/
/

الانتخابات التركية أضعفت مواقع رجب طيب أردوغان

جرت في تركيا يوم السبت الماضي انتخاب رئيس الجمهورية وأعضاء البرلمان التركي. وكانت النتيجة على خلاف ما توقعته المعارضة، فقد حصل أردوغان على 52% من الأصوات، في حين حصل حزب العدالة والتنمية على 42% من الأصوات في البرلمان. وتراجعت نسبة الآراء التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية بمقدار 7% مقارنة بالانتخابات السابقة. كما حصل حزب الشعوب الديمقراطية بزعامة صلاح الدين دميرتاش، الذي رشح نفسه لانتخابات الرئاسة من داخل السجن، على نسبة 11.5% من الآراء وتجاوز نسبة 10% الضرورية للجلوس على مقاعد البرلمان. وهكذا سيشغل هذا الحزب 67 مقعدا في البرلمان التركي القادم وستغدو كتلة هذا الحزب البرلمانية الثانية المعارضة. وقد حصل حزب الشعوب الديمقراطية على أكثرية الأصوات في المناطق الجنوبية الشرقية التي تقطنها غالبية كردية مثل ديار بكر وحكاري وشرناق ومدن أخرى. هذا في الوقت الذي تراجعت نسبة الأصوات التي حصل عليها حزب الشعب الجمهوري من 25% في انتخابات عام 2016 إلى 22.6 في الانتخابات الأخيرة. وتشير نتائج الانتخابات إلى تراجع أصوات جميع الأحزاب التركية باستثناء حزب الشعوب الديمقراطية بزعامة صلاح الدين دميرتاش، فعلى الرغم من القيود التي فرضتها الحكومة على هذا الحزب والممارسات التخريبية ضده، استطاع هذا الحزب تجاوز نسبة 10% وعزز مواقعه داخل البرلمان. ويبدو أن الديناميكية الداخلية في تركية مازالت قائمة على الهوية. وبعبارة أخرى فالمناطق الكردية وقسم من المجتمع المثقف في المدن التركية الكبيرة مثل اسطنبول تشكل القاعدة الرئيسية لحزب الشعوب الديمقراطية. في حين يتمركز القوميون والمحافظون بشكل أكثر في أناطوليا الذين يعتبرون حزب العدالة والتنمية ممثلهم الرئيسي، ويقف المجتمع المرفه والعلماني في المدن الكبرى إلى جانب حزب الشعب الجمهوري.

إن محرك الأحداث في تركيا هو الصراع القومي بين القوميين الأكراد والقوميين الأتراك، إضافة إلى الصراع بين المحافظين المذهبيين في الفئة الأخيرة والقوى العلمانية. هذه هي  التيارات الاساسية الثلاث على الساحة التركية، وإن التعامل بينها يعد عاملاً حاسماً في الاستقطاب السياسي والانتخابي. إن إدراك أردوغان لهذا الواقع هو الذي دفعه إلى إجراء انتخابات مبكرة كي يحبط المساعي الجارية من قبل المعارضة لتشكيل جبهة تزعزع مواقع أردوغان أملاَ بأن استمرار سياسته الحالية قد تؤدي إلى تهميش المعارضة.

ومن اللافت للنظر في نتائج الانتخابات هو تراجع أصوات حزب الشعب الجمهوري، وهي نتائج جاءت خلافاَ لتوقعات الحزب وسعيه المحموم لتشكيل جبهة ضد سياسات اردوغان وسحب بعض الأصوات من قواعد حزب العدالة والتنمية علاوة على كسب اصوات من المناطق التي يقطنها الأكراد. إن تراجع الأصوات لصالح حزب الشعب الجمهوري يعود إلى إن أعداداً من الأصوات التي اقترعت لصالح الحزب في السابق قد مالت لصالح حزب الشعوب الديمقراطية رغم ما تعرض له هذا الحزب من ضغوط وتعرض آلاف من أنصاره وكوادره للسجون، إلاّ أن الحزب تجاوز النسبة المئوية التي تسمح له بالجلوس على مقاعد البرلمان ، أي 10% كما نص عليه الدستور التركي. هذا الواقع يلقي الضوء على حقيقة أخرى وهي أن عقوداً من حكم وسياسة العلمانيين في الحزب الجمهوري وتعاقب الانقلابات العسكرية مثلت عاملاً معنوياً سلبياً انغرس في أذهان جماهير الشعب وتحول إلى سداً يعرقل مساعي هذا الحزب لتزعم المعارضة التركية رغم سعيه للتقارب مع الأكراد أو مع الجماهير القومية ذات التوجه المذهبي. ومن ناحية أخرى فإن الاختلافات حول ترشيح أردوغان للرئاسة وتدني الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات الأخيرة يمكن أن تؤدي بالضرورة إلى تراجع القاعدة الاجتماعية لحزب العدالة والتنمية. ويمكن لهذه الآراء أن تصب لصالح الحزب القومي بزعامة مرال آكشنر الذي حصل على نفس النسبة السابقة من الأصوات رغم الانشقاق الذي تعرض له الحزب.

أما الوجه الآخر للأحداث التركية فهي أن نافذة قد فتحت أمام حزب الشعوب الديمقراطية. فبالارتباط مع العد التنازلي في الوضع الاقتصادي، يمكن ملاحظة تراجع أكثر في أصوات الناخبين بين القوميين والفئات المحافظة المذهبية التي كانت تصوت لصالح حزب العدالة والتنمية في السنوات السابقة بسبب وتيرة النمو الاقتصادي والحريات الدينية. إن الغموض حول المسقبل الاقتصادي من شأنه أن يدفع أردوغان خلال الفترة القادمة إلى خوض الحرب ضد پ.ك.ك. في كردستان وتوجيه الاتهامات ضد حزب الشعوب الديمقراطية بذريعة "تعاونه مع پ.ك.ك. والإرهاب" والاستمرار في سياسته الاقليمية بهدف الابقاء على "تنور" المشاعر القومية. ولذا فإن إضعاف القاعدة الاجتماعية لأردوغان وحزبه من ناحية، وحضور حزب الشعوب الديمقراطية كثاني كتلة معارضة في البرلمان يمثلان عنصراً مهماً في المشهد السياسي التركي لا يمكن تجاهلهما. وفي الحقيقة إن النتيجة المهمة للانتخابات الأخيرة لا تعد انتصاراً لأردوغان، بل هو تغيير مهم في مواقع القوى. فهل سيعيد أردوغان النظر في سياساته كي لا يفقد قاعدته الاجتماعية؟ الجواب على هذا السؤال ستجيب عليه الانتخابات القادمة. 

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل