
ما زلتُ مع محمود وسعيد، في باص ( O.M) من البصرة إلى بغداد، ثلاثتنا في الجيش1977 أنا مكلّف وهما احتياط، الوقت ليلا والفصل شتاءً، في ساحة النهضة، نترجّل ونصعد باصًا آخر، إلى أربيل، أنا أترجّل في كركوك، وهما يبقيان مع بقية الركاب إلى أربيل. ما زلتُ سعيداً برفقتهما، هي المرة الأولى والأخيرة، سعيدٌ أن يكون رفيق سفري شقيقي محمود. قبل الترجل في مدخل كركوك، دسَ محمود في جيبي ثلاثة دنانير، مسح على رأسي حين وقف الباص، نهضتُ قبلته باستحياء، وصافحتُ رفيقه وصديقه. كلاهما من أمهر اللاعبين في فريق كرة السلة (نادي الشروق الرياضي). الآن في كانون الأول 2025 أشعرني معهما، الباص يواصل المسير، ولم أترجّل في كركوك وهما لم يترجلا في أربيل. ثلاثتنا في الباص ولا أحد معنا، الباص يواصل المسير بلا سائق، يخترق الليل والنهار ولا يتوقف ولا يحتاج وقوداً، ونحن لا نحتاج ماءً ولا طعاماً لا نشعر بالجوع ولا العطش يداهمنا. وكلامنا لا يتوقف نتحدث بهدوء عن الجسور والحدائق والرغيف، وكان كلامنا يطرز الزجاج بلون ذهبي من خلال فرشاة ٍ إبرية ناعمة، وكأن الكلام وقود الباص ومغذي أجسامنا وأحلامنا، ولم يقف الباص بأي مكان وما زلنا فيه وفينا الطمأنينة الكاملة.
*محمود مسعود وسعيد حسن الروضان: شيوعيان أعدمهما الطاغية في الزمن العراقي (الجميل).8/ 5/ 1983







