
يمثل البرنامج المقترح خلاصة رؤية الحزب لما يشكل، في تقديره، حاجات الوطن والشعب ومهمات التغيير في المرحلة الراهنة.
ولا توجد لدي ملاحظات على توصيف محتوى السلطة من منظورها الطبقي، أو تحديد الصراع الرئيسي، وكذلك ما ورد من تفاصيل وأهداف خاصة بالقطاعات المختلفة.
وعليه، فإن ملاحظاتي لا تتناول البرنامج بمجمله، وإنما تتركز حول عدد من المفاهيم والمصطلحات الواردة فيه، والتي أرى أن من المفيد التوقف عندها ومناقشتها، من حيث دقتها الفكرية والسياسية، ووضوح دلالاتها في الخطاب العام، ومدى انسجامها مع الرؤية العامة التي يعبر عنها البرنامج.
وبهذا السياق، أرى أن المفاهيم المؤشَّر إليها أدناه بالخط الغامق تتسم بالدقة والوضوح، مع إمكانية تعزيزها أو إضافة بعض التوضيحات إليها، في حين أن المفاهيم المؤشَّر إليها بالخط المائل وتحتها خط تحتاج، في تقديري، إلى مزيد من التدقيق والمراجعة، وفتح حوار فكري وسياسي حول دلالاتها ومدى ملاءمتها للسياق العراقي، قبل اعتمادها بصيغتها الحالية.
التعابير التالية ذكرت في البرنامج:
القوى الوطنية الديمقراطية في النقطة ١
وبناء الدولة المدنية الديمقراطية في النقطة ٢
تحقيق التغيير المنشود وإقامة البديل الوطني الديمقراطي النقطة ١٢
للتغيير الوطني الديمقراطي في النقطة ١٣
دولة المواطنة المدنية الديمقراطية كعنوان رئيس للفقرات من ١٤
دولة المواطنة المدنية الديمقراطية في النقطة ١٤
بناء دولة مدنية ديمقراطية في النقطة ١٥
المجتمع المدني كعنوان رئيس من فقرة ١٤٠
حرية منظمات المجتمع المدني في النقطة ١٤٠
لعمل منظمات المجتمع المدني في النقطة ١٤١
وبناء جبهة وطنية ديمقراطية واسعة في النقطة ١٦٠
دولة المواطنة وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة في النقطة ١٦٠
توحيد قوى التغيير الوطنية والديمقراطية والتقدمية في النقطة ١٦١
وبناء دولة مدنية ديمقراطية في النقطة ١٦١
ودولة مدنية ديمقراطية في النقطة ١٦٢
ما ورد أعلاه يتصل بما تضمنه برنامج الحزب من تناولٍ لموضوع القوى الوطنية، وشكل الدولة ومضمونها، ورؤية الحزب للتغيير، بوصفها من العناوين والمحاور الرئيسية التي يقوم عليها البرنامج.
1. القوى الوطنية الديمقراطية:
يستخدم الحزب في المقدمة، في النقطة (1)، مفهوم "القوى الوطنية الديمقراطية"، بدلاً من التعبير الذي كان يستخدم في الغالب سابقاً، وهو "القوى المدنية والديمقراطية" أو "القوى الوطنية والمدنية والديمقراطية".
• الملاحظة الأولى هي للتوضيح فقط، وتتعلق بتعريف القوى الوطنية بالديمقراطية، وليس باستخدام تعبير "الوطنية والديمقراطية"، مع ان كليهما يحققا نفس المحتوى. أي أن المفهوم يشمل كلا البعدين، وهما الوطنية الديمقراطية والديمقراطية الوطنية. وكما ان كليهما يشير أن الحزب لا يعني "القوى الوطنية غير الديمقراطية"، ولا "القوى الديمقراطية غير الوطنية". لذا في النقطة 161 يستخدم الحزب "قوى التغيير الوطنية والديمقراطية والتقدمية".
• الملاحظة الثانية: أعتقد أن عدم إدخال مفهوم "القوى المدنية" ضمن هذا التعبير هو أمر سليم، لأن استخدامه إلى جانب الوطنية والديمقراطية قد يضيف التباساً سياسياً وفكرياً أكثر مما يضيف وضوحاً. فما زال هناك عدم اتفاق واضح على تحديد المقصود بالقوى المدنية وتوصيفها بصورة دقيقة، فضلاً عن موقعها ومصالحها ضمن التحليل الطبقي للمجتمع. وهذا لا يتناقض مع وجود منظمات المجتمع المدني في مختلف المواقع، واستمرار اعتمادها في خطابنا السياسي. ولذا فإن استخدام تعبير "القوى الوطنية الديمقراطية" يبدو أكثر تحديداً وأقل قابلية للالتباس من الناحية السياسية والفكرية.
2. مفهوم الدولة التي ينشدها الحزب:
• الملاحظة الأولى: فيما يخص عنوان الدولة التي ينشدها الحزب، ومن دون الدخول في توصيفها والتفاصيل التي يتضمنها البرنامج في نقاط عديدة، فقد استخدم البرنامج في أكثر من موضع تعبير "الدولة المدنية الديمقراطية"، بينما ورد في النقطة (14) مرة واحدة تعبير "دولة المواطنة المدنية الديمقراطية".
ومفهوم "دولة المواطنة" لم يُستخدم سابقاً كعنوان رئيسي، رغم وروده في مواقع أخرى ضمن خطابنا ووثائقنا السياسية، إذ كان التعبير الرئيسي المستخدم هو "الدولة المدنية الديمقراطية".
مع أن مصطلح «الدولة المدنية» استخدم من قبل الحزب، وكذلك من قبل بعض الأحزاب الشيوعية في المنطقة، ومنها الحزب الشيوعي السوداني، فإنني أعتقد أنه لا يزال غير دقيق من الناحية الفكرية والسياسية، على الأقل بالقدر الذي يجري فيه تأصيله فكرياً في ظروف العراق. كما أننا لم نجد، في خطابنا ووثائقنا السياسية، تحليلات فكرية معمقة تؤسس لهذا الاستخدام وتحدد مضمونه بصورة واضحة.
ومن دون الدخول في تفسير المقصود بالدولة المدنية في واقع وظروف بلادنا، فإن المتعارف عليه سياسياً اليوم أن مضمونها هو "الدولة التي تقوم على المواطنة والقانون والدستور والتداول السلمي للسلطة". لكن السؤال هو: هل هذا هو فعلاً المعنى المتفق عليه فكرياً في أدبيات الحزب، وكذلك لدى باقي قوى اليسار في العراق والمنطقة؟
أما على صعيد الجمهور، فإن الإشكال في تفسير المصطلح يبدو أكبر، ولا سيما أن العديد من الناس يضعونه في مقابل الدولة الدينية أو العسكرية، أو يتعاملون معه باعتباره مرادفاً أو تعبيراً مخففاً عن العلمانية.
وعليه، فإن مفهوم "المواطنة والديمقراطية"، أو "دولة المواطنة الديمقراطية"، يبدو كافياً تماماً للتعبير عن المضامين التي يُراد بها تفسير «الدولة المدنية»، فضلاً عن كونه أوضح بالنسبة إلى الجمهور، وأكثر قدرة على جمع قطاعات أوسع منه في التعبئة السياسية. لذلك أقترح الاكتفاء بتعبير "دولة المواطنة الديمقراطية" بدلاً من "دولة المواطنة المدنية الديمقراطية".
إلى جانب ذلك، وعلى الرغم من صحة استخدام مفهوم "دولة المواطنة الديمقراطية"، فإنه يظل مفتقراً إلى الجانب الاجتماعي والطبقي الذي يمثله مفهوم العدالة الاجتماعية.
لذلك أقترح استخدام تعبير: "دولة المواطنة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية"، وأرى أن هذا التعبير يجمع بصورة أكثر تكاملاً بين الأبعاد السياسية والاجتماعية للمشروع الذي يطرحه الحزب؛ فهو من جهة يؤكد المواطنة المتساوية والديمقراطية وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة، ومن جهة أخرى يعبّر بوضوح عن المضمون الاجتماعي والطبقي للدولة المنشودة. كما أنه أكثر وضوحاً وقابلية للتلقي والتعبئة السياسية لدى أوسع قطاعات الشعب، ولا سيما الطبقات والفئات الكادحة وذوي الدخل المحدود والمتضررين من سياسات التهميش والاستغلال، فضلاً عن أنه يتجنب استخدام مفاهيم قد تكون ملتبسة أو مختلفة في تفسيرها، ويضع أمام الجمهور عنواناً سياسياً مباشراً ومفهوماً لمشروع الدولة التي ينشدها الحزب.
وبذلك يمكن أن يكون "دولة المواطنة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية" تعبيراً أكثر دقة واتساقاً مع مضمون البرنامج، وأكثر قدرة على الربط بين البعد الديمقراطي والبعد الاجتماعي للمشروع السياسي للحزب، المتمثل بالمشروع الوطني الديمقراطي والذي يشير له البرنامج في النقطة 12 و13.
• الملاحظة الثانية: تتعلق بصحة ما جاء شكلاً ومضموناً في النقطتين (140) و (141) الخاصتين بالمجتمع المدني ومنظماته. فالتعريف الوارد فيهما واضح ولا يثير أي لبس، لا من الناحية السياسية ولا بالنسبة إلى الجمهور الواسع، الذي يتعامل مع منظمات المجتمع المدني في مواقع السكن والعمل ومختلف مجالات الحياة العامة.
وهذا الاستخدام لمفهوم المجتمع المدني ومنظماته يختلف كلياً عن استخدام مفهوم "الدولة المدنية" في الخطاب السياسي المتعلق بشكل الدولة ومضمونها؛ إذ إن مفهوم المجتمع المدني هنا محدد وواضح من حيث المضمون والوظيفة والمجال، ولا يحمل الالتباس نفسه الذي يمكن أن يرافق استخدام "الدولة المدنية" عند توصيف طبيعة الدولة المنشودة ومضمونها السياسي والاجتماعي.
3. بناء جبهة وطنية ديمقراطية واسعة وتوحيد قوى التغيير الوطنية والديمقراطية والتقدمية:
• التعبيران المستخدمان في النقطة 160 و161 حول الجبهة الواسعة وتوحيد قوى التغيير يشكلان صياغة دقيقة سياسيا وفكريا، ويمنحان الحزب حرية الحركة السياسية في وسط مختلف فئات الشعب، والمشاركة في مختلف التحالفات الانتخابية والسياسية والاجتماعية، وبضمنها مشروع توحيد قوى اليسار.







