في بعض المدارس كان يُسمّى "الإنشاء"، ربما لأنه يُنشأ من الفراغ، ويُملأ بالزخرف الكلامي. يكفي أن يقترح المعلّم موضوعاً، ثم يبدأ عصفٍاً ذهنياً لطلابه كي يستثير فيهم مواطن الجمال، ويدفعهم لانتقاء الكلمات العذبة. لكن، كل هذا كان في إطار تقوية "التعبير" اللغوي فقط.
يعني أن المنظومة التعليمية كانت تستهدف تنمية الطالب وتربيته على استعمال قدراته التعبيرية حين يلجأ الى اللغة للتعبير عن نفسه.
طبعاً، لم يكن هذا ما يحصل دائماً. وأثبتت النهايات، أن كل دروس الإنشاء والتعبير لم تمنع الآلاف من الإلتحاق بالسلاح فقط للتعبير عن أنفسهم!
كانت السلطة الشمولية تقف حذرة متوثبة ويدها على الزناد تجاه كل شيء قد يفضي الى ممارسة حق "التعبير" عن الذات. ففي ظل الدكتاتوريات، لا أحد يحق له أن يعبر وليس هناك من ذات أصلاً. إنما ستفكر السلطة، ثم تزقّنا أفكارها، وبعد ذلك لنا أن نتحوّل الى جوق هادر من الببغاوات، نكرر رأي السلطة، وبيننا من يظن أنه رأيه هو.
النتائج في العادة تكون هي الكارثة بعينها. لأن جيلاً عريضاً سينشأ دون أن تكون له مهارة استخدام الكلمات في التعبير عن ذاته، وليس من بديل للكلمات في العادة إلّا العُنف. بعدها، سنحصد ببذخ بذور الشيطان هذه.
كل هذه الخلاصات، مجانية، ومتوفرة، ومهضومة ومعروفة. لكن كسل بعض العقول غيّبها عن المشد الآني، وجعلها حظّها العاثر(وربما حظّنا المسكين) أن تعود وتتدحرج مرّة أخرى الى أسفل الوادي، وكأن لا خبر جاء ولا وَحي نزل!
على من يتصدى لمهام كبُرت أم صغُرت ضمن نظام ديمقراطي، أن يوسع صدره اولاً. وأن يشنف أذنيه ويجعل السمع أولى مهامها. وأن يفهم أيضاً حجم المسؤولية الملقاة على عاتق المسؤول الحكومي. عليه أن يسمع للناس، وأن يصغي ثم يحسن الإصغاء.
هذه القواعد صارت من صُلب العمل السياسي الديمقراطي، وليس من بين زوائده. ولا زوائد في الديمقراطية، فالكل يرجع الى الأصل الواحد، وهو حرية التعبير. أمّا من سيضيق بها ولا تحتمل مشاعره كلمة من هناـ او كلمة من هناك، فأمامه أحد خيارين؛ إما أن يعترف بأنّها لم تعد ديمقراطية، أو أن يبحث عن عمل آخر، لن يزعجه فيه أحد، وسيختار زبائنه هناك على راحته.
لأن زبائن الديمقراطية لهم الحق بالكلام.. كل الحق.