إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي واللجان التحضيرية للمؤتمر الوطني الثاني عشر، أتقدم إليكم بعدد من المقترحات التي أعتقد أنها تتعلق بإحدى القضايا المركزية التي ينبغي أن تكون مطروحة أمام المؤتمر الوطني الثاني عشر، وهي كيفية إعادة بناء الحزب الشيوعي العراقي ليصبح مجددا قوة سياسية واجتماعية جماهيرية حقيقية.

أعتقد أن الحزب بحاجة ماسة إلى عملية نهوض وتجديد.

يمتلك الحزب الشيوعي العراقي إرثا تاريخيا استثنائيا، لكن الشرعية التاريخية وحدها لا تكفي. فحزب كان في يوم من الأيام يحتل موقعا مركزيا في الحياة السياسية العراقية لا ينبغي أن يكتفي بأن يتحول إلى دائرة صغيرة تُستذكر أهميتها أساسا من خلال تاريخ الأربعينيات والخمسينيات والستينيات.

ينبغي ألا يكون الهدف مجرد تحسين نتيجة الحزب في الانتخابات المقبلة. إن الهدف الأكبر يجب أن يكون إعادة بناء الحزب تنظيميا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا، لكي يصبح مرة أخرى إحدى القوى الرئيسية القادرة على مواجهة النيوليبرالية والفساد والطائفية والتبعية الاقتصادية والبطالة وضعف الاقتصاد الإنتاجي العراقي.

وفي رأيي، يتطلب ذلك النظر بجدية في القضايا الآتية:

أولا، ينبغي للحزب أن يعيد النظر في مدى اعتماد نشاطه السياسي على العمل الانتخابي.

الانتخابات مهمة، لكن الحزب الشيوعي لا يمكن أن يقيس وجوده أساسا من خلال النتائج الانتخابية. وإذا حقق الحزب نتيجة ضعيفة في انتخابات معينة، فلا ينبغي أن يعني ذلك اختفاء تأثيره السياسي إلى حين حلول الدورة الانتخابية التالية.

يحتاج الحزب إلى قوة تنظيمية دائمة بين العمال والطلبة والشباب والمهنيين والنساء والفلاحين وفي الأحياء والنقابات والحركات الاجتماعية.

كما ينبغي للحزب أن يدرس تجارب الأحزاب والتنظيمات الشيوعية في بلدان أخرى التي تمكنت من الحفاظ على تأثير اجتماعي مهم حتى عندما كان تمثيلها البرلماني محدودا.

ويستحق الحزب الشيوعي اليوناني بصورة خاصة أن تتم دراسة تجربته. فبغض النظر عن الاختلاف مع بعض مواقف الحزب الشيوعي اليوناني، فإن نموذجه التنظيمي يوضح أهمية بناء النفوذ داخل أماكن العمل والنقابات والجامعات والمنظمات الشبابية والنشاط الثقافي والتثقيف السياسي والمجتمعات المحلية.

ينبغي دراسة ما نجح وما فشل في هذه التجارب، والاستفادة من الدروس المفيدة بما يتناسب مع الظروف العراقية، بدلا من تقليد أي حزب أجنبي بصورة آلية.

وقد يكون من المفيد أيضا دراسة تجارب الحزب الشيوعي في جنوب أفريقيا وحركة المناضلين من أجل الحرية الاقتصادية. إن ظروفهما تختلف كثيرا عن ظروف العراق، لكن كلتا التجربتين تقدمان دروسا تتعلق بالتنظيم الجماهيري والهوية السياسية ومشاركة الشباب وسياسة الطبقة العاملة والعلاقة بين النشاط الانتخابي والتنظيم خارج البرلمان.

القضية الثانية هي الهوية الأيديولوجية.

أعتقد أن الحزب الشيوعي العراقي بحاجة إلى تمييز نفسه بصورة أوضح عن الاشتراكية الديمقراطية التقليدية.

فإذا نظر الناس إلى الحزب الشيوعي باعتباره مجرد حزب مدني ديمقراطي آخر يدعو إلى حكومة أكثر نزاهة وإدارة أفضل وخدمات عامة أقوى إلى حد ما، فسيطرح السؤال بصورة طبيعية: لماذا ينبغي للإنسان أن يدعم حزبا شيوعيا على وجه التحديد؟

ينبغي للحزب أن يحافظ على تحليل ماركسي واضح على مستوى برنامجه وتثقيف كوادره وقيادته واستراتيجيته طويلة الأمد. وفي الوقت نفسه، لا أعتقد أن الخطاب الجماهيري للحزب ينبغي أن يتكون أساسا من لغة أيديولوجية مجردة. فغالبية العراقيين يفكرون بصورة مفهومة أولا في العمل والأجور والسكن والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم والفساد والأمن ومستقبل أبنائهم.

العامل الذي يكافح من أجل العثور على عمل مستقر لا يحتاج إلى أن يبدأ بدراسة النظرية الماركسية قبل أن يتمكن الحزب من مخاطبته بشأن ظروف حياته. يجب أن يكون الحزب قادرا على شرح القضايا الاجتماعية والاقتصادية المعقدة بلغة واضحة ومرتبطة بصورة مباشرة بحياة الناس اليومية. ينبغي للنظرية أن تفسر الواقع، لا أن تتحول إلى حاجز يفصل الحزب عن المجتمع.

ثالثا، أعتقد أن على الحزب أن يدرس بصورة أكثر جدية بكثير الكيفية التي تنجح بها الحركات السياسية الحديثة في جذب الاهتمام الجماهيري، ولا سيما بين الأجيال الشابة. وهذا لا يعني تقليد أيديولوجية اليمين المتطرف. على العكس تماما، يجب رفض كراهية الأجانب والطائفية والشوفينية القومية والعنصرية.

لكن ينبغي أيضا دراسة الخصوم السياسيين بصورة جدية. ففي عدد من البلدان، استطاعت حركات كانت تعد هامشية في السابق أن تنمو بسرعة من خلال فهم وسائل الاتصال الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي والرمزية السياسية والتفاعل العاطفي والرسائل البسيطة وثقافة الشباب.

ولذلك ينبغي دراسة صعود أحزاب مثل حزب البديل من أجل ألمانيا بصورة نقدية. والسؤال المهم ليس كيف نقلد أيديولوجيتها، وإنما لماذا تمكنت تنظيمات كانت هامشية في السابق من جذب اهتمام جماهيري هائل، في الوقت الذي واجهت فيه العديد من التنظيمات اليسارية الراسخة صعوبة في التواصل مع الأجيال نفسها. لا ينبغي لليسار أن يتنازل طوعا لخصومه عن وسائل الاتصال الحديثة.

لذلك يحتاج الحزب الشيوعي العراقي إلى حضور أقوى بكثير على تيك توك وإنستغرام ويوتيوب، وعلى أي منصات أخرى سيزداد استخدامها بين الشباب العراقي في المستقبل. ولا ينبغي أن يقتصر ذلك على نشر تسجيلات الخطب أو تحويل مقالات الصحف إلى مقاطع فيديو.

يحتاج الحزب إلى أشخاص يفهمون بالفعل طبيعة هذه المنصات، ولغتها البصرية، وروح الدعابة فيها، والموسيقى، والمونتاج، وإيقاع المحتوى، واستخدام الصور التاريخية، والسرد السياسي، والطريقة التي تستهلك بها الأجيال الشابة المعلومات.

كما ينبغي التعامل بجدية مع الجانب الجمالي للعمل السياسي. فعلى امتداد التاريخ، أدركت الحركات الثورية والجماهيرية أهمية الملصقات والرموز والموسيقى والفن والتصوير والشعارات والصورة العامة. ولم تلغ وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأهمية، بل زادتها. لذلك يجب أن يكون التنظيم السياسي الحديث قادرا على تقديم نفسه بصورة مهنية وواثقة ومميزة يسهل التعرف عليها.

لكن الشعبية على الإنترنت يجب أن تقود دائما نحو التنظيم الحقيقي. فحصول مقطع فيديو على مئات الآلاف من المشاهدات لا يعادل وجود عمال منظمين أو طلبة منظمين أو لجان أحياء أو منظمات شبابية أو فروع محلية فاعلة. ولهذا ينبغي أن تصبح وسائل الاتصال الرقمية مدخلا إلى التنظيم السياسي، لا بديلا عنه.

رابعا، أعتقد أن على الحزب تطوير خطاب أقوى حول القومية المدنية العراقية والوطنية العراقية.

ولا أقصد بذلك القومية العرقية أو الشوفينية العربية أو العداء للكرد أو القومية المرتبطة تاريخيا بالبعثية. إنما أقصد وطنية شاملة تقوم على فكرة أن العراق ملك لجميع أبنائه بالتساوي، بغض النظر عن القومية أو الدين أو الطائفة أو المنطقة.

وينبغي أن يتمكن العراقي العربي والكردي والتركماني والآشوري والكلداني والإيزيدي والمسلم والمسيحي والصابئي المندائي والعلماني والمتدين جميعا من رؤية أنفسهم ضمن هذا المشروع الوطني. وأعتقد أن هناك أهمية سياسية كبيرة في الربط بين العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية.

فيمكن أيضا فهم النضال ضد الفقر والفساد والبطالة والتبعية الخارجية والضعف الاقتصادي باعتباره نضالا من أجل بناء عراق أقوى ومستقل فعلا.

ينبغي للعراق أن يتعاون مع الدول الأخرى، لكن يجب ألا يصبح معتمدا بصورة بنيوية على أي قوة أجنبية. وينبغي أن يكون الهدف هو تحقيق السيادة الاقتصادية الاستراتيجية. على العراق أن يسعى إلى امتلاك القدرة على تأمين احتياجاته الأساسية، بما في ذلك الغذاء والمياه والكهرباء والطاقة والأدوية والنقل والاتصالات والمتطلبات الصناعية الرئيسية، مع استمرار مشاركته في التجارة الدولية. وبعبارة بسيطة، ينبغي أن يكون العراق قادرا على التعاون مع الجميع من دون أن يكون تابعا لأحد.

ولا ينبغي لهذه الوطنية أن تتناقض مع الأممية. فبإمكان الحزب دعم التعاون والتضامن بين الشعوب، وفي الوقت نفسه الدفاع عن سيادة العراق واستقلاله وكرامته وتنميته.

وقد يستحق إرث عبد الكريم قاسم أيضا اهتماما أكبر في هذا السياق. ومع ذلك، لا تزال تلك المرحلة مرتبطة في الذاكرة التاريخية العراقية بالسيادة الوطنية والإصلاح الاجتماعي والإسكان والإصلاح الزراعي والتنمية ومقاومة الهيمنة الأجنبية وبعلاقة تاريخية مهمة مع الحركة الشيوعية العراقية. ويمكن للحزب أن يتفاعل بصورة أكثر جدية مع هذه الذاكرة التاريخية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تقييم صريح لكل من إنجازات تلك المرحلة وإخفاقاتها.

خامسا، ينبغي للحزب أن يجعل التجديد الداخلي أحد الموضوعات الرئيسية للمؤتمر.

فالحزب الذي يسعى إلى تغيير المجتمع يجب أن يدرس باستمرار المخاطر التي يمكن أن تنشأ داخل تنظيمه نفسه. ومن بين هذه المخاطر البيروقراطية والجمود والوصولية وانفصال القيادة عن الأعضاء العاديين وضعف تصعيد الكوادر الشابة والتراجع الأيديولوجي وتحول المواقع السياسية إلى مناصب شخصية دائمة. وتبين تجارب الحركات الاشتراكية على المستوى العالمي أن الجمود الداخلي يمكن أن يصبح خطرا شديدا.

ولذلك يحتاج الحزب إلى آليات للمساءلة والتجديد والتثقيف السياسي وتقييم أداء القيادات وتصعيد المنظمين الشباب الأكفاء وإتاحة نقاش داخلي حقيقي. ويجب ألا يخشى الحزب النقد من داخل صفوفه. فالتنظيم الشيوعي الواثق من نفسه يجب أن يكون قادرا على تحديد أخطائه ودراسة أسبابها وتصحيحها والخروج منها بصورة أقوى.

وأخيرا، أعتقد أن على الحزب التفكير بجدية في معنى أن يصبح حزبا جماهيريا مرة أخرى. فلا يمكن أن يكون الهدف مجرد إقناع الناس بأن الشيوعية صحيحة من الناحية النظرية. بل يجب على الحزب أن يثبت من خلال الممارسة أنه يفهم المشكلات التي يواجهها العراقيون يوميا.

يجب أن يكون الحزب حاضرا حيث يناضل العمال من أجل الأجور والحقوق، وحيث يطالب الخريجون العاطلون بالعمل، وحيث تطالب المجتمعات المحلية بالكهرباء والمياه، وحيث يضر الفساد بالمؤسسات العامة، وحيث يشعر الشباب بأنه لا مستقبل لهم، وحيث تحد التبعية الخارجية من السيادة العراقية.

وقد يتعرف الناس على الحزب في البداية لأنهم يهتمون بالعمل أو الفساد أو الخدمات العامة أو الكرامة الوطنية أو السكن أو التنمية الاقتصادية، لا لأنهم تبنوا الماركسية مسبقا. ولا ينبغي النظر إلى ذلك بوصفه نقطة ضعف. فالتنظيم السياسي الجماهيري يجب أن يكون قادرا على البدء من المشكلات الفعلية التي يعيشها الناس، ثم يوضح لهم كيف ترتبط تلك المشكلات بالبنى الاقتصادية والاجتماعية الأعمق.

ولهذا ينبغي للحزب أن يسعى إلى الجمع بين ثلاثة أمور. (هوية استراتيجية ماركسية واضحة. وخطاب سياسي جماهيري حديث وسهل الفهم. وتنظيم دائم وقوي ومتجذر في المجتمع العراقي.)

وإذا تمكن الحزب من الجمع بين هذه العناصر الثلاثة، فإن التعافي الانتخابي سيصبح إحدى نتائج عملية إعادة البناء، بدلا من أن يكون المقياس الوحيد لنجاحها.

لقد نجا الحزب الشيوعي العراقي من الدكتاتورية والمجازر والعمل السري والمنفى والحروب والاحتلال والطائفية والهزائم التاريخية الهائلة. ويبرهن تاريخه على قدرة استثنائية على البقاء.

والسؤال الذي أعتقد أنه ينبغي أن يكون مطروحا أمام المؤتمر الوطني الثاني عشر اليوم هو ما إذا كان الحزب قادرا على الانتقال من مرحلة البقاء إلى مرحلة إعادة بناء نفسه كقوة جماهيرية قادرة على الإسهام في صياغة مستقبل العراق.

وأتقدم بهذه الملاحظات بكل احترام للنظر فيها ضمن نقاشات المؤتمر الوطني الثاني عشر.