبدأ الأممية ركنا جوهريا في الماركسية  فان التحليل الفكري والسياسي وأدوات وآليات التغيير تنبع  من البنية  الاقتصادية الاجتماعية الوطنية المحددة، ومن مصالح النضال الطبقي الثوري في سبيل العدالة الاجتماعية.

ومع تزايد طابع الرأسمالية الاستغلالي وتوسعها عالميا  تبلورت أيضا وحدة المصالح الاستراتيجية بين الفئات المضطهدة على الصعيد العالمي، والتي جسدها البيان الشيوعي في شعار “يا عمال العالم اتحدوا”  كتعبير عن  التضامن والكفاح المشترك المبدئي ضد سياسات النهب والاستغلال في كل مكان في العالم، وبغض النظر عن الجنس واللون والدين والعقيدة.

وفعلا عقد الاجتماع التأسيسي لرابطة الشغيلة الأممية في 1864. وفي 1899 تأسست  الأممية الثانية بعد حلل الأممية الأولى وفي مرحلة تميزت ببدايات التوسع الامبريالي نتيجة النمو الاقتصادي السريع  وتصاعد النضالات السياسية والمطلبية للطبقة العاملة وحلفائها من المثقفين الثوريين وفي ظروف النضال التي سادها الشكل السلمي للبرلماني كأسلوب رئيسي للكفاح مما جعلها تشهد صراعا بين اتجاهين رئيسين: اتجاه  ثوري يعتبر النضال السلمي العلني احد اشكال النضال الذي يجب ادارته بمهارة مع القدرة على إدارة المخاطر نتيجة اضطهاد القوى البرجوازية المتسلطة وأجهزتها القمعية. وعند الضرورة الانتقال الى اشكال أخرى ومنها تهيئة مقدمات مادية للتحول الى سرية العمل وأساليب العمل السري، واتجاه آخر ثوري في  الشعارات وإصلاحي في الأفعال، ويركز على الاعداد والتحضير وخوض الانتخابات البرلمانية فقط. وقد احتدم الصراع بين الاتجاهين في المانيا التي كان فيها أكبر حزب اشتراكي ديمقراطي في أوروبا.

ومع اشتداد الصراع التنافسي بين الإمبرياليات في أوروبا وظهور احتمالات حرب عالمية بدا الموقف الماركسي من الحرب يتبلور. فمثلا في المؤتمر السابع للأممية الثانية في شتوتغارت في عام 1907 تحدثت روزا لوكسمبورغ، وهي أحد ممثلي التيار الثوري في الأممية الثانية عن ان الحروب بين الدول الرأسمالية هي نتيجة  التنافس على  السوق العالمية من اجل تأمين أسواقها القائمة وأيضا للسيطرة على أسواق جديدة وتؤدي إلى استمرار سباق التسلح العسكري، وهو أحد الأدوات الرئيسية للحكم الطبقي البرجوازي وأيضا لغرض إلهاء الجماهير البروليتارية عن مهامها الطبقية وكذلك عن واجباتها في التضامن الدولي. وعليه فالحروب هي جزء من طبيعة الرأسمالية ذاتها، وسوف تتوقف فقط عندما يتم إلغاء النظام الرأسمالي. ولذا فمن واجب الطبقات العاملة وممثليها البرلمانيين في البلدان المعنية أن يناضلوا لمنع نشوب الحرب. ولكن في حالة اندلاعها يكون واجبهم التدخل لصالح إنهائها السريع والاستفادة من الأزمة الاقتصادية والسياسية التي أوجدتها الحرب لإثارة الجماهير والإسراع في سقوط حكم الطبقة الرأسمالية. 

وكان  الحزب الأكبر  في الأممية الثانية، هو الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني الذي صوت بأغلبية ساحقة لدعم دخول ألمانيا إلى الحرب العالمية الأولى من خلال الموافقة على اعتمادات الحرب في4 أغسطس 1914. وحذت حذوه العديد من الأحزاب الأخرى في الأممية الثانية في دعمها للحكومات الوطنية. وحدث استقطاب حاد بين الاتجاهين الإصلاحي، والراديكالي الذي قاده لينين. وقد حلت الأممية الثانية في عام 1916. وتكونت أيضا تيارات انتهازية بدعم من الموظفين الحزبيين ذوي الامتيازات الكبيرة وتكونت طبقة عمالية ارستقراطية مستفيدة من التنازلات التي قدمتها البرجوازية آنذاك في مرحلة تناميها السلمي. ومن ابرز ممثليها في الحزب كان ادوارد بيرنشتاين الذي تمتع بنفوذ خاص في الوسط النقابي الذي كان يطالب بالتعاون الطبقي وضم العناصر المترددة والقلقة. 

 وقد كانت بدايات تشكيل الحزب في المانيا في عام 1863 من قبل فرديناند لاسال(1825-1864) وهو احد تلامذة ماركس، وقد تقارب مع منظمة العمال التي أسسها وليهلم ليبكنخت (1826-1900) و أوغست بيل (1840-1913 ) في مؤتمر ايزناخ (1869 ) وتوحدا سوية في مؤتمر غوتا ( 1875 ) واعتبرا الماركسية مرشدا للعمل واصدرا برنامجا انتقده ماركس في كراس (نقد برنامج غوتا) الذي صدر عام 1875 واعتبره مدافعا عن اللاسالية. وتشكل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألمان  الذي استطاع كسب عدد هائل من الأصوات. وبسببه اصدر بسمارك قوانين استثنائية في 1878 لحظر النقابات ومطاردة الحزب حتى سقوط بسمارك في 1890 وبعدها توسع نفوذ الحزب السياسي بشكل كبير. وقد أعاد كارل كاوتسكي (1845-1938) كتابة البرنامج والذي عرف بـ “برنامج ايرفورت” في1891 واعتبر الوثيقة الرسمية للحزب والتي انتقدها انجلز في حينه بسبب تأكيدها على العمل من اجل الحصول على مناقع اقتصادية واجتماعية واستبعاد الطريق الثوري للتغيير. وبرز كاوتسكي كأكبر منظر ماركسي  في أوروبا وكانت رؤيته تعتمد على الابتعاد  عن الماركسية الارثوذوكسية والعمل من اجل بناء الحزب القوى المؤثر الذي يستطيع في حالة انهيار البرجوازية الحتمي ان يقود عملية التحول السلمي الاشتراكي التدريجي ويمنع الانزلاق الى الفوضى السياسية والمجتمعية ويتيح المجال للوصول الى درجة النضوج المطلوبة لتسلم السلطة بالطرق الشرعية، وبذلك اصبح ممثلا للتيار الوسطي. وانتقد كاوتسكي ثورة أكتوبر في روسيا 1917 بشدة معتبرا انها ارست نظاما دكتاتوريا جديدا بأسلوب تآمري. 

و قاد الاتجاه الاخر ادوارد بيرنشتاين الذي تخلى بعد موت انجلز( 1895)  عن الماركسية بسبب تأثره بالأفكار الإصلاحية الاشتراكية في أوروبا واعتبر الماركسية ذات جوهر عنفي تامري، وان البديل هو الوصول الى الاشتراكية بالوسائل السلمية من خلال الإصلاح التشريعي التدريجي في المجتمعات الديمقراطية. وكانت أفكاره في تعارض مع التيار الراديكالي الذي يمثله بيبل وليبكنخت، والوسطي الذي مثله كاوتسكي. وقد نشرت روزا لوكسمبورغ في 1900 مقالها  الشهير (اصلاح ام ثورة)  تصديا لطروحات بيرنشتاين. وبعدها اصبح عضوا في البرلمان الألماني لمدة 16 سنة ( 1902- 1918 ) ومن ثم انتخب مجددا من ( 1920-1928). 

اما التيار الثوري الراديكالي فقد كان بقيادة  كارل ليبكنخت الذي كان  من ابرز المعارضين للحرب العالمية الأولى واول المصوتين ضد اعتمادات الحرب في الرايخشتاع. وطالب بتحويلها الى حرب أهلية وطبقية. وفي 1916 طرد من الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني. وأسس مع روزا لوكسمبورغ تنظيما باسم (عصبة سبارتاكوس) التي تحولت لاحقا الى الحزب الشيوعي الألماني. وقد اغتالت قوات الامن الألماني كليهما في 1919.

 وهنا لابد من الإشارة أيضا الى اوغست بيبل (1840-1913) الذي انتمى الى حزب العمال الاشتراكي عام 1869 وشغل لاحقا موقع نائب رئيس مجلس إدارة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني واشتهر بقدراته التنظيمية والخطابية ووقف الى جانب ليبكنخت في ادانة استمرار الحرب مع فرنسا في 1870  انتقد بشدة أفكار برنشتاين الإصلاحية. ومن ابرز كتبه (الاشتراكية والمرأة). كما طالب الحزب باتخاذ موقف محايد من الدين باعتباره قضية شخصية خاصة وكان من دعاة فصل الدين عن الدولة.

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل