/
/

من غير المألوف اوربياً ان يتصدى الشاعر الفرنسي شارل بودلير لترجمة اعمال الشاعر والقاص الامريكي ادغار الن بو "1809- 1849" ليعرّف القارة الاوربية بأكملها بأهمية وفرادة هذا الاديب الامريكي. ومن الغرابة ايضا ان تتأثر الشاعرة العراقية الرائدة نازك الملائكة وهي احدى ثلاث شاعرات مبدعات في عصور الشعر العربي – حسب رأي ادونيس – شأن الخنساء وفدوى طوقان لتسير على خطاه في انموذج احدى قصائده الشهيرة خلال السنوات الخمسينية المبكرة من القرن العشرين. ومن المستغرب كذلك ان تنهمك الناقدة اللبنانية الحصيفة خالدة سعيد في ترجمة قصص "بو" المثيرة تحت عنوان "مغامرات واسرار" في مطلع سبعينيات القرن المذكور.
هذه الحقائق وغيرها ربما تكشف لنا الكثير من قدس اقداس الصنعة الفنية لادغار الن بو كشاعر وقاص وناقد امريكي في النصف الاول من القرن التاسع عشر، الذي قد يضاهي ادبه اشهر الامريكان المعاصرين لحقبته الزمنية امثال الشاعر والت وايتمان والروائيين المعروفين: هيرمان ميلغل وجاك لندن. كما تكشف لنا سر نفور الادباء والنقاد الامريكان من "بو" امثال ديفيد سنكلير وت. س. إليوت وموريس بورا وآخرين، تحت ادعاءات واهية غير منصفة ومنها التشكيك في سيرته الذاتية او كونه سكير فاشل لم يبلغ الذروة المطلوبة منه شأن الكبار من الامريكان والاوربيين في مرحلته او انه موهبة عالية لفتى لم يبلغ سن الرشد، او نصف مثقف بسبب نقص ثقافته الاكاديمية، فهو مخادع ومفتعل، وخطير ولا يمكن ان يصدق ابداً!
وحدهم الفرنسيون، امثال بودلير وتلميذيه الشهيرين "فرلين ومالارميه" من اشاعوا قصص وقصائد ونقد ادغار الن بو خارج العالم الانغلو- سكسوني، ومن ورائهم توافرت الترجمات العربية لأدب "بو" في العالم العربي، بعد ان وصلت قدماه الى حد لا يتوقعه احد في تضاريس الادب العربي.
والسؤال الآن: ماذا قدمت الترجمة العربية لنا من ادب ادغار؟ واسارع الى القول بأننا لم نقرأ "عربيا" لهذا الاديب الامريكي الرائد سوى قصائد اربع، هي: "الغراب، اناييل لي، الاجراس، اولالوم" ومقالتين نقديتين تحت عنوان "فلسفة التأليف" و"المبدأ الشعري" تفردت بهما المجلات اللبنانية في العقد الخمسيني المنصرم، فضلا عن اضمامته القصصية المذكورة التي قرأناها بشغف وما زال صداها ينبض في صدر القاص العراقي المبدع محمد خضير، وفي تجليات البيانات المسرحية الخمسة للمخرج الفنان صلاح القصب. ولعل هذه القصص وحدها هي موضوعة هذا المقال كجولة اتبوغرافية ممتعة في آفاق رحبة من الادب والمعرفة.

سحر السرد أولاً
يدخل القارئ الى عالم "بو" كما يدخل الى متاهة بهدوء وبدون خطة محكمة. ثمة استرخاء سردي من القاص يفاجئ أي افق في القراءة من قبل المتلقي. بل ان الاخير يواجه افقاً مفتوحاً يقظاً في امكنة غير متوقعة: مستودع، سرداب، بئر، زنزانة، او قصر منيف.. غابة معتمة حافلة بالاسرار او بحر يرغي ويزبد. مدن مصابة بالطاعون او وباء الكوليرا، وبلدات حافلة بأجواء ألف ليلة وليلة، او معمار الحداثة او الهندسة القوطية التي حفل بها البناء خلال القرن التاسع عشر. اشكال لولبية او مجسمات دائرية، مستطيلة، مربعة، تاريخية وحواضرية وسواحلية وصحراوية وجبلية. ولا نفتأ ان نواجه بعد ذاك بالشيء الجليل والنادر، الانساني والخرافي معاً، في قصة متقنة الصنع، قصة تكمن لذتها في زيغان الذهن ريغاناً لا يدرك في حالة غير منتظرة او في ذهان غير مسبوق، في فطنة جريئة، في تهور بين مزالق الانسان والطبيعة ومفردات الاشياء والكون والحياة.
وهذا كله يجري في مزيج من الطاقات الروحية او الاعتمالات النفسية المشبوبة. وإذ يتحد القارئ الاستثنائي الحصيف بهذه المتاهة، فانه يضطر صاغراً الى متابعة إدغار ألن بو في سرده القصص الجذاب.
لا مغالاة ان قلنا انه حتى يومنا هذا، على الرغم من الندرة في اطلاعنا على أدب "بو" الذي لم يتوافر لنا كاملة كشأن الادباء الامريكان الآخرين الذين تبعوه بعد عقود طويلة من الزمن، ومنهم جون شتاينبك وارنست همنغواي وارسكين كالدويل، فانه يظل سيد اسياد الغرابة في السرد القصصي والشعر. وان هذه الغرابة هي ابداع "بو" او هي التي ارهصت ومهدت لاشتغال الفن والادب بالغرائب والجنون واختلال النفس البشرية، بوصفها شواغل انسانية مهيمنة، كما فعل ديستوفيسكي وفرانس كافكا، وهما يخلقان عالما جديدا مبتكرا لهما وللانسان، او عالما جديدا للفن والحياة.
الرقاص والبئر
في اول قصص "مغامرات واسرار" لإدغار الن بو نقف على ولع استثنائي غريب لهذا القاص حول قوانين الحركة الفيزيائية للآلات المعدنية، حينما نتعرف على سجين سياسي تحت طائلة العذاب – كما وصفه المفكر الفرنسي ميشيل فوك في ما بعد في احد كتبه – إذ هناك سجين معلق على هاوية بئر، يتأمل رقاص حديدي عملاق من خلال عقرب ساعة اشبه بحد السيف. وهي قصة ولا بد ان تذكرنا بافتتاحية ابن المقفع في "كليلة ودمنة" حينما يتطلع السجين المسلم من اعماق بئر اشبه بهاوية سوداء الى الحرية، من خلال حبل مهترئ يتناوشه جرذان اسودان. وفي الاعماق المظلمة ثمة افعوانان مرعبان، يتأملان سقوط هذا السجين، في اشداقهما، على الرغم من هلع السجين وذعره من مواجهة النسر او العقاب الذي يتحين خلاصه "حريته" عند شفة البئر المذكورة.
هكذا كان ادغار الن بو الفتى والشاعر مسحوراً بالادب الفارسي والاسلامي، وهو لم يبلغ سن الاربعين بعد، حينما كتب قصة "الرقاص والبئر" وهو من وقف على الادب اليوناني في قصة "الظل" والادب الفرعوني في قصة "الموعد" وادب الف ليلة وليلة في قصة "جزيرة الجنية" والفردوس المفقود للشاعر الانكليزي جون ميلتون في قصة "جنة اونهايم".

قصة "القط الاسود"

في هذه القصة المثيرة في سرود الادب القصصي ثمة خطاب اولي شبه ملحمي، يذكرنا بأدب برتولد بريشت المسرحي حول مغازلة المتلقي قبل الفعل الدرامي المحتدم، الذي قد يسقط الدراما الارسطاليسية المعروفة، قبل ان تحصل هذه الدراما منذ استهلالها الاول. في هذه القصة روح هائمة اشكالية المنبع والنشأة والتكوين. روح رجل يعود الى بيته ليلاً ليجد قطا يحاول تجنبه، روح تحيط نفسها بالقطط، وهو المعزول دوما من الكائنات البشرية، حتى في اختيار زوجته، يختارها بسيطة وساذجة، ولا تعارضه ابداً، بل تتحداه في الاجهاض ضد عالمه الحيواني الغريب والمتشابك، الذي يقف فيه قط اسود بائس كروح مهومة في المنزل، وباسلوب سردي مكين لا تضاهيه حتى الميلودراما الفكتورية والرومانسية الشائعة في سرود المدونات الاوربية، كما يفعل تشارلز ديكنز وفيكتور هيغو ومارك توين.

"القلب الذي كشف السر"

وفي قصة شهيرة له، عنوانها "القلب الذي كشف السفر" كما في ترجمة الاديبة اللبنانية خالدة سعيد، او "القلب الواشي" كما في ترجمة طاهر البربري، يقع البطل او الشخصية الرئيسة في هذه القصة تحت وطأة فكرة مسيطرة على عقله تدفعه نحو قتل رجل آخر، لانه يكره لون عينيه الزرقاوين فهما عينان تؤرقانه وتصيبانه بالجنون وتدفعانه في النهاية الى قتل ذلك الشيخ البائس التعيس، لان عينيه الزرقاوين المخاتلتين تشبه عيون النمر. لكنه بعد القتل لا يستطيع التخلص بالمرة من تأثيره، ولا من جريمته، فذكراه وصورته وصوت قلبه وساعته، تظل تعود اليه وتراوده حتى يعترف بجريمته.
لقد كان من اهداف "بو" في الشعر والقصة، كما ورد في مقاله الاول "فلسفة التأليف" ان يغرق القارئ بتأثيرات ومحن، وكوارث ربما قصد منها ان يتصدر فيها، او هو نفسه مصاب او غارق فيها، او ربما اراد ان يتخلص منها ويسقطها في اعماله. ولكنه مع "رعب الروح" وهو ديدن "بو" في كل ما قرأنا له في العربية، عزز "بو" بعض الاشكاليات الخاصة به شخصياً، تلك الاشكاليات الخاصة بالتوحد مع شخصياته السردية المبهرة، وهي الشخصيات التي حاول على نحو متكرر ان يصف او يصور او يستخلص من دواخلهما ذلك الدمار الكوني المؤكد، الذي لا يمكن تجبنه او محوه، حتى وان جاء في هذيانات، كما يفعل المناضلون واصحاب المس من الجنون في نهاياتهم الايديولوجية والقدرية.
باختصار مفيد، يعد ادغار الن بو اول اديبا امريكيا ذا شأن، حينما تجاوز اثره حدود امريكا، وكان مسؤولا الى حد كبير عن صياغة الادب الرمزي الجديد في فرنسا والعالم الاوربي الآخر، بعد ان اطلق هذا الاديب الكبير المخيلة الانسانية من عقالها، وتكشفت له اسرار الطبيعة الانسانية والنفس البشرية بأقل الكلمات الشعرية وأفصح التعابير الانسانية.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل