/
/

اعداد: رشيد غويلب

 

 أعلن بابا الفاتيكان فرنسيس، المنحدر من مدرسة لاهوت التحرير في امريكا اللاتينية، لأول مرة، بكلمات واضحة شديدة الدلالة "اليوم العالمي الأول للفقراء". إن هذا الاقتصاد مميت، والقانون المهيمن فيه يستثني أوسع الأوساط الجماهيرية، ويدفعها إلى الهامش، بلا عمل وبلا بدائل. وفي مقالة نشرت مؤخراً، يتناول المؤرخ النمساوي الشيوعي (غيرهارد أوبيركوفلر) دعوة البابا، انطلاقا من واقع استغلال الشركات متعددة الجنسيات الفاضح للعالم الثالث: إنتاج الأسلحة الفتاكة، علاقات عمل غير مستقرة، تصاعد فقر الأطفال والعواقب الوخيمة الأخرى لتعمق واتساع رفع القيود عن تنظيم المجتمعات الصناعية. إن النقد الذي يمارسه البابا لاغتراب الناس الذاتي نتيجة للاستبداد الرأسمالي، لا يعني بالنسبة للكاتب سوى "أن إضفاء الطابع الإنساني على الإنسان لا يمكن أن يتحقق إلا في الاشتراكية". ولهذا السبب تتصاعد حملة تعبئة القوى المتشددة داخل وخارج الكنيسة الكاثوليكية ضد خطاب البابا المنفتح.

وفي ما يأتي نقدم بتصرف تلخيصاً لأهم ما ورد في هذه المقالة. 

أعلن البابا في 19 تشرين الثاني 2017 (الأحد 33) لأول مرة عن تنظيم "اليوم العالمي الأول للفقراء"، داعياً الكنيسة الكاثوليكية إلى تأسيس تقليد "يساهم بشكل ملموس في التبشير الانجيلي لعالم اليوم". لقد تسلم البابا مهامه في 13 آذار 2013، وتضمنت رسالته الصادرة في بداية عهده في 24 تشرين الثاني 2013: "الخيار للفقراء". واستمراراً للأفكار الواردة في البيان الشيوعي الذي كتبه كارل ماركس وفريدريك إنجلز قبل قرابة 170عاماً، يدين البابا فرانسيس الهوة التي لا يمكن ردمها بين الثروة والفقر، باعتبارها نتاجاً للنظام الاقتصادي الرأسمالي: "كما جاء في الوصية (لا تقتل)، التي تضع حداً فاصلاً للحفاظ على قيمة الحياة البشرية، يجب علينا اليوم أن نقول "لا لاقتصاد الاستبعاد والتفاوت في الدخول". ويضيف "اليوم يدور كل شيء وفق معايير القدرة على المنافسة، وعلى أساس قانون البقاء للأقوى، حيث يدمر الأقوياءُ الضعفاءَ. ونتيجة لهذا الوضع، تجد جمهرة هائلة من السكان نفسها مستبعدة ومهمشة: بدون عمل، بدون آفاق، ودون حلول"، و"لقد خلقنا أصناماً جديدة. واكتسبت عبادة العجل الذهبي القديم شكلاً جديداً، في تقديس المال، وفي دكتاتورية اقتصاد بلا ملامح، وبلا هدف إنساني حقيقي". وبالنسبة للبابا فرنسيس، يظل الفقر وحشياً بدون عقاب، لهذا يرى أن "طغياناً جديداً غير مرئي، وأحيانا افتراضي" يفرض من جانب واحد، وبلا هوادة، قوانينه على الناس وقواعدهم: "إن جشع السلطة والامتلاك لا يعرف حدوداً".

 جمهورية الكونغو الديمقراطية واحدة من أغنى البلدان في العالم، تكتنز ترتبتها العديد من المعادن المطلوبة عالمياً مثل النحاس والكوبالت. وفي ثلاثينيات القرن العشرين، بدأ سادة الاستعمار البلجيكي في استغلال حزام النحاس الذي يمتد من زامبيا إلى الجنوب الشرقي من الكونغو. واليوم يكدح أطفال ونساء ورجال البلاد من أجل البقاء على قيد الحياة في المناجم، التي تحول مياه مجاريها إلى الأنهار والبحار. لقد أصبحت الإصابة بالسرطان جماعية، وتحولت التشويهات التي تصيب الأطفال إلى أوبئة. ولا تبالي شركات مثل آبل، سامسونغ، وLG، وكذلك زبائنها، بالكيفية التي تصل فيها المواد الخام الدموية هذه إلى الأسواق. وهكذا تجنى أرباح هائلة من البؤس الكونغولي تتقاسمها شركة المواد الخام السويسرية "غيرتلر" بإدارة ايفان غلاسنبيرغ، وتاجر المواد الخام الاسرائيلي دان غيتلر، ورئيس الكونغو الفاسد جوزيف كابيلا. وهؤلاء وردت أسماؤهم بالوثائق التي سربت مؤخراً المعروفة بـ"أوراق الجنة".

والنظام الاقتصادي الكونغولي، باستثناء الصين، هو النموذج الذي يسود عالم اليوم، بدرجات متفاوتة. وهو نظام الفاقة، البؤس، والحروب الاقتصادية، فعلى سبيل المثال، إن أرباح عائلة ساكلر الغنية العملاقة، تأتي من منتجات شركة الأدوية التي تمتلكها والتي تنشر الإدمان على نطاق واسع في الولايات المتحدة، والتي يطيب لها أحياناً ممارسة أعمال خيرية. وألمانيا التي عادت منذ فترة طويلة إلى المشاركة في شن الحروب، تحقق أرباحاً خرافية من تصدير الأسلحة إلى البلدان الأكثر دكتاتورية، مصحوبة بانتشار العمالة المؤقتة، وبلا ضمانات اجتماعية. وفي هذا السياق يشير البابا إلى أن الفقر تحول إلى تحدٍ يومي، "عندما يرمقنا من خلال الآلاف من الوجوه التي تعكس الألم والاستعباد والإيذاء والعنف والتعذيب والسجن والحرب والحرمان من الحرية والكرامة ونقص فرص التعليم، وانتشار الأمية وشح الخدمات الصحية والبطالة والاتجار بالبشر والرق والنفي، والبؤس والهجرة القسرية. لقد داس الفقر وجوه النساء والرجال والأطفال الذين تستغلهم المصالح الخبيثة، التي يحكمها المنطق المنحرف للسلطة والمال. هذه القائمة القاسية وغير المكتملة تضطرنا إلى التجمع في وجه الفقر الذي هو ثمرة الظلم الاجتماعي والبؤس الأخلاقي، والجشع واللامبالاة على نطاق واسع".

هل يمكن لبابا مثل البابا فرنسيس أن يغيّر العالم؟ وقد سبقه في المحاولة يوحنا الثالث والعشرون. مع "السلام في الأرض" (1963) وبولس السادس. مع "تقدم الشعوب" (1967) مع التأكيد على أهداف في مصلحة البشرية جمعاء. وكان يوحنا الثالث والعشرون. قد تخلى عن أيديولوجية الفاتيكان في شيطنة الماركسية، دون نجاح مستمر. هذه الرسائل البابوية لم تستطع في حينها انهاء الابادة الجماعية التي مارستها الولايات المتحدة في فيتنام، ولم توقف حروب الامبريالية المخفية والمكشوفة، ولا الأعمال الانتقامية في بلدان امريكا اللاتينية، ولم توقف نشاط الطابور الخامس في البلدان التي كانت اشتراكية. ولكن هذه المواقف خلقت امكانيات للتأثير المشترك بين الكثير من الكاثوليك، وأبناء الديانات الأخرى، وغير المؤمنين.

ليس مطلوباً من البابا الاشارة صراحة إلى أن إنسانية الإنسان لا يمكن أن تتحقق إلا في مجتمع اشتراكي، ولكنه يوجه نقده للاغتراب الذاتي للبشر نتيجة للاستبداد الرأسمالي. ولهذا يواجه البابا بسبب رؤيته التجديدية والثورية، تعبئة معادية مغرضة ومفتوحة داخل الكنيسة الكاثوليكية وخارجها. ولم يقتصر الأمر داخل الكنيسة على التأنيب والارشاد المكتوب، بل تعدى ذلك إلى تشكيل جبهة للمعارضين تحت مسمى "عمل الله" لتأكيد النصر على الشيوعية. البابا السابق بنديكت السادس عشر، الذي يرى فيه الكاتب ممثلاً جديراً للكنيسة الألمانية الفاسدة، أحيا تراث الفاشيين الأسبان، وفي الوقت نفسه ضحى بممثلي لاهوت التحرير، كما هو الحال في السلفادور لصالح السياسات الإمبريالية. وحتى في خارج الكنيسة الكاثوليكية تهيئ القوى المتطرفة في محافظتها خليفة للبابا فرنسيس.

يعلمنا تاريخ البشرية، أن الكنيسة الكاثوليكية، والباباوات بوصفهم "ممثلين لله في الأرض"، لم تكن قادرة على تغيير العالم نحو الأفضل. ويسعى البابا فرانسيس، من خلال مشاعر الرحمة التي يمتلكها وشجاعته في الدفاع عن العدالة، إلى إعادة المسيحية، بلغتها الأصيلة، الثروة تعود للجميع، إلى واجهة الكنيسة الكاثوليكية. و"اليوم العالمي للفقراء" هو علامة للأمل والثقة.

ومن المفيد الاشارة إلى أن البابا فرانسيس هو أول بابا من الأمريكتين، ومن أمريكا الجنوبية، ومن الأرجنتين، منذ العام 741، هو أول بابا من خارج أوروبا منذ عهد البابا «غوريغوريوس الثالث»، وأول بابا راهب «من الرهبنة اليسوعية» منذ البابا «غوريغوريوس» السادس عشر، وهو أول بابا يسوعي على الإطلاق.

باختياره أسم «فرنسيس»، يُعد البابا الأول، منذ عهد البابا «لاندو» (913 – 914)، لا يختار أسمًا استعمله أحد أسلافه، كما أنه أول بابا يتسمى بإسم فرنسيس. والتسمية جاءت على أسم «القديس فرنسيس الأسيزي»، الذي لعب دورًا هامًا في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، وترك حياة الترف واختار حياة الزهد، وبدأ بالدعوة إلى مساعدة الفقراء، ونادى بإعادة بناء الكنيسة. ووصفه البابا بكونه رجلاً يدافع عن السلام في عالم تتقاذفه الحروب، ويُدافع ويُحب الطبيعة في عالم يتجه نحو التلوث.

تنزیل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل