المنبرالحر

انقذوا التعليم / د. شهيد احمد حسان الغالبي*

الانسان بلا ضمير حي.. لا يعني شيئاً.. مهما كان هذا الانسان على دفّة المسؤولية او مواطنا اعتياديا بلا منصب، ولكن الجميع مسؤولون تحركهم ضمائرهم ان كانت حية.
التعليم في العراق في خطر يا سادة .. والجميع يعلم ان الأمم ترتقي وتتطور بالعلم والتعليم، فكيف اذا تدهور العلم والتعليم؟ هذا يعني ان الأمة في خطر والعراق وشعبه في خطر. لقد قدّم العراق الآلاف من الشهداء من أجل ان يبقى شامخاً ووطناً للجميع، يعم فيه السلام ويندحر فيه الارهاب. فلماذا لا تتحرك الضمائر وخاصة من اصحاب القرار لمعالجة الخلل الذي اصيب به التعليم والذي ينذر بخطر؟ نُحذّر.. نُحذّر.. نُحذّر بأن التعليم يتجه الى الهاوية ان لم يتداركه المخلصون والوطنيون والتواقون الى العلم والذين يريدون للشعب التقدم والرخاء. يا سادة ان شوكة التعليم انكسرت في السنوات الأخيرة وبدأ بالتدني رويداً رويدا. نعمل الآن في ظل تشريعات مضى عليها اكثر من اربعين عاماً، وفي هذه العقود تغيرت الدنيا وتبدلت الأزمان فلماذا يُقر هذا القديم؟ هل ان العراق جفت منابعه من الخبراء والعلماء والاختصاصيين ورجالات التربية والتعليم الى الحد الذي لا يتمكن فيه من اصدار تشريعات جديدة تواكب المدنية والتطور لدى شعوب العالم المتحضر؟ تشريعات مضى عليها الزمن وأصدأتها السنون وضعت لأجيال غير هذه.
في محافظتنا ذي قار لعب الزمن ما لعب، وعبث العابثون بمقدرات المؤسسات التربوية والمنابر العلمية بفعل المحاصصة برغم وجود الاخيار الذين يذودون عن التعليم وكأنهم في ساحات وغى فهم يقاتلون الوهم والوهن والروتين والفساد واللامبالاة والمحاصصة. خوفي من الحزبية الضيقة وتحويل بعض المفاصل التربوية الى هيمنة بعض القوى والأحزاب والإئتمار بأوامرها، وبذلك نعود الى الزمن السابق الذي افتقدت فيه المهنية ولعبت فيه السياسة دورا مرعبا أفرغ التعليم من محتواه. التسويات والتنسيبات لم تحل رغم الجهود المضنية التي بذلت وكأننا عجزنا عن رسم خارطة لهذه المعضلة ولو دققنا جيداً لوجدنا كماً كبيراً من الاختصاص الواحد في مدارس عديدة في مراكز المدن، يقابله ندرة او لا وجود لمثل هذه الاختصاصات في الاطراف والأماكن النائية، وهذا يحملنا مسؤولية كبيرة. وتشهد التربية تدخلا من البعض الذين لا يفقهون شيئاً من التربية وأنظمتها وبعيدين عن الشأن التربوي لكنهم متنفذون يغيرون الموازين نحو الأسوأ ارضاء لمريديهم واتباعهم. مشاريع الأبنية المدرسية متوقفة ومحافظتنا تعاني من الأزدواج الثنائي والثلاثي، وقد جرت بعض المعالجات للترقيع وتم اعتماد كرفانات، لكن الكرفانات هذه وضعت عليها اليد واحتكرت من البعض، الأمر الذي قيّد التربية ومنعها من التصرف وحل الاختناقات. المتنفس الوحيد الآن هو اليونسيف التي جهزت العديد من مدارسنا بالكرفانات ونفذّت مشاريع كان آخرها الإدارة المستندة على المدرسة.
ويلوح في الأفق شبح التآمر على المدارس الحكومية وخلق المتاعب أمامها وتحميلها ما لا تتحمل وإظهارها كأنها عاجزة بسبب بناياتها وضعف توفير المستلزمات الدراسية والأثاث وإفراغها من اختصاصاتها المهمة لكي يعلن البعض فشلها. وفي الآونة الأخيرة تفاعلت قضية انتقالات الطلبة بين المدارس وامتناع العديد من إدارات المدارس عن قبول الطلبة بمبررات غير مقنعة، وأخذت اعداد من الطلبة تطرق ابواب المدارس بلا جدوى لكي يدفعوا بهم الى المدارس الأهلية التي توسعت وزادت اعدادها بسبب الهجمة على التعليم الحكومي والتي يتم من خلالها شراء الطلبة المتميزين واغراؤهم هم وأولياء امورهم بطرق شتى وإعفاؤهم من الاقساط السنوية لكي ينقلوا التميز من القطاع الحكومي الى الأهلي، وهذا ما نشهده هذه الأيام. المعنيون بالشأن التربوي حرصوا على اصدار قرارات لتنظيم العمل في المدارس الأهلية لكن الإشراف التربوي والاختصاصي، وللأسف الشديد، برغم حرصه وتفانيه الا ان متابعته للمدارس الأهلية ينتابها الغموض، رغم ان نظام المدارس الابتدائية والثانوية هو المعمول به في القطاعين، عدا بعض الاستثناءات البسيطة. أما هيئة الرأي في وزارة التربية فليس لها رأي مستقر، وما أكثر القرارات دور ثالث(تكميلي), دخول عام للامتحانات الوزارية, نظام المحاولات, الكورسات, الاحيائي والتطبيقي, اضافة 5 درجات, اضافة 10 درجات, سنوات عدم رسوب, معالجة الحالات الحرجة.. الخ. هذه سياسة مترنحة تلقي بظلالها على التعليم وتفقده بريقه. ان اتباع اللامركزية في النظام الإداري والسياسي انجاز تعزز بنقل الصلاحيات وكنا نأمل منه تعزيز مكانة التعليم ورفع شأنه وان تطلق اليد الى المديرية العامة للتربية للعمل بحرية ومهنية للإرتقاء بالعمل التربوي لكن الوضع الان اصبح أكثر تعقيداً بل خلق العديد من الأزمات وتجربة المعلمين والمدرسين المنقولين الى محافظات أخرى أخذت مدى كبيراً من المعاناة والهم والجهد.
ثم ان الوزارة لم تنقل صلاحياتها جميعها بل تركتها مقيدة، وإلا ماذا نفسر عدم نقل صلاحيات اقسام التعليم المهني والإشرافين التربوي والاختصاصي وصندوق التربية؟ علامَ بقاء هذه المفاصل اتحادية في الوقت الذي ارتضينا فيه ببقاء اقسام الامتحانات والمناهج اتحادية؟
رغم حراجة الموقف فأن التربية جادة في ايصال رسالتها برغم الظروف الصعبة التي تمر بها، وسيبقى المعلم والمدرس والمشرف مشاريع تضحية وانوارا لمسيرة أجيال لا تنقطع، ومن يتخلف عن هذه المسيرة يلفظه الزمن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* رئيس لجنة التربية والتعليم
مجلس محافظة ذي قار

المنبر الحر