المنبرالحر

العراق ما قبل الدولة الحديثة (1) / فارس كريم فارس

يبدو انه لابد من الرجوع الى التاريخ ليس من اجل عرضه او التذكير به, بقدر ما المحاولة والسعي لتحليل ودراسة الاحداث والظواهر التي تركت اثرا غائرا في سلوك وطبائع الناس, وساهمت في رسم الحاضر واحداثه المتنوعة وما نعايشه من افراح نادرة واتراح جارفة, وفي هذه السلسلة من المقالات, سنتناول بالعرض والتحليل العميق لحقبة تاريخية مهمة, ساهمت بتكوين وصيرورة شعب وادي الرافدين ودولتها المعاصرة الذي سمي بالعراق, هذا العراق الذي لم تمر لحظة في التاريخ, لم يكن فيها تحت انظار جواره الطامعين به, والقوى الكبرى وفي مختلف العصور, لكسره او احتوائه ولاستغلال خيراته وموقعه الاستراتيجي.
لكن العراق كان ينهض باستمرار رغم كل شيء وينشر علمه ونوره في جميع البقاع, وكان ذلك دوما مرتبط بهمة ووحدة ابنائه وعزيمتهم المستمرة للعيش بكرامة وحرية, وكان ظلم الغرباء يهون في بعض الاحيان مقارنة بظلم اهل الوطن الواحد, حيث المصلحة الذاتية والطموح الاعمى والغرور او الارتباط بالأجنبي وضعف الشعور الوطني, من اقسى الفترات واعقدها, حيث اخرت العراق بل ومزقته في احيان كثيرة, لقد تم الاعتماد في هذه المادة على مصادر ومراجع رصينة لكتاب عراقيين وعرب واجانب, حيث سنتناول بالبحث والتمحيص والتحليل, اهم الاحداث النوعية التي مرت بالعراق ما قبل الدولة الحديثة والتي قد تتيح لنا ان نكوّن تصوّر عن ما يجري من احداث راهنة, لها جذور في عمق التاريخ.
لعل من المفارقة ان يكون العراق الذي "نشأت على ارضه اولى الحضارات حضارة وادي الرافدين التي تفردت بأول ظهور لنظام دولة المدينة على انه اول شكل من اشكال الحكم في التاريخ البشري. لم يستطع ابنائه في العصر الحديث من بناء دولة تتمتع بنفس الصفات او اقل من صفات دولة المدينة السومرية التي استطاعت من حفظ حياة الفرد وتوفير الكرامة والعدل له, وبعد (8000- 7000 سنة) من نشوئها.
حيث تمتد جذور اصول نظام دولة المدينة السومرية, الى زمن نشوء اولى مراكز الاستيطان البشري في السهل الرسوبي (6000-5000 ق.م) مما دعي كريمر Kramer ان يجعل عنوان احد اهم كتبه " التاريخ يبدأ من سومر".
حيث هناك تم الاتفاق على وجود سلطة قوية تضمن الامن والنظام, وان النظام السياسي للمدينة السومرية في عصورها المبكرة اقترن بشيء من الديمقراطية البدائية أذ تواجد مجلسان احدهما للمسنين والاخر للشباب القادرين على حمل السلاح وبيدهما سلطة ادارة شؤون المدينة, وفي ظروف الازمات التي كانت تواجه المدينة (المخاطر الخارجية, الفيضانات, الاوبئة) كان المجلسان ينتخبان حاكما انسي (ENSI) لممارسة السلطة الزمنية الادارية والعسكرية الى جانب الكاهن الاعلى. ففي نص سومري اجتمع اهل كيش (Ipuhurkish) واختاروا ملك من اهالي كيش اسمه اوروكاجينا للعرش وكان ذلك نتيجة خلع الشعب للحاكم السابق وانتخابهم له.
ومع ولادة وظيفة ال (انسي) أي الحاكم الزمني بدا الانفصال التدريجي بين السلطتين الزمنية والدينية لصالح الملك. ان الاصلاحات التي تحققت في عهد اوروكاجينا, اول حاكم مصلح في تاريخ البشرية تلقي الضوء على بعض القضايا الحياتية في عصر فجر السلالات (دول المدن السومرية) واخر حكام دولة مدينة لكش. لقد اصبحت مهمة اقامة العدل (الميشاروم) من الواجبات الرئيسية لحكام وادي الرافدين الذين جاءوا من بعد اوروكاجينا.
كانت حضارات وادي الرافدين متمثلة بالحضارة السومرية ومن بعدها الحضارة الاشورية ومن ثم الحضارة البابلية وبعد سقوط الاخيرة, واجه العراق ولقرون عديدة مختلف اشكال الاحتلال الاجنبي وتدهور الحياة الاجتماعية والانحطاط لحين الفتح الاسلامي ودخول البلاد الى الدين الجديد.
كان موقع العراق وغنى ثرواته محط أنظار شعوب عديدة تجاوزت في احيان كثيرة قاطني الجبال والصحاري المجاورة, ففي اواخر عهد الحضارة البابلية, وبعد ان اسس كورش (الاكبر) الثاني السلالة الاخمينية وورث العرش الميدي ووحّده مع العرش الفارسي وسيطر على كل بلاد فارس, اتجه نحو بلاد الرافدين, واحتل بابل عام 539 ق.م, وبذلك وضع نهاية لحضارة وادي الرافدين. وفي حين نجح الفرس الاخمينيون في احتلال العراق واحتوائه عسكرياً, فانهم لم ينجحوا في احتوائه حضارياً.
واجهت بلاد بابل منذ احتلالها من قبل الفرس الاخمينيون مصيرها السيئ والاكثر سوءاً يوم بعد يوم, يكفي معرفة ان الجيوش الاجنبية استباحت بابل تسع مرات خلال اربعين عام فقط بعد سقوط الإمبراطورية البابلية, ومنذ بداية الاحتلال شهدت بابل ثورات مستمرة وواجهت ردود فعل قاسية من قبل الغزاة قتلاً وحرقاً وتدميراً.
انتهت الدولة الاخمينية باجتياح الاسكندر المقدوني بلاد الرافدين لغاية الهند, ودخل بابل عام 531 ق.م, وعامل آلهتها (مردوخ) باحترام, ولكن ما ان عاد حتى توفى في بابل عام 523 ق.م, فخضعت الى سيطرة السلوقيين (نسبة الى سلوقس احد قادة الاسكندر). ولكن العائلة السلوقية فشلت في خلق مناخ سياسي مستقر بسبب ضعفها ومنازعاتها الداخلية المستمرة, واندلاع الحروب بين ورثة الاسكندر. لذلك تعرضت بابل للغزو الدائم. وهكذا بزغ القرن الثاني قبل الميلاد وبلاد الرافدين غارقة في الدم.
مع نهاية الإمبراطورية السلوقية, احتل الفرثيون الذين جاءوا من الهضبة الايرانية, بلاد بابل مرتين (153/140 ق.م). واساءوا معاملة البابليين وقاموا ببيع عدد منهم ارقاء في بلاد ميديا, فثارت بابل فجوبهت بالقتل والحرائق وتشريد سكانها........وأخذت بابل تتحول الى خرائب حتى اصبحت فارغة من سكانها عام 115 ق.م. وبذلك تكون ارض ما بين النهرين منذ سقوط اخر حضاراتها البابلية قد خضعت للحروب والتدمير والاحتلال على مدى اكثر من احد عشر قرناً من الزمن لغاية الفتح العربي الاسلامي.
ساهمت الدعوة الجديدة بين عرب الجزيرة وفرضها الجهاد في نشر الاسلام, علاوة على الاحتلال الاجنبي لأجزاء من البلاد العربية, في بدء العرب المسلمين فتوحاتهم بتحرير الاراضي العربية. وتحقيق الانتصار العربي الاسلامي في معارك تحرير العراق في القادسية – غرب النجف / منطقة الحيرة, بينما جاء الانتصار على الفرس في معركة نهاوند قرب همدان بنهاية الإمبراطورية الفارسية وتحرير العراق خلال الفترة 15-21 هـ/ 636-641 م. وكما فتحت معركة القادسية ابواب العراق , فان معركة اليرموك ضد البيزنطيين فتحت ابواب الشام امام العرب.
عاش الى جانب العرب في امصارهم الجديدة عناصر وطوائف اخرى نتيجة للتسامح الديني الذي اتصف فيه الاسلام, وعُرف هؤلاء باهل الذمة, ومنهم اتباع الديانة المسيحية الذين استقروا في العراق قبل الفتح بضمنهم اهل الحيرة ومعظمهم من العرب المسيحيين. وكان الفرس يسيئون معاملة هذه الطائفة ويضطهد ونها, ولما فتح العرب المسلمون العراق رحب اهل الذمة بهم املاً في الخلاص من ظلم حكام الفرس والاعفاء من الخدمة العسكرية والتمتع بالحرية الدينية التي سمح بها الاسلام مقابل دفع الجزية.
يمكن تلخيص اهم اسباب نجاح الفتوحات العربية الاسلامية والانتصار على الامبراطوريتين الفارسية والبيزنطية في العوامل التالية: الانهاك الذي حل بهما نتيجة الحروب الكثيرة التي وقعت بينهما. ممارسة الاضطهاد الديني, فرض ضرائب ثقيلة والاستياء الشديد نتيجة الظروف القاسية. يضاف الى ذلك ان اهل الشام والعراق - بحكم الجوار- قد تسامعوا بما تحمله الدعوة الاسلامية من رفع الشقاء المادي عن الفقراء والمعدمين والمضطهدين. وما سهل على العرب السيطرة على العراق وكذلك ارض الشام هو العلاقات المشتركة التي تعود الى اقدم عصور حضارة وادي الرافدين, بما فيها من صلات ثقافية واختلاط مستمر بين معاشر البدو واهل البلاد "أرض السواد", ارض الخيرات.
لقد اجتمع العرب بالإسلام لأول مرة في اطار دولة واحدة تضم عرب الشمال وعرب الجنوب بتراثهم الحضاري, وتجمع البدو والحضر في دعوة واحدة وحركة واحدة وانهى بذلك حالة المجابهة والصراع بين البدو والحضر لفترة تناهز قرنين. وحمل العرب الرسالة الى الخارج. من هنا كانت المأثرة الاولى للإسلام انها دفعت بالجزيرة العربية الى التحرك من مرحلة البداوة والتنقل الى مرحلة التحضر والاستقرار. وقد حارب الاسلام وقيّد النزعة العصبية وان لم يتمكن القضاء عليها بصورة تامة وشاملة, عبر فكرة الشريعة والقانون بدلا من القيم القبلية القائمة على العرق والنَسبْ ونشر فكرة الوحدة السياسية للأمة محل التجزئة العشائرية. يتبع

المنبر الحر