بدعوة من الجمعية المندائية الكندية، أقيمت أمسية ثقافية في مدينة تورنتو كبرى مدن كندا يوم السبت المصادف ٦/٦/ ٢٠٢٦ تحت عنوان من سومر إلى كندا.

الأمسية ترجمت أسرار النقش اليدوي عبر أربعة عقود عند الصابئة المندائيين وبالتحديد عند عائلة آل رويد. 

أمام حشد من أبناء الجالية العراقية الكندية، تحولت المنصة إلى ما يشبه المعمل الحرفي الذي يستنطق الفضة والمينا، ويفكك شيفرات حرفة الصابئة المندائيين التي تزاوج بين البقاء الوجودي والعبقرية الفنية.

افتتح الأمسية الأستاذ أسعد ناصر ضيغم، رئيس الجمعية المندائية الكندية، الجلسة بتفكيك السيرة الاستثنائية للدكتور والنقٌاش حامد رويد (المولود في ميسان عام 1965). 

في بداية حديثه عرج على سيرة الدكتور رويد الفنية والمهنية واشار : نحن لا نتحدث هنا عن حرفي تقليدي، بل عن شخصية مركبة استطاعت صهر ثلاثة أبعاد هي الدقة الصارمة: باعتباره مهندساً للنفط . وكباحث ومحاضر في تاريخ وحضارة العراق القديم، وفنان تشكيلي متخصص في النحت من كلية الفنون الجميلة في بغداد.

  والذي يحمل الإرث الجيني لعائلة ”آل رويد"، العائلة الميسانية التي ارتبط اسمها بـ "موسوعة أعلام العراق" كواحدة من قامات صياغة الفضة والمينا عند الصابئة المندائيين.

هذا المزيج أهّل رويد ليكون موثقاً للذاكرة العراقية؛ فهو الذي اختير عضواً في لجنة تحكيم تصميم العلم العراقي الجديد بعد عام 2003، وهو الذي تجرأ على تصحيح الأخطاء التاريخية المتعلقة بحضارات العراق في المناهج الدراسية الرسمية (التاريخ للصف الأول المتوسط).

في حديثه الاستقصائي، غاص الدكتور رويد في البنية التكوينية لفن النقش والرسم على الفضة والمينا لدى الصابئة المندائيين وبالتحديد لدى العائلة التي توارثت فن النقش والصياغة أباً عن جد، معتبراً أن تجربته التي دامت 40 عاماً استندت إلى محددات أهمها، الامتداد العائلي والخبرة التراكمية، التمكن التقني والدخول في التفاصيل المتناهية الصغر باستخدام "القلم والمسمار، والوعي البصري في تطويع المينا والنحت وتحويل الفراغ إلى قصة ناطقة.

شهدت الجلسة نقاشات ومداخلات عميقة من الحضور، قادت إلى تفكيك "السر وراء تفرد الصابئة المندائيين بهذه الحرفة دون غيرهم.

 كشف الدكتور رويد عن بُعد استقصائي وتاريخي هام، إذ لم يكن إتقان هذه الحرفة ترفاً، بل كان وسيلة لحماية الأقلية المندائية عبر التاريخ من المخاطر. من خلال تقربهم من الحكام والملوك والسلاطين عبر تقديم روائع فنية لا يستطيع غيرهم صياغتها، فكانت الفضة درعاً يحمي وجودهم الديني والاجتماعي.

 كما أثار الحضور بعداً غاية في الأهمية، حيث ترتقي الحرفة لدى كبار الصاغة المندائيين إلى مرتبة "التقديس". فقبل البدء بنقش أي حلي، يرتمي الصائغ في "الماء الجاري" لتطهير الجسد والروح لضمان أن تخرج القطعة الفنية ناصعة بالجمال، مبرأة من دنس المادة، ومشحونة بالطاقة الروحية النظيفة.

ولم يكن غريباً أن تنتج عائلة الرويد عبر تاريخها مئات القطع الفنية النادرة التي استقرت في قصور الملوك، الرؤساء، والأمراء، والشخصيات البارزة حول العالم.

ونستنتج من خلال حديث الدكتور حامد رويد أن الهجرة لم تكن نهاية المطاف، بل هي محطة جديدة لمواصلة تقديم النقش اليدوي، ليس كبضاعة تجارية، بل كوثيقة تاريخية حية، تختزل حكاية الإنسان الرافديني وصراعه من أجل البقاء والجمال عبر آلاف السنين، هذا وقد عرضت العديد من مختارات أعمال رويد داخل القاعة.