تتضمن مسودة البرنامج الكثير من القضايا المهمة، وتقدم رؤية واسعة لمختلف جوانب الواقع العراقي، إلا إنني اعتقد أن هناك بعض الملاحظات المتعلقة ببنية البرنامج وطبيعته وأولوياته، ومن الضروري أخذها بنظر الاعتبار قبل إقرار الصيغة النهائية.

 

أولا: حجم البرنامج واتساع أهدافه

تتميز المسودة بالشمول واتساع نطاق القضايا التي تتناولها، إلا أن كثرة المحاور والأهداف والتفاصيل تجعلها أقرب في بعض عناوينها، إلى برنامج حكومي شامل، او تصور متكامل لإدارة الدولة والمجتمع، منها إلى برنامج سياسي لحزب يناضل من موقع المعارضة ويسعى إلى التغيير.

أرى من المهم هنا، أن يجري التمييز بين الأهداف الاستراتيجية البعيدة للحزب، وبين ما يطرحه كبرنامج للعمل في المرحلة الراهنة. كما ان اتساع الالتزامات الواردة في البرنامج ينبغي ان يتناسب مع الموقع السياسي والتنظيمي الفعلي للحزب وقدرته على التأثير والتنفيذ، سواء بصورة منفردة أو من خلال التحالفات.

 

ثانيا: غياب ترتيب واضح للأولويات

رغم أن المسودة تحدد عددا من القضايا المهمة، فأنها لا تقدم بالوضوح الكافي، ترتيبا واضحا للأولويات التي يرى الحزب أن المرحلة الراهنة تتطلب التركيز عليها. فمعالجة المحاصصة، ومكافحة الفساد، واستعادة سيادة الدولة، وإصلاح النظام السياسي، وبناء الاقتصاد المنتج، وتحسين الخدمات، وحماية الحقوق والحريات، وغيرها، تظهر جميعها باعتبارها قضايا أساسية، من دون تحديد واضح لما هو عاجل وما هو متوسط المدى وما هو استراتيجي. لذلك، من المهم تحديد عدد من الأولويات المركزية للمرحلة، وان يوضح العلاقة بينها وما يمكن تحقيقه تدريجيا، بدءا من القضايا الأكثر إلحاحا والأكثر قابلية للتحقيق، وصولا إلى القضايا التي تتطلب تحولا أعمق وأطول زمنا.

 

ثالثا: ضرورة التمييز بين مراحل العمل السياسي

أقترح إعادة تنظيم البرنامج على أساس التمييز بين ثلاث دوائر مترابطة:

 

أ: تشخيص الواقع العراقي

وطبيعة المرحلة

يشمل ذلك تقديم صورة مركزة عن طبيعة النظام السياسي والاقتصادي القائم، وأسباب الأزمة، وأبرز التناقضات والمشكلات التي تواجه البلاد، والقوى الاجتماعية والسياسية المؤثرة فيها، وصولا إلى تحديد المهمة الأساسية للمرحلة.

 

بـ: برنامج الحزب في موقع المعارضة

وهذا ينبغي أن يكون الجزء الأكثر ارتباطا بالمرحلة الراهنة، وأن يجيب بوضوح عن سؤال: ماذا يريد الحزب أن يحقق، وماذا يستطيع أن يفعل من موقع المعارضة؟ وما هي الآليات المتاحة لذلك؟

يتضمن ذلك تحديد أولويات النضال السياسي والجماهيري، وبناء التحالفات، ودعم الاحتجاجات والتحريض على الحراك الشعبي، وفضح نظام المحاصصة والفساد، والدفاع عن مصالح العمال وسائر الفئات الاجتماعية، وتوسيع قاعدة القوى الراغبة في التغيير.....الخ.

 

جـ: برنامج الحزب

في حال المشاركة في السلطة

اما السياسات المتعلقة بإدارة الدولة وإعادة بناء الاقتصاد والخدمات والتعليم والصحة والإسكان والطاقة والصناعة والزراعة وغيرها، فيمكن أن تندرج في قسم خاص يوضح ما سيسعى الحزب وحلفاؤه إلى تنفيذه في حال الوصول إلى موقع يسمح لهم باتخاذ القرار والمشاركة في ادارة الدولة.

وبذلك يصبح واضحا الفرق بين ما يطالب الحزب بتحقيقه من موقع المعارضة، وما يستطيع السعي إلى تنفيذه عندما يمتلك أدوات السلطة والتشريع والتنفيذ.

 

رابعا: تحديد الأفق الاستراتيجي للحزب

إلى جانب المستويات الثلاثة السابقة، من المهم الحفاظ على الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى للحزب، وفي مقدمتها التوجه الاشتراكي، ولكن من الأفضل فصلها بوضوح عن برنامج العمل في المرحلة الراهنة.