برلين 19 آب 2026

 في حديقة مقر اتحاد نقابات «فيردي »Ver.di، الواقع على ضفاف بحيرة «فانزي Wannsee» في الجنوب الغربي من العاصمة الألمانية برلين، وفي أجواء صيفية هادئة امتزج فيها جمال المكان برمزية المناسبة، كرّم اتحاد الصحفيين الألمان (dju)، المنضوي في اتحاد نقابات الخدمات الموحدة فيردي (Ver.di)  الكاتب والصحفي العراقي عصام الياسري، تقديراً لمسيرته الصحفية والنقابية الممتدة لأربعة عقود، وذلك خلال أمسية أقيمت في العاصمة الألمانية برلين لتكريم عدد من أعضاء النقابات الذين أمضوا أربعين عاماً في عضويتها.

 وجاء تكريم الياسري وسط تصفيق الحاضرين وعزف الموسيقى، حيث تقدمت لجنة التكريم التابعة للاتحاد لتهنئته، مشيدة بما قدمه خلال مسيرته المهنية والنقابية، ومتمنية له مواصلة العطاء والإنتاج والاستمرار في مواقفه الإنسانية والنقابية.

 وأقيمت الأمسية مساء الثلاثاء 18 أغسطس/آب في حديقة مقر اتحاد نقابات 'فيردي'، الواقع على ضفاف بحيرة 'فانزي' في الجنوب الغربي من برلين، بحضور عدد كبير من الأعضاء والمسؤولين وممثلي النقابات المنضوية في الاتحاد، في أجواء صيفية امتزج فيها جمال المكان برمزية المناسبة.

 ولم يكن الحفل مجرد مناسبة احتفالية لتقديم شهادات التكريم واستعادة أسماء المكرمين، بل بدا أقرب إلى وقفة أمام أربعة عقود من العمل والالتزام والعطاء المهني والنقابي، وما تحمله هذه السنوات الطويلة من تجارب وتحولات تركت بصماتها في حياة أصحابها وفي مسيرة النقابات التي ينتمون إليها.

 وينضوي اتحاد الصحفيين الألمان (dju) ضمن اتحاد نقابات 'فيردي'، الذي يضم قطاعات مهنية متعددة، من بينها العاملون في الإعلام والثقافة والفنون والكتابة والترجمة، إلى جانب مجالات التعليم والعلوم والخدمات اللوجستية.

 وتخللت المناسبة كلمات لجنة التكريم، التي استحضرت مسيرة المكرمين وما قدموه خلال سنوات عضويتهم الطويلة، إلى جانب فقرات موسيقية أضفت على اللقاء بعدا إنسانيا وثقافيا، وجعلت من الاحتفال مساحة للقاء واستعادة الذكريات وتبادل التحيات بين أجيال مختلفة من العاملين في مجالات الإعلام والفن والثقافة والعمل النقابي.

 وفي المكان الذي يطل على مياه «فانزي» الهادئة، بدت السنوات الأربعون وكأنها تختصر مسافة زمنية طويلة، لكنها في حقيقة الأمر تختزن وراءها الكثير من الأحداث والتغيرات والتحولات التي عاشتها ألمانيا وأوروبا، وواكبها هؤلاء الأعضاء كل من موقعه ومهنته ومجاله، محافظين على صلتهم بالعمل النقابي وعلى حضورهم في الحياة المهنية والعامة.

 وافتتح الحفل توماس كوسمار (Thomas Cosmar)، رئيس منطقة برلين في اتحاد 'فيردي'، وسوزانه فيلدكوتر (Susanne Feldkötter)، عضو إدارة منطقة برلين، بكلمتين استعادا خلالهما محطات بارزة من العقود الأربعة التي تفصل بين بداية عضوية المكرمين في النقابات وما وصلت إليه ألمانيا اليوم.

 فقد مرّت هذه السنوات على ألمانيا الديمقراطية وألمانيا الغربية، ثم شهدت سقوط جدار برلين والوحدة الألمانية، وما رافق تلك التحولات من تغييرات عميقة لم تقتصر على السياسة والاقتصاد، وإنما امتدت إلى حياة الإنسان والمجتمع ومفاهيم الحقوق والحريات.

 غير أن استعادة تلك المحطات التاريخية لم تأتِ بوصفها مجرد سرد لأحداث الماضي، بل اتخذت من التجربة الألمانية مدخلاً للتأكيد على قضايا ما زالت مطروحة بقوة في الحاضر. وفي مقدمتها حقوق الإنسان، وحرية الرأي والتعبير، والدفاع عن السلم العالمي، ومواجهة العنصرية بكل أشكالها.

 وارتبط الحديث عن أربعة عقود من العمل النقابي بالمسؤولية التي تفرضها العضوية تجاه المجتمع والإنسان. فالنقابة ليست إطاراً مهنياً لحماية المصالح والحقوق المهنية فحسب، وإنما يمكن أن تكون أيضاً مساحة للدفاع عن الحريات العامة، وعن حق المواطن في المعرفة، وعن حق المجتمع في الوصول إلى الحقيقة.

 ومن هنا برزت أهمية الدور الذي يواصل الصحفيون والإعلاميون القيام به، باعتبارهم في مقدمة من تقع عليهم مسؤولية كشف الحقائق وعدم السماح بإخفائها أو التلاعب بها. فحرية الصحافة لا تكتسب قيمتها من النصوص القانونية وحدها، وإنما من قدرة العاملين فيها على ممارسة مهنتهم باستقلالية وشجاعة وطرح الأسئلة الصعبة.

 وفي هذا السياق، جاءت الدعوة إلى النقابات وأعضائها، ولا سيما العاملين في الصحافة والإعلام، إلى عدم السماح لأي سلطة، أياً كان موقعها، باحتكار الحقيقة أو إخفائها أو توظيفها بما يتعارض مع مصالح المواطنين. وهي دعوة تكتسب أهمية خاصة في زمن أصبحت فيه المعلومة أداة للتأثير السياسي والاجتماعي، وأصبحت محاولات التضليل والتلاعب بالرأي العام أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.

 أما لحظة تكريم عصام الياسري، فلم تكن بالنسبة إليه مجرد استعادة لأربعين عاماً مضت، بقدر ما كانت وقفة أمام مسيرة ارتبطت فيها الصحافة بالموقف، والكلمة بالمسؤولية، والمهنة بقضايا الإنسان. فالأعوام الطويلة لا تُقاس بالزمن وحده، وإنما بما تتركه من تجارب ومواقف وصداقات وذكريات، وبما تحمله من أسئلة يظل الصحفي يعود إليها كلما تغيرت الظروف وتبدلت الأزمنة.

 ويكتسب تكريم الياسري خصوصيته من كونه يأتي بعد أربعة عقود من الحضور في المجال الصحفي والنقابي، ومن تجربة واصلت فيها الكلمة ارتباطها بقضايا حرية الرأي والتعبير والحقوق الإنسانية والعمل النقابي. ويكتسب تكريم الياسري خصوصيته من كونه يأتي بعد أربعة عقود من الحضور في المجال الصحفي والنقابي، ومن تجربة واصلت فيها الكلمة ارتباطها بقضايا حرية الرأي والتعبير والحقوق الإنسانية والعمل النقابي. كما يمثل التكريم احتفاءً بتجربة صحفية حافظت على حضورها رغم التحولات الكبيرة التي شهدها الإعلام خلال العقود الماضية،

 وفي مثل هذه المناسبات، لا يصبح التكريم نهاية لمسيرة، وإنما تذكيراً بأن الطريق ما زال مفتوحاً؛ فالكلمة الحرة لا تتقاعد، والموقف الإنساني لا تنتهي صلاحيته بانتهاء مرحلة مهنية، كما أن الدفاع عن حرية الرأي وحقوق الإنسان والسلام ومناهضة العنصرية يظل مسؤولية تتجدد مع كل جيل.

 ولعل الأهم في تكريم من أمضوا أربعين عاماً في العمل النقابي والمهني أن المناسبة لا تحتفي بالماضي وحده، بل تضع أمام الحاضر والمستقبل سؤالاً أكبر: ماذا سنفعل بما تعلمناه من هذه العقود؟ وهل تستطيع الأجيال الجديدة أن تحافظ على قيمة النقابة، وعلى استقلال الصحافة، وعلى حق الإنسان في أن يعرف ويعبّر ويختلف دون خوف؟

 كانت تلك، في النهاية، دلالة الأمسية الأعمق، فبين مياه 'فانزي' الهادئة، والموسيقى والتصفيق، وشهادات التكريم، لم يكن الاحتفاء بأربعين عاماً مجرد احتفاء بأشخاص أمضوا سنوات طويلة في مواقعهم، بل كان احتفاء بفكرة الاستمرار نفسها؛ استمرار العمل، والدفاع عن الحقوق والحريات، والإيمان بأن الإنسان يستطيع، بالكلمة والموقف والعمل الجماعي، أن يترك أثراً يتجاوز سنوات عمره المهني.

وهكذا انتهت الأمسية، لكن معنى التكريم بقي مفتوحاً على المستقبل: أن تكون أربعون عاماً مضت دافعاً لمواصلة الطريق، لا محطة للوصول. وبالنسبة إلى عصام الياسري، كان التكريم تقديراً لمسيرة صحفية ونقابية طويلة، واحتفاءً بكاتب لا يزال يواصل حضور الكلمة وتأثيرها، وبهذا المعنى أيضأ، يبق التكريم مفتوحا على المستقبل لتكون أربعون عاما مضت دافعا لمواصلة الطريق.