نهض سعدون من علله و عاد واقفاً على قدميه، مرحاً مقداماً باحثاً عن التحديّ و المغامرة من اجل قضية الفقراء . . و عاود اللقاءات الصاخبة في بانسيون ماري مع صديقه سعيد المصلوب و مع ريتا و جوزفين، غيرعارف بما كان يدور في اللواء الرابع و العشرين الذي كان يعمل في ذلك الوقت في احد افواجه، فقد وصلت كُنْيَته (سجله العسكري) الى هيئة اركان اللواء، التي عرضت ما وصلها من اوامر عليا و معلومات و بيانات اطّلاع على آمر اللواء الزعيم الركن عبد الكريم قاسم الذي انتبه الى ماورد في كُنية سعدون :

          " ضابط مدفعية نشيط ، شجاع يحب المغامرات و التحديّ، صيّاد ماهر، نجح في المعارك العشائرية في الفرات، نُسّب كطالب في القوة الجويّة العراقية، تزوج من آثورية بدون موافقات عسكرية اصولية، تسبب بتحطم طائرة تدريب بسبب مغامراته و تسبب ذلك بفصله من القوة الجوية و اعيد تنسيبه الى القوات البرية، ابن عم الوزير المرحوم عبد المحسن . . حُرِمَ من ترقيات بسبب مغامراته، لا نشاط سياسي له . "

          فرح الزعيم قاسم بهذا الضابط المنسّب حديثاً الى لوائه، و تناقش مع صديقه الرئيس (النقيب) ممدوح ضابط استخبارات اللواء و عضو هيئة اركانه الذي استلّ كُنية سعدون و قدمها باليد اليه، حوله . . و قال الزعيم :

ـ ان لم انسى، اعتقد انه هو الضابط الذي نزل بطائرة في الغدير لإنقاذ خطيبته، و هو من الضباط الذين لايحبّون الانكليز و هم لايحبوه و لذلك حُرم من ترقيات لأسباب تافهة يقوم بها الضباط بشكل اعتيادي . . و كان مداوماً على بانسيون ماري . . وفق معلوماتنا.

ـ اتفق معك سيدي.

ـ عزيزي ممدوح حاول ان تحتك به، و تقيم صله معه . . بالشكل المناسب و اخبرني، ضابط بهذه المواصفات يفيدنا، خاصة و انه ابن عم الوزير عبد المحسن، هذول ابناء عوائل و عشائر ضد الانكليز  . .

          في احد الأيام جلب سعيد المصلوب صديقه النقيب ممدوح الى بانسيون ماري، و التقيا بـ محسن و جمعتهم احاديث كانت شيّقه للجميع، و تكررت تلك اللقاءات . . خاصة بعد الصداقة التي نشأت بين ماري ام جوزفين و ممدوح الذي بدا و كأنه وجد ضالّته في ام جوزفين المناسبة لعمره ايضاً كما قال  . . و تزايدت الصداقة الى حد حديث ممدوح مع سعدون بإعتبارهما من لواء واحد، بأن هناك تنظيم لـ " الضباط الاحرار " . . يهتم بجمع المعلومات الخاصة بالامن . . و (قد) يسعى لتغيير الحكومة لا اكثر ؟؟!

          و باعتباره ضابط استخبارات اللواء، سأل ممدوح مرة سعدون في النادي العسكري للفرقة الثالثة في بعقوبة عن معلوماته عن اخبار مطبوعة على آلة كاتبة و ما اذا كان يعرف شيئاً عنها :

ـ هرب اثنين من قياديي او نشطاء الحزب الشيوعي في المجال العسكري، و يُقدّر انهما : اما عمر علي الشيخ الطالب في الصف المنتهي في كلية الهندسة و هو كردي من السليمانية، و امّا آرا خاجادور رئيس عمال ماهر (فورمن) في مجالات النفط، و هو ارمني من سكنة بغداد، من اب ارمني كان ضابطاً كبيراً في الجيش الابيض الذي حارب الجيش الاحمر في روسيا و هرب الى العراق بعد خسارته امام الجيش الاحمر و حصل على موافقة بالسكن في سميّل ـ دهوك و تزوج آثورية انجبت له آرا ، و هربا مع ابنهما اثر مذابح سميّل و سكنوا بغداد . .

و انهما هربا ضمن مجموعة سجناء سياسيين، من سجن نقرة السلمان و سجن بعقوبة . . و قد وجدت بقايا جثة احدهم بعد ان اكلته الذئاب و جثتين لسجينين ماتا من العطش في بادية السماوة، بدلالة الارقام الوشمية المثبتة على اذرعهم التي تشير الى اسمائهم . . السؤال اين يمكن ان يكون هذان الهاربان، و لماذا هذا الهروب الصعب في هذه الفترة ؟؟

ـ اخبارية من قوادة تعمل لصالح الأمن عن عدد من الشباب من تنظيمات القوميين العرب يقتنون و يجمعون اسلحة ؟ السؤال لماذا و لأية غاية في هذه الفترة ؟؟

          بعد قرائته للاخبار دخل في تفكير طويل . . " . . (قوادة تعمل لصالح الأمن) ؟ الا يمكن ان تكون ماري او ريتا او . . هكذا ؟؟ علينا الحذر فعلاً. كنت اتصوّر ان ابن عمي الوزير عبد المحسن هو وحده الذي يقود ثورة و باغتياله ماتت الثورة و مات الأمل، و الحقيقة ان اوساطاً متعددة القوميات و الديانات تعمل للثورة . .

ناس تجمع سلاح و ناس خطرين محكومين لأنهم ينظّمون عسكريين، يهربون من سجونهم رغم كل تلك المخاطر، و المرحوم عبد المحسن تصوّر ان الثورة تحصل بالمناقشات، و آني تصوّرت بغباء انها تحصل من المغامرات مع سيقان النساء و بكشف الفضائح . . و لكن يبدو ان الثورة مشروع كبير يحتاج الى ما تصوره المرحوم عبد المحسن و ماتصورته انا و يحتاج سلاح و احزاب و عشائر و اموال و علوم و ايمان بالثورة و الله يدري شنو بعد . . و يعني باختصار على كولة اهلنا : " الثورة طك فشك ضد الحكومة، مو شيل زرور " . . و عاد الى جليسه النقيب ممدوح الذي قال :

ـ شي زين اذا كدرنا نوصل للشيوعيين حتى نعرف ماذا يريدون، هل يريدون تغيير الحكومة الآن ؟ او يريدون ثورة تغيّر كلّ النظام السياسي الآن ؟؟ لأني كما عرفت من جارنا بالاعظمية " خالد السلام " السياسي و اللي على صلة مؤكدة مع الشيوعيين، ان الحزب لديه اهداف بعيدة ستراتيجية يعمل لها على مراحل، مرحلة سلمية و اخرى عنفية و اخرى انتخابية . . وهكذا للتقرّب من اهدافه البعيدة. المهم ان نعرف ماذا يريدون الآن . .

ـ بس كيف تعرف ان خالد السلام على صلة بهم الآن ؟؟

ـ و الله لأنه على صلة شبه دائمة بالشيوعيين السوريين، لصداقته مع زعيمهم " خالد بكداش " اللي ساعده على طبع و نشر كرّاسه المهم " في الكادر " لديمتروف، اللي ترجمه السلام من الانكليزية الى العربية، و اللي اشتراه من مكتبة مكنزي للكتب الإنكليزية في شارع الرشيد . . الكراس الذي يوضح خطط تكوين الجبهات للقوى السياسية للحصول على اوسع تأييد شعبي لتحقيق ثورة او هدف كبير تُجمع عليه القوى لتحقيق مرحلة ما . . المشكلة اني لا اعرف الان هل خالد في بغداد ام لا، لأنه لم يعد يأتي الى " بار هافانا " حيث كنا نلتقي كل ليلة جمعة . . 

ـ هل تقصد خالد اقارب بيت شيخ رشيد ؟؟

ـ بالضبط . . شيخ رشيد خاله او عمه

ـ سأحاول معرفة ذلك من بيت اهلي بالاعظمية   

. . . .

. . . .

          من جهة اخرى . . فمن حبيّ للطيور و حديثي الدائم حولها و احاديث الخال الكبير زكي عن كيف نقلوا الرسائل عن طريقها ايام الثورة العربية، ثم ايام ثورة عقداء المربع الذهبي في 1941 التي أُعدموا بسببها منهم العقيد " كامل شبيب " والد صديقة أمي . . ستّ خولة، و من خوف ابي عليّ من الاختلاط بالمطيرجية سيئي السمعة . . كان ابي يسألني عن اي الطيور أحب و كنت احدّثه عن طيور الخال زكي من : الزاجل و المحجّل و القلاّب و التركي و الفارسي و و . . التي كنت ازورها اسبوعيّاً في بيت الخال الذي كان يحذّر و يكرر التحذير ايضاً من اوساط المطيرجية لسوء اخلاقهم و تعديّهم على الجيران سواء برشق الحجارة او بالصفير العالي الذي يزعج و يعكّر امزجة الناس، و تجمعات السرّاق حولهم، و دوسهم على كل عُرفٍ و اخلاق للحصول على طير جديد، اضافة الى سلوكهم المنحرف مع الاطفال الذين يحبّون الطيور، و شرح لي كيفية نقل الرسائل و اصطحبني بتجربة اخذ فيها حمامة رسائل الى بيت اقاربه في المحمودية الذين كتبوا رسالة صغيرة و ربطوها بساقها، لنجد الحمامة في بيت الخال مع الرسالة و كانت قد وصلت قبلنا الى بيت خالي زكي في بغداد . . و تحدّث عن كيف انقذتهم تلك الحمامات في احداث كانوا مُحاصرين فيها تماماً . .

          و تفاجأت يوماً بأن ابي قد اهداني زوج طيور بيضاء جميلة مع بيتونتها المصنوعة من مادة الحصير، و قال :

ـ انها اصيلة و نتركها حرّة و ستعود من نفسها الى بيتونتها . . المهم ان نعتني باطعامها و مائها و سيكون ذلك واجبك . . و لنتمتع جميعاً بسجعها في حالات فرحها، سأُثبّت البيتونة بقمرية العنب، لتكون عالية و في مأمن من القطط التي كانت تدور في المحلة من بيت الى بيت . .

نعم ذلك ماجرى بشكله الجميل الممتع، لكن احداً لم يفكّر بأن الشرطة الجنائية (شرطة بهجت عطية) ستكون هي القطط الوحشية التي اختطفت تلك الطيور الحمائم عند تفتيشها منزلنا و اعتقالها والدي، و اعتبرتها مبرزاً جرمياً ضده، كونه (يمارس اتصالات سريّة ممنوعة يتوجب عليه التعريف بها) و هكذا ضاعت الحمائم الجميلة و سجعها . .

          كان والدي قد اهدى والدتي شجيرتا عنب (ديس العنز) المتسلّق، التي كانت والدتي تتمنىّ وجودها في البيت لتظلل الطارمة الصغيرة للبيت، و عمل بجهد حقيقي و نحن الاطفال عملنا كـ (مساعدين) له لجمع الاخشاب و السيور و وايرات الربط الضرورية، و صَنَعَ قمرية جميلة ظللت الطارمة فعلاً في الصيف و جعلتها ركناً مظللاً طيّب الهواء مبرّداً . .

          و في مواسم الصيف الأكثر حرارة، حين كانت تتكاثر و تنتشر انواع الحشرات الطيّارة، كنّا كاطفال محلة الشيوخ نتمتع و نتدافع الى قرب مناسب من فوهة رشّ مبيدات الـ دي دي تي المتطايرة ابخرتها بقوة من اجهزة الرشّ التي كانت مثبتة على لوري صغير دوّار في طرق المحلة، مخصصاً لتلك الاجهزة . .

و كنّا ننتظر مجئ سينما التوعية الصحية . . . التي كانوا ينشرون شاشتها على حائط بيت الهندي، و ينصبون اجهزة العرض على عدد من قنفات مقهى محمد راغب الموضوعة بعناية بعضها فوق بعض بشكل ثابت، لتكون في علو مناسب لها لإنجاح العرض . . و كان من اشهر تلك الافلام : افلام مكافحة الذباب و عرض دورات حياتها، افلام مكافحة البعوض و دوراتها . . التي تطورت بعدئذ الى عرض افلام عن الثورة الجزائرية و عن جميلة بوحيرد ايضاً .

          و لابد من ذكر ان اشغال الوالد بين كُوَر معامل الطابوق منذ الثالثة صباحاً، و دوامه المسائي في حسابات شركة فريح و حمد لتجارة سيارات الفورد . . لم تمنعه من الاهتمام بنا نحن اطفاله، بل زادته اهتماماً بنا كأنه كان يكفّر عمّا يسببه لنا من قلق و خوف عليه و من الشرطة السريّة، فكان يأخذنا فرادى او معاً، الى سينما الخيام المقابلة للشركة لنقضي وقتاً ممتعاً في مشاهدة افلام ذات معنى الى ان ينتهي عمله في الشركة، بعد اتفاق مع عامل التذاكر هناك بدفع نصف مبلغ البطاقة في الطابق الارضي الارخص . .

          و من الافلام التي لم انساها و لم انسى دروسها طيلة حياتي الفلم الفرنسي بالالوان الزاهية "جيتانو" عن الصداقة التي نشأت و تقوّت عراها بين الصبي الإسباني مساعد عامل الاسطبلات "خوسيه" و ثور المصارعة الذي كان يُعَدّ لنزالات مصارعة الثيران " جيتانو "، الذي انقذ خوسيه من موت محقق من عصابة سرقة ثيران . . بعد ان هاجمهم جيتانو بقرنيه الباسلين، و جرى الى خوسيه ليطمئن على حياته، لتتطور صداقة متينة بينهما بمرور الوقت الى الوقت الذي وقف فيه خوسيه لإنقاذ حياة صديقه الثور جيتانو حين ساقوه بممر اجباري ينفتح على ساحة المصارعة فقط في موعد كان المصارع متهيأ فيها للنزال . . تمكن خوسيه بمخاطرات من فتح كوّة جانبية في الممر الإجباري ليهرب الاثنان معاً الى ولاية اخرى تتوفر فيها الحرية الضامنة لحياتهما و صداقتهما . .

. . . .

. . . . 

          في بيت عميّ في ذلك الصيف، سمعت لأول مرة ان جارتهم مريم الصغيرة الجميلة زوجة القاضي نعمان، كونها كورجية (جورجية) التي لجمالها النادر حار البعض باصلها، ومنهم من قال انها فارسية او آذرية . . سمعت بانها كورجية من جورجيا، و انها من عائلة رقيق (عبيد) استطاع احد ابناء الفضل الملقّب ابوه في المحلة بـ (صريصر)، الذي صار قاضياً كهلاً، ان يشتريها و يتزوجها . .

          و سيطر ذلك الموضوع على تفكيري الطفولي كلّما رأيتها . . كيف اشتراها ؟ هل يستطيع المرء ان يشتري إمرأة ؟ و من اي دكّان او معرض ؟ هل يستطيع الواحد ان يشتري انسان ؟ احتمال انها ليست انسان او من الملائكة او من الجن الطيبين الذين سمَعْتُ عنهم من احاديث جدّتي أمينة عن ان الجن الطيبين يكونون حلوين و لا يعملون الاّ الخير . .

سألت والدي عن الرقيق و من هم، هل هم عرب او من ايّة قومية ؟ و كيف يشتروهم و من يبيعهم، اجابني اجابة مختصرة عن انهم في الغالب من جورجيا و هم مرغوبون لجمال نسائهم و رجولة اجسام رجالهم و ضخامتهم، و كانوا يأخذوهم عبيداً لخسارة وحداتهم في الحروب و لم اعرف اية حروب، او من خلال اعمال غدر و سرقة تقوم بها عصابات و يبيعوهم و يحصلون من ورائهم اموالاً طائلة، و تأريخياً صارت هناك مراكز لبيعهم في البصرة و البحرين و جدّة . . و ان الإسلام و الاديان السماوية تحرّم الرقيق.

و بعد نقاشات و نقاشات مع ابنة عميّ الصغرى هناوي عن الرقيق، و كم هم مساكين و انهم يأخذوهم اسرى او يختطفوهم من اهاليهم، توصّلنا انا و هنّاوي و ما سَمَعَتْهُ هي من نُتَفٍ من اخواتها، بأن مريم حزينة جداً و تبكي من حين لآخر، لأنها تحنّ لأهلها و لاتعرف اين هم و لا عنوانهم، و انها لابد ان تحمل ختم او وشم على جسمها و في مكان خفيّ، مكتوب فيه من هم اهلها و من اين جاءت، لكنها لاتعرف مكانه رغم بحثها المضني عنه . . و حَلَفتُ لهنّاوي، باني سأجده و (سأحدّثك عن مكانه و ماذا فيه). 

          و ذات يوم حضنتني مريم بقوة و قبّلتني و دعتني الى بيتها لرؤية ببغاء الأمازون الجديد الذي اهداها ايّاه زوجها القاضي نعمان و الذي تعلّم عدة كلمات عربية مهمة حتى الآن، كما قالت . . . و ذهبت عدة مرّات الى بابهم لرؤية الببغاء و لكن الباب كان مغلقاً و من ترددي او خجلي لم اطرق الباب و عدت الى بيت عميّ.   

          و في ظهيرة تالية، وبينما كنت انظّف عتبة باب البيت بعد ان كثر الحاح زوجة عميّ على البنات بضرورة تنظيفها وتثاقلن من ذلك و كلّفنني بذلك بقبلات محبة و نستله . . نادتني زوجة القاضي من فتحة باب بيتها الملاصق لباب بيت عميّ، نادتني للدخول لرؤية الببغاء لأنه كان هادئاً كما قالت .

          دخلت من الباب المفتوح الذي اغلقته ورائي، وشاهدت في الممر البارد ذي الضوء الخافت، الذي كانت لاتصله الشمس رغم انها تضيئه، و فوجئت و بفرح كبير برؤية الببغاء . كان طيراً كبير الحجم ملوناً بالوان عديدة غلبت عليها الوان الأحمر والأخضر والأصفر بعيون دائرية واسعة . . كانت ساقه مربوطة بسلسلة صغيرة لمّاعة، و كان يكرّز من وعاء البذور الموضوع امامه وينظر الى القادم و من هو . . بين آن و آخر، و التزم الهدوء بعد ان قالت له مريم (صديق).

          وبعد ان قالت لي اني استطيع ان اراقب الببغاء عن قرب وحذّرتني من ان المسه او اصيح عليه . . دخلت هي الى الحوش المفتوح الخالي واندلقت بخفة الى احدى الغرف الداخلية، التي كان جدارها المطل على الحوش عبارة عن شباك زجاجي كبير . . بقيت اتابعها بنظراتي ناسياً الببغاء بشعور الباحث عن الوشم و لشعور اجتاحني لم أعرف كنهه . . شعور و رغبة بالمغامرة قادتني الى الذهاب بحذر الى تلك الغرفة التي لم يكن بابها مغلقا وانما كان مفتوحا نصف فتحة .

          بقيت اتابعها بنظري بكل حذر من فتحة الباب ورأيتها تخرج من باب الحمام في تلك الغرفة، كانت عارية و تنشّف نفسها بمنشفة بيضاء كبيرة، و اخذت تلبس و تبدّل ملابسها بحركات خيّل لي انها كانت تعرف انيّ اتابعها و موافقه عليه . . رأيت مريم الصغيرة الحجم بين النساء وهي تعدّل وضع ثديها الخالي من ايّ وشم، في الحمّالة الخفيفة التي كانت توثق شدّها، و كذلك ما استطعت رؤيته من بطنها و ساقيها و كانتا خاليتان من الوشم، في مشهد كان كالذي  في الاساطير و الافلام، لم استطع تحويل نظري عنه بسهولة . . ثم عدت سريعاً الى الببغاء الذي اخذت اتفرّس فيه، من منقاره الى ريشه الملوّن الجميل وحتى مخالبه القابضة على مسنده .

          وبينما كنت اشرب شربت عصير البرتقال الذي اعدّته لي مريم شممتُ رائحة عطر ازهار البرتقال (القدّاح) الذي كان ينبعث منها في العادة، و لم استطع مقاومة التلصص الى وجهها الجميل وثدييها البارزين بينما كنت المح شبح ابتسامتها وهي تداعب شعري قائلة :

ـ ولك ملعون . . اكْبَر حتى تشوف العجب !

ـ .  .  .

و لم اعرف من اين واتتني الجرأة و سألتها :

ـ خالة مريم اشو ماعندج وشم على جسمك ؟؟ يعني مو الرقيق عدهم وشم دائماً ؟؟

ـ ولك ملعون انت كنت تراقبني و آني طالعة من الحمّام شبه عارية ؟؟

ـ نعم خالة مريم . . كنت ادوّر على الوشم اللي بيه عنوان اهلكم.

سكتت و ذَهَبَتْ في خيال بعيد و قالت و العبرة تملأ صوتها :

ـ نعم عيني حبيبي . . باعوني بسوق العبيد في تفليس و انا عارية مع النساء العاريات و كُنّا في قفص كبير . .

ـ زين شلون و ليش ؟؟

ـ والدي الفلاح كان عليه ديون كثيرة بسبب شراء الادوية لوالدتي المريضة بالقلب، و بسبب خساراته بالقمار و ادمانه على الكحول . . و امام تهديد الدّيّانة، باعني لهم مقابل الغاء الديون . .

اخذت تبكي و تقول :

ـ اغتصبوني مراراً ثم باعني واحد للآخر، و الأخير عمل لي وشم او ختم فيه اسم عائلتي و اسم القرية لأن المشتري الجديد ليس جورجي و قال . . (احتمال تريدين فد يوم ان تزوري او ترجعي لأهلك، ستحتاجيه) و لكن نسيت اين بالضبط عمله على جسمي، لأنهم خدّروني و لأن دكّ الوشم او الختم ممنوع و يعاقبون عليه بالقتل هناك لأنه يفضح تجارة ممنوعة و محرّمة، و لذلك لازم يكون في مكان مخفي و اذا انفضح بسببي فهم سيقتلوني او يبيعوني من جديد . . . طلبت من نعمان مرآة كبيرة لأفتش عن مكان الوشم و طبعاً لم اخبره لماذا، و لكنه كان دائماً يقول انه ينسى او (ماذا تعملين بمرآة كبيرة و انت صغيرة)، و اكمَلَتْ :

ـ ماذا رأيت من جسمي و وجدت انه دون وشم ؟

اخبرتها بما رأيت من فتحة الباب . . و قالت بلهجة جديّة آمرة لأمر لابد منه لها :

ـ حبيبي انت تشبه اخي الصغير و انا اثق بك . . سأنزع ملابسي و انت دقق جيداً من جديد و على كيفك و خاصة على الجهة الخلفية التي لا استطيع مشاهدتها بالمرآة، حتى اعرف اين الوشم، سأقفل الباب الخارجية و باب الغرفة ايضاً، حتى لايتلصلص علينا الببغاء و احتمال يخبر زوجي لأني أحس انه اشتراه مُدَرّباً ليراقبني . .

نزعت ملابسها كلّها و وقفت عارية و قالت بين شهقات بكائها . . دقق زين حبيبي على :

ـ ظهر عنقي و ها انا ارفع شعري، ظهري من اعلى الى الاسفل و ظهر ساقي من اعلى الى الاسفل، جانب ساقي من الخارج من اعلى الى الاسفل، جانب ساقي من الداخل من اعلى الى الاسفل . . دقق على كيفك و لاترتبك و لا تخاف . . آني مثل اختك الكبيرة. 

و بينما اعتراني خوف و ارتباك من مجهول و من مهمة كانت في البداية مغامرة لذيذة، صارت كابوساً لابد من المرور به و تحديّه، لمساعدة مريم الغائصة في بكائها الذي لم يتوقف . . صحت بصوت عالي :

ـ هناك شئ مثل ختم محروق تحت إليتك اليمنى . .

ـ الحمد لله الحمد لله وجدته، اشر عليه باصبعك و اضغط عليه لأحس اين هو بالضبط . .

ـ ساضع اصبعي عليه و اضغط حتى تحسيّن . .

ـ نعم عفيه عفيه عليك حبيبي . . انا عرفت هسه اين و سأخبر بنت عمّك الكبرى ساهرة لتقرأه بمكبّرة او تجد طريقة لتسجيله . .

و فيما رفعتني بشكل لا إرادي و قبّلتني و هي تردد آيات الشكر و العرفان . . فجأة قرقع صوت المفتاح وهو يدور في قفل الباب لينفتح الباب بدفعة قوية و كأنها ضربة، و دخل زوجها القاضي نعمان ذو الشعر الأشيب الطويل والمصفف المفروق بعناية و صاح :

ـ بنت الكلب ماذا تفعلين و انت عارية مع هذا الصبي على فراشنا ؟؟

انزلتني بسرعة على الارض و هي تتلقىّ صفعاته و ركلاته و هي تقول له :

ـ شعرت بوجود قمل على جسمي و الولد يساعدني على اصطياده بعد ان طلبت انا منه ذلك !!        

و كان القاضي ينظر لي بشزر و تحديّ و كأنما كنت غريمه . . سحبني من كميّ و جرّني بقوة الى خارج الدار و هو يصيح في باب دار بيت عميّ :

ـ ابو عدنان تقبل هيجي يصير ببيتك ؟؟ تقبل هيجي يصير ببناتك ؟؟ هذا يمكن يكون وحش، متعلّق باحضان زوجتي و هي عارية خارجة لتوها من الحمام . . آني راح أهجم بيتكم و سأشتكي عليكم بالمحاكم بقضية شرف، هذا الله يدري شنو عمَلْ و سوىّ بإمرأتي . . سأخبر د. سلمان فائق الذي اثق به و اشوف حكمه الطبي الاولي . . !!

اشتعلت النيران في اعصاب عميّ و سحبني بقوة و هو يقول :

ـ ولك !! تشيل غراضك و تروح الى بيت ابوك !!

في ذلك الوقت خرجت مريم مورّمة الوجه و العيون و هي تبكي و تصيح :

ـ خالة ام عدنان . . خالة ام عدنان . . كل هالحجي كذب لاتصدقون، كان الصغير يساعدني على تقصيع و قتل القمل ، آني طلبته و توسّلت بيه هالمسكين !! 

و بلا صوت خرجت الخالة راجحة بطولها و بعمّتها النسائية السوداء و هيبتها التي اخرست الجو، و صاحت بصوت عالي:

ـ ويلك ياقاضي النحس !! . . لك هذا كلّه خريط من حضرت جنابك، هيجي تحكم بين الناس ؟ لو هاي الحلوة الكرجيّة جننتك ؟؟ و الله و ثلاثة اسم الله لأفضحك بالمحاكم و يسحبون رخصتك اذا ماتسحب كلامك . . احجيلهم شنو اللي سويّت و تزوّجت هاي الوردة الكرجية الله يستر عليها، قندرتها تشرّف راس ابوك صريصر !!! لاتضطرني اكمّل . . خليّ مريم عدنا هسه بعهدتي و ادخل بيتك و سد بابك عليك و آني ارجّعها لك بعدين، و انت ابو عدنان صير عاقل و لاتتدخّل . . تعال ابني السبع . . و طبطبت على كتفي و سحبتني بلطف اليها، و الى غرفتها.

          جلست الخالة راجحة بعمّتها المزكرشة السوداء و بفوطتها السوداء . . بوجهها الابيض الشاحب العريض، و قالت لي بابتسامة غيّرت معالم وجهها و اشرقته، الابتسامة التي رأيتها للمرة الاولى عليها، و هي المرأة التي تهابها كل العائلة و محلات الفضل و المهدية و قنبرعلي . . و قيل الكثير عن فضائلها :

ـ اجلس ابني هنا و اشرب ماي من المشربة اولاً . . اميّ و ابويه انت اريدك تحجيلي هاي شنو صار ؟؟ صدك حجاية القمل و اشلون تعرّت هاي الحلوة مريم و انت بالغرفة ؟؟

ـ نعم خالة، بس يعني مو عيب اتكلّم و وعدت مريم انه يبقى سرّاً بيني و بينها ؟؟

ـ نعم عيني كلامك حق . . بس آني أمك الكبيرة اللي تحفظ السرّ و تصونه و اسأل والدك و والدتك و امرأة عمك و عمّك عنيّ . آني احفظ سرّك بحق لا اله الاّ الله و حق محمد رسول الله !!

ـ . . . .

ـ اشو ساكت حبيبي ؟؟ انت تحب مريم ؟؟

ـ اي خالة احبها لأنها انسانة طيبة و مظلومة و تخدم الكلّ ، مو صحيح ؟

ـ اي خالة صحيح . . بس مو تتعرى امامك، لأنه عيب و أمر محرّم و قد تصل عقوبته الى الموت عائلياً . . . هل صار امامك مثل هذا الشي من بناتنه و نسواننا قبل ؟؟ المرأة اللي تحترم نفسها ما تسويّ هالشي ابني . .

ـ بس خالة ، هي كانت مجبورة . . مضطرة، حتى تعرف اهلها منو و اين ؟؟

ـ اي عيني هي المسكينة ماتعرف اهلها منو و اين و تبكي ليل نهار لهذا السبب . . بس اللي ماتعرف يعني تتعرى امامك حتى تعرف ؟ لو شلون ؟؟ و انت منين تعرف ؟؟ لو قل انت حبيّتها اكثر و هي عارية صحيح لو مو صحيح ؟؟

ـ لا و الله خالة آني خُفت و ارتبكت بس كان لازم اساعدها حتى تعرف مكان الوشم و هي تبكي !!

و اطرقت الخالة راجحة و سكتت الى ان سألت :

ـ عدها وشم و ماتعرف اين ؟؟ المسكينة . . احكيلي خالة حتى افهم لأن انت بكلامك هذا خبصتها عليّ، انت رحت الى بيتهم و بعدين . . ؟؟

و امام كلماتها و تساؤلاتها الهادئة و تضامنها مع مريم شجّعتني ان اتحدّث لها ماحصل من رؤيتي للببغاء الى مجئ القاضي نعمان، و انا واثق من ان السر لن يخرج للعلن ابداً . . و بقيَتْ الخالة تسمع بصمت الى نهاية روايتي . . و قالت :

ـ عفيه عليك ابني . . شوف انت دا تصير رجّال، و الرجّال لا يتلصلص على بنات العالم و هنّ عرايا . . كان لازم من البداية تطرق الباب او تصيح (السلام عليكم) مثلاً حتى تنتبه المرأة، مو تتلصلص عليها من فتحة الباب مثل الحرامية و المجرمين . .

ـ خالة، آني ردت اساعدها و خفت انها تردني لأن ماتعرف اني قصدت اساعدها . .

ـ ابني ماكو مساعدة لشخص إمرأة او رجل دون علمه . . و الاّ يُعتبر تعديّ !! لو كان عدنان ابن عمّك اللي كان ممكن يصير طبيب وقتها، بمكانك، كان يستأذن اولاً . .

ارتبكتُ من تلك المقارنة و قلت :

ـ العفو خالة . . بس عدنان رجل و اكبر منيّ . .

ـ انت هم رجّال لا تصغّر نفسك . . لك انت اللي سويّته رجال مايجرؤون يسوّوه و حافظ على سرّ البنية مريم و سأعمل الليّ اقدر عليه لمساعدتها . . بس انت الم تسأل نفسك ليش عدنان و ربعه بالسجن ؟؟

ـ لأ خالة . . بس كلنا حزنانين عليهم . .  

ـ ابني هذول عملوا و اشتغلوا في سبيل الناس و خاصة الفقراء و الضعفاء منهم و الفلاحين الفقراء و عوائلهم اللي تشكي نسائهم و بناتهم من مصير مريم على يد الاقطاع و جشعهم غير مبالين بما حرّم الله و رُسله، اسأل خالتك وجيهة ام مزهر المحكوم بنقرة السلمان كم شابة انقذت في الفرات من هالمصير . . . هذول المناضلين عملوا في سبيل الخبز و الحرية و المعرفة للجميع، لذلك حكومات السفلة و السرّاق و الظالمين تخاف منهم و تعتقلهم . . و حتى بالسجون تخاف منهم، ماشفت السلاسل اللي شاديّهم بيها وهم في السجن، ماشفت شكد ناس تزورهم من كل القوميات و الاديان . . لأنهم يعطونا القوة و الشجاعة للتحدي و الأمل بالحياة الكريمة . . هذوله هم " العراق المنصدك " و نعيش و نعمل حتى نصير مثلهم ابني السبع . . روح براحتك ابني الله يوفقك و زورني كلّما زرت بيت عمّك.

          خرجت من غرفة الخالة راجحة الواقعة في طرف البيت . . الغرفة النظيفة و المرتّبة الحاوية على اصص ازهار و اعشاب عطرية، برفوفها المملوءة بانواع الكتب و الفايلات و المجلات . . و بانواع المعاملات الموضوعة على منضدة واطئة كانت عليها نظّاراتها . . خرجت و انا احسّ بالثقة و بأني عملت عملاً كبيراً، جعل الخالة رابحة تهتم بي شخصيّاً و تناقشني بدون تبويس و احتضانات، و احسست بحاجتي الى التفكير بما قالته لي، و الى اعادته مرّات و مرات لأفهمه افضل . . احسست بكوني صرت انساناً جديداً. (يتبع)

 

                                                              ـ 14 ـ

                                                       اخافة الوصي   

         

في حوالي عام 1956 دخل التلفزيون لأول مرة بالاسود و الابيض في العراق و قيل ان اجهزته كانت من شركة " باي" البريطانية من خلال فرعها في المعرض الصناعي ـ الزراعي، الذي كان احد برامج مشروع الإعمار في ذلك الوقت،  و قد احدث ضجة كبيرة في الأوساط الشعبية و بين الاطفال الذين فسّروه على انه سينما بيتية كانت تعرض فلماً كل يومين بعنوان " فلم السهرة " منها فلم عربي مصري في ليلة الجمعة و يوم الجمعة . .

كان البث يبدأ مساءً في حدود الساعة السادسة . . و في المحلة القديمة اشترت عائلة الخبازة صبرية جهازاً للتلفزيون، وضعوه في ساحة البيت الداخلية و وضعوا حصراناً على الساحة للجلوس، و كانت الدخولية كل نفرين بـ (عانة) لرؤية كل برنامج اليوم . . فكنا نتجمع كاصدقاء محلة و نذهب لمشاهدة التلفزيون في بيت صبرية . .

الذي كان يقع مقابل بيت الممرضة و القابلة الشهيرة في المحلة " سستر حسيبة " ، في ركن زقاق قديم غير نافذ، تركه ساكنيه اثر حريق شبّ فيه قبل سنين و التهم شناشيل البيوت فيه، و بقيت البيوت خالية عدا ساقية الماء الآسن القذر التي كانت مستمرة بالجريان . .

          في اليوم الاول لذهابنا شاهدنا " حسون الامريكي " كان جالساً في السره الاول، كأحد المشاهدين البارزين و المشجعين للاطفال للحضور، و كان حسون مضمداً في المستشفى الملكي، و اكتسب شعبية كبيرة في الاعظمية بهندامه النظيف بمودات الملابس الامريكية، صحبة دراجته الهوائية الحديثة النظيفة، و كان يشاع عنه انه احبّ الحياة على الطريقة الامريكية التي لبسته تماماً، و كان يتحدث بلغة انكليزية لانعرف مدى صحتها و حدودها، و كان ذا روح فكاهية . . و احبّ ان يعيش في الجوّ الامريكي بالملابس و النكات و الحركات و الاحلام و الاوهام . . من خلال افلام الكاوبوي و عموم الافلام الاميركية و قصصها و نسائها الشقراوات.

          و كان مما يثير تساؤلاتنا جلوس عدد من النساء بحجاباتهن لرؤية التلفزيون، لأنه من العيب ان يشاهدهن الرجال في التلفزيون و هن بملابس البيت او مفَرْعات . . لأنهن كنّ يعتقدن بشكل جازم ان التلفزيون لايخلو من رجال (من صدك) و لكن كيف ؟ بس الله يعرف، كما كنّ يرددن . . و لدى مناقشاتنا معهن ترد متزعمتهن ( لك انت من كل عقلك ان اللي داتشوفه مو رجّال بطول و عرض و بـ . . يعني شلون تقبلوها ان نجلس امامهم و احنا شبه عاريات !! . . لك ماتستحون ؟ ماعدكم غيرة على امهاتكم و خواتكم ؟؟ ) . .

          و تقول اخرى ( احنا من الراديو ناخذ حذرنا عندما يتكلم رجّال، رغم انه مو ظاهر للعين ، هالنوبة من التلفزيون و مبيّن واضح ينظر الينا دون خجل و لا مستحه . . بس العيب عليكم انتم ماتهتمون بسمعة بناتكم و نسوانكم، لأن هي هاي بداية طريق الشيطان، و كان الشيطان لربه كفورا، صدق الله العظيم . . ). و في جلسة التلفزيون كان بعض الاطفال يبيعون : اقداح من الشربت، قطع حلويات من اللوزينة، الداطلي و البرمة الكاسدة التي لانعرف من اين اوتي بها، اضافة الى حب الرقيّ (بذور الرقيّ) المطبوخ و المقلي بالماء و الملح و غيرها من المواد، مما تقرره صبرية الخبازة . . و باسعار متهاودة.

          في زمان كان فيه الاطفال الموجودين في بيوتهم يبدأون باللعب من الصباح الباكر في البحث بين الكراسي و القنفات في المقاهي الفارغة، عن علب السكائر الفارغة و تجميعها، لصنع بيوت الكرتون بلصقها الى بعض و حسب نوع العلب، علب سيكاير غازي الذهبية و لوكس البيضاء و الاكثر جاذبية علب كات Cat  ام البزّون و علب البحّار، و كنّا نتبادل انواعها بيننا، حسب الرغبة و الحاجة في بناء بيتٍ كارتوني ذي جاذبية. اضافة الى العاب الأسلاك المعدنية و استخدامها في بناء سيارات و لوريات حمل كلعب، التي طوّرها بعضنا باستخدام بطريات جافة، لتشكيل اضوية ليلية، زمّارات (هورنات) لتلك الالعاب.

و ذهب آخرون الى عمل و تصميغ طيارات ورقية بشراشيب زاهية، باحجام متنوعة حتى ظهرت العاب الطيّارات الورقية التي تهاجم الأخرى و تحطّمها او تقطع خيطها الرابط، باستخدام معجون من خليط مكوّن من الزجاج المطحون (الكزيز او القِزازْ) و الصمغ و شئ من الطحين . . و تلويث الخيط المستخدم للطيارة المهاجمة به و جعله حاداً قاطعاً . . اضافة الى لعبات تتراوح من ارسال صور الى الطيارة بواسطة خيطها، و ارسال قنديل مكوّن من علبة كرتون خفيف صغيرة محاطة بورق شفاف تحتوي شمعة صغيرة و هي تشتعل الى الطيارة بواسطة خيطها، الذي يتطلب خبرة و تفنن من الاطفال الاكبر سنّاً و الاّ يشتعل الخيط او الطيّارة او كلاهما . . و كانت تلك الالعاب تزدهر في مواسم و تخف في مواسم اخرى، وفق نشاط السوق الذي كان يبيعها و يبيع موادها . .

          في ايام الخميس كنت ارافق جدتي لمساعدتها بحمل المواد التي كانت تعدّها للتكية النسائية التي كانت تقع في المحلة المقابلة لمحلة النصة، في الجهة الاخرى للشارع الواصل الى مرقد الإمام ابو حنيفة النعمان و كنّا نمرّ بين تلال الرمل و المواد الإنشائية التي كانت تُعد و تُستخدم في عمليات الحفر و بناء الجسر الجديد و الشوارع الضرورية المرتبطة به، الجسر الذي كانت تدور حول تسميته نقاشات و نقاشات حادة بين تسميته (جسر الاعظمية) او تسميته (جسر الكاظمية) الى ان تم التوصل الى حل وسط بتسميته (جسر الأئمة) . .

          كنّا نحن الاطفال نسمع اموراً تدهشنا او نستغربها و تثير الفضول عندنا لمعرفة الحقيقة فيها، ففي ذات يوم جاءنا برهوم فرحاً بخبر انه استطاع تسجيل عزيز ابن الحفافة اليهودية لميعة رسميّاً !! ، للحاجة الملحّة لأوراق رسمية له للتسجيل في المدرسة الإبتدائية. و عرفت بأن عزيز ليس لديه دفتر نفوس اصولي، الذي بدونه لايمكن اعتباره مواطن عراقي، و لا يُعتبر رسمياً ابن امه و ابيه، و لا يستطيع التسجيل في مدرسة و لايمكن ذكره او حسابه في اية معاملة حكومية.

          و فتح ذلك الموضوع الكثير من التساؤلات . . لماذا و كيف ؟؟ لأنه يعيش في بيت امه و ابيه و هو ابنهم . . و تبيّن ان خلف الموضوع حكاية مأساوية مؤلمة، فالحفافة اليهودية لميعة في مطلع شبابها احبّت ابن الجيران عباس الذي كان متدلّهاً بحبها، و بسبب احداث الفرهود ضد اليهود العراقيين و إجبارهم على التأسلم و الاّ عليهم مغادرة البلاد في خطة رتّبتها الدوائر الصهيونية مع المستعمرين البريطانيين و اذنابهم من الحكّام، لإجبار اليهود العراقيين على مغادرة البلاد و الذهاب الى اسرائيل، و نشطت لذلك انواع الدوائر و العصابات، درّ عليها اموالاً طائلة من جهة، و رسم مخططاً سياسياً خبيثاً بقي يلعب ادواراً متنوعة الى اليوم .

          و قد رفضت لميعة التأسلم لأنها يهودية و تعتزّ بديانتها من جهة، و رفضت مغادرة العراق لأنه وطنها الذي ولدت و عاشت فيه و احبّته و لا يمكنها الحياة دونه، و صارت امام خطر التهجير بالقوة على يد الشرطة او على يد عصابات شقاوات اجرامية . . فتركت وظيفتها في مدرسة البنات اليهوديات الواقعة في عطفة نهاية السوق القديم، التي بقيت بنايتها بزخارفها و فنّها المحفور على جدرانها، بناية متروكة بعد تلك الاحداث.

          تركت لميعة وظيفتها و اختفت في بيت اهل عباس الذين احسنوا استقبالها و حافظوا على سرّها ، بعد ان تركت اهلها الذين أُجبروا على ترك البلاد بلا رحمة وسط بكائهم و عويلهم . . و عملت عائلة عباس على تزويج ابنهم بها بعد اعجابهم بها و بحسن اخلاقها و خُلُقها، لتكون اقامتها شرعية بينهم، و كانت قضية زواجهما شبه مستحيلة رسمياً، كما قيل حولها، و بقي زواجهما غير رسمي و دون عقد زواج . . و بعد سنوات و بجهود كبيرة استطاع برهوم بعلاقاته النافذة ان يستحصل لهما على موافقة رسمية على الزواج كحالة استثنائية، من مكتب المرجع الإسلامي الأعلى للديار العراقية السيد الواعظ، فتزوّجا رسميّاً . .

          و اشتغلت لميعة بمهن متنوعة للحصول على راتب يكفل عيشها و مصرفها لأنها لم تقبل ان يصرف عليها احد و يكون سيّداً عليها، و ساعدها ابناء المحلة فاشتغلت كـ : مدبّرة منزل، معينة في مستشفى بمساعدة غنية زوجة برهوم، خيّاطة بمساعدة ام عباس، حفّافة بمساعدة جيران آخرين . . الى ان استقرت كحفّافة، و ولدت ابنها البكر عزيز الذي لم يستطيعوا تسجيله رسمياً لأنه من أب مسلم و أم يهودية و هو أمر غير مذكور او لا يتطابق مع القوانين الشرعية الرسمية المعمول بها في البلاد آنذاك . .

          و تبيّن انه بعد سنوات اخرى و بسبب متابعة برهوم الكثيفة و لكونه صحفي، استطاع معرفة ان قانوناً جديداً صدر (بلا اعلان عنه) و لانُشر في صحيفة الوقائع العراقية الرسمية، يعالج تلك المشكلة و يُحللها شرعاً . . . بعد ان حفظ اهل المحلة سرّ الحفافة لميعة و تلك المشكلة و حفظوا بذلك سرّ تلك العلاقة السامية الطاهرة التي جمعت حبّ الوطن و العشق الطاهر و الإخلاص في سبيله . . و الدور الإنساني للسياسي الوطني الذي يحب شعبه بالوان مكوناته . .   

. . . . .

. . . . .

          بعد فراق شهور، زار سعدون رحيّم الذي استقبله بالاعناق و بأحرّ التحيات على سلامته من حملات الاعتقالات التي جرت اثر انتفاضة 1956 ضد العدوان الثلاثي على مصر، و بعد تبادل انواع الاحاديث و في مقدمتها الاخبار عن عدنان و عن مزهر المعتقل في نقرة السلمان . . اخبر سعدون رحيم عن اخبار استخبارات الفرقة الثالثة التي افادت بهروب نشطاء شيوعيين ممن يعملون بالمجال العسكري و استفسر عن مغزى ذلك، و عن كراس " في الكادر " و خالد السلام . .

          و بعد سنوات قال سعدون عن اجابات و ملاحظات رحيم بأنها كانت مهمة و مفيدة كثيراً عن حقيقة ما كان يجري و الذي نقله الى النقيب ممدوح، حيث افاد رحيم عن النشاط في الجيش :  

ـ ان الحزب لايعمل للقيام بثورة مسلحة او انقلاب عسكري، لأن لافائدة من ورائه و خساراته اكبر من فوائده . . و ان الحزب يناضل سلمياً من اجل تطوير العراق و من اجل الحرية و الديمقراطية، و ان من ينشطون في الجيش، يعملون من اجل توعية الجنود و الضباط الصغار بحقوقهم، ازاء استغلال الطغم العسكرية الحاكمة و المتنفذة في الجيش . .

فالجندي المُساق الى الخدمة العسكرية بالقوة يُعامل معاملة اسوأ من معاملة الحيوان و لاتزال الحملات العسكرية لسوق المجندين الجدد بالهجوم على القرى تجري، و ضرب الجنود يجري كما لو كنّا في زمن العصمليّ (العثماني)، و لذلك فهم كأي قطّاع من قطّاعات الشعب بحاجة الى من يوعيّهم بحقوقهم كبشر، و يعلّمهم القراءة و الكتابة، و الى من يعمل على تنظيم احتجاجاتهم على المعاملة القاسية التي يُعاملون بها و الرواتب الضئيلة التي يتقاضوها تحت غطاء (خدمة العلم الإلزامية)، اضافة الى تحديث ثقافتهم و ثكناتهم و اسلحتهم و مدارسهم المهنية، لخلق جنود ماهرين و اصحاب مهن و مهارات تطوّر الجيش و تطوّر ابنائه . .

بدلاً من استغلالهم و سوقهم من قبل المستعمرين و اذنابهم لتنفيذ و خدمة مخططاتهم، بلا مبالاة بارواحهم كما حدث في حرب فلسطين و فضائح الاسلحة الفاسدة التي راح ضحاياها مئات الجنود . . بهذه الوجهة ينشط الحزبيون و ليس بتنظيم و تدبير مؤامرات و انقلابات، الاّ ان حكومات نوري السعيد تعتقلهم و تحكمهم احكاماً قاسية، و تتهمهم بشتى التهم التخريبية . . و يؤيد الحزب كلّ تحرّك او حركة وطنية تنجح في وضع البلاد على طريق التقدم و الازدهار، بل و يسعى لمساعدتها و تنظيمها على اساس الفكرة الرئيسية لمؤسس الحزب فهد : " قووا تنظيم حزبكم، قووا تنظيم الحركة الوطنية " ، في بلد يعاني من الظلم و التخلف و الفقر و المرض و الأمية.

امّا عن خالد السلام فهو مثقف يساري معروف و فعلاً ترجم كراس (في الكادر، لديمتروف) بمساعدة الشيوعيين السوريين، حول مواصفات و ماهية النشطاء الحزبيين، و لدى ديمتروف كتاب موسّع عن (الجبهة الوطنية) حول تكوين الجبهات و شروطها الذي لم يترجمه السلام، و تكمن اهميته في شروط عقد الجبهات و الاّ تتحطم و تتحطم احزابها، ففيما نجحت و ادّت الى انتصار ثورة اكتوبر في روسيا، فإنها فشلت في الصين و ادّت الى قتل مئات الآلاف من الشيوعيين و الديمقراطيين و انصارهم هناك على يد (جان كايشيك) زعيم القوميين الصينيين المتعاون مع المحتلين اليابانيين . .   

          و شَرَدَ سعدون بعيداً في افكاره و هو يردد مع نفسه ( صدك احنا الضباط و لا واحد منتبه لحقوق الجنود و انهم بشر مثلنا، و نعتقد انهم جزء من الماكنة العسكرية التي علينا تشغيلها بهم و تذكّر عبارة (الجندي حيوان اليف، يمشي كما يبغي العريف)، و فعلاً هم حطب نيران المعارك بالاوامر و العقوبات الصارمة من الضرب و الجَلِدْ و السجن و الى الرمي بالرصاص في حالات المعارك، و الحملات المسلحة لقمع انتفاضات الفلاحين الفقراء و ماحدث من مجازر بحق الكرد و ابناء الديانات الاخرى، و مقاومتهم الباسلة . .

. . . .

. . . .

          في تلك الفترة زارنا برهوم و دخل في نقاشات مطوّلة مع والدي عن موضوع الاسلحة لحماية المتظاهرين و سمعت منه التالي، قال برهوم :

ـ ناشطو الاحزاب و المنظمات القومية يرون انه من الضروري ان تتشكّل جماعات لحماية المظاهرات و بدأوا بتحضير اسلحة لذلك من علاقات مع مهرّبين ينشطون في مناطق المحمرة و في مناطق كردستان، و يقولون بأنهم لن يَدَعوا شرطة بهجت العطية و ازلامها من الشقاوات يهاجمون و يقتلون و يجرحون و يسوقون المتظاهرين الى السجون، كما حصل في مظاهرة استنكار العدوان الثلاثي على مصر في شارع الشباب، و كما حدث حين هاجموا كلية الملك فيصل و قتلوا و جرحوا العديد من الطلبة . . خاصة و ان التظاهرات تزداد من زمن العدوان الثلاثي على مصر الذي كشف حقيقة اسرائيل و حقيقة دول الغرب و سياساتها تجاه المنطقة و بلادنا . .

ـ عزيزي برهوم، دع عنّك التفكير باستخدام الاسلحة النارية لحماية المتظاهرين، لأنك ستدخل في صراع غير متكافئ و لا معقول مع الحكومة التي تستطيع استخدام انواع الوحدات المسلحة و تستطيع زج الدبابات و المدرّعات لضرب المتظاهرين و حماية افراد وحداتها، دع عنك، ان ذلك سيتسبب بسقوط اعداد كبيرة قتلى و جرحى من الطرفين و سيتسبب بسوق متظاهرين بتهم حيازة اسلحة غير مرخّصة . . . و لاتنسى بأن ابناء القوات المسلحة هم اخواننا و انهم يُساقون بالاوامر العسكرية و الاّ يُعاقبون بعقوبات قاسية، علينا تحييدهم و كسب تأييدهم لنا . . ممكن استخدام وسائل للدفاع عن النفس اللي تصل الى استخدام الحجارة و بحدود الى استخدام العصي للدفاع عن النفس . . و لاتنسى ان التظاهرات هي وسيلة للتوعية و لرفع استعداد الناس لتأييد اية حركة وطنية تسعى للتغيير، و ليست وسيلة لتغيير نظام الحكم بالقوة . .

          من جهة اخرى، و بجهود الرائد ممدوح و توجيه الزعيم قاسم و علاقاته، تم نقل سعدون الى مقر قيادة الفرقة الثالثة في معسكر سعد في بعقوبة، لحاجتهما الى من مثله هناك دون تبيان اية تفاصيل ، في وقت تزايدت العلاقة بين الرائد ممدوح و الملازم اول سعدون وثوقاً . .   

          ذات مساء في النادي العسكري في بعقوبة، وفي ساعة متأخرة من الليل و على مائدة شرب و عشاء ، قال الرائد ممدوح ، وهو يرد على تهاني صديقه و ابن دورته ـ  كما تبيّن لاحقاً ـ سعدون له بمناسبة ترقيته الى رتبته الجديدة وفق قوائم الترقيات في يوم الجيش :

ـ اشكرك عزيزي سعدون ابو رعد . . يا ابن دورتي العسكرية على تهانيك القلبية التي لاتعكس الاّ سمو اخلاقك . . . ولكني اتساءل لماذا لم تشملك الترقية و بقيت برتبتك، هل لديك عداوات ؟

ـ عزيزي . . ابن العشاير دائما عنده عداوات، مثلما لديه صداقات و تحالفات . .

ـ لا اعرف لماذا يقولون عنك ، انك من المغضوب عليهم . . لا اعرف لماذا ؟ و لا ارى اية شائبة فيك ، فكل حياتك العسكرية تشهد لك بالضبط و النظام  . . 

ـ شوف عزيزي ممدوح كل انسان لابد و ان يقع في خطأ يوم ما، و للجيش الحق في محاسبته و اتخاذ الإجراء الذي يتناسب مع درجة الخطأ  . . و لكن ان يكون الحساب قاسياً و مستمراً، فالأمر يعني ان القضية قضية احقاد و حسد، و محاولة لإذلالي و انا بعمري لم امسّح جوخة احد و لم اتذلل لأحد . ويبدو لي ان هذا الأمر لايروق لمن ترقّوا بالتذلل و بالتقرب للأنكليز . .

ـ افهم ماتقول . .

ـ المؤلم انك ترى العديد من الكبار هم ليسوا اكثر من مسّاحي اكتاف و متذللين . .

ـ بلى . .

ـ حتى آمر وحدتنا من هذا الرعيل الوصولي المنافق . .

ـ لأن الوصي على العرش الذي بيده امور الجيش هو الذي يحارب الضباط الشجعان و كرام النفوس . . ويقرّب المتزلفين و المنافقين . .

ـ اخفض صوتك . . احنا في النادي العسكري !!

ـ  .  .  .

و بصوت يشبه الهمس سأل سعدون :

ـ الوصي ؟!!

ـ نعم !!

ـ متأكّد ؟!!

. . . و منذ ذلك الحديث و بتطور ثقة احدهما بالآخر و تكتمه عليها، تواصلت احاديثهما حول تلك المواضيع و تواصل تبادلهما للأخبار ، ومن خلال ذلك عرف سعدون ان الضباط الوطنيين ينشطون بشكل منظّم باسم " الضباط الأحرار " . وفي احد الأيام اتاه ممدوح بنشرة سريّة تهيب بابناء الجيش العراقي الى تأييد مظاهرات الشعب في الذكرى الأولى للعدوان الثلاثي على مصر . .

قال ممدوح :

ـ الوصي يخيف الكثير من الضباط و خاصة الجدد و القادمين من خارج بغداد ، و يريد " الضباط الأحرار " تخليص العسكريين من هذا الكابوس . . لاتنسى ان الوصي هو المشرف العام غير المُعلن على الجيش !!

قال محمد سعدون :

ـ يعني يريدون اغتياله ؟!

ـ لأ . . يريدون اخافته . . ارعابه امام العسكريين . .

ـ يعني كيف ؟ و كيف اخافته امام العسكريين و هو لايتحرّك الاّ محاطاً برجال حماية مدربين احسن تدريب . . و لاصقين به اينما ذهب ؟

ـ نعم ، و لكن . .

ـ  .  .  .

بعد تفكير و سكوت قال سعدون بصوت خافت و لكن واثق :

ـ شوف ممدوح . . آني بنفسي اريد ان اقوم بذلك ، ولكن كيف ؟ كيف و اين ؟

ـ  .  .  ابو رعد ! تعرف ان الوصي سيزور قيادة الفرقة في معسكر سعد ؟

ـ صحيح ؟! متى ؟

ـ يقولون قريباً . .  و سنعرف ذلك من بريد " اطلاع الضباط " لأن الأمر يتطلب تهيؤ و استعداد و تفتيش قطعات . . اعتقد ان الزيارة ستتم بمناسبة يوم تأسيس الفرقة الثالثة .

و بعد ايّام تحدد موعد زيارة الوصي و بدأت اجراءات التهيؤ و التحضير و الاستعدادات المتنوعة لإستقباله . . و في الصباح الباكر لذلك اليوم و بينما كان سعدون يتمشىّ ذهاباً و ايّاباً على رصيف شارع باب النظام لمدخل مقر الفرقة مقلّباً الفكر فيما سيقوم به، شاهد مالم تصدّقه عيناه . . شاهد ريتا و امرأة كهلة و شابتان و هنّ ينزلن من سيارة تاكسي عند الباب النظامي للفرقة و بدا ان هناك نقاشات و ممانعات من حرس باب النظام لدخولهن الى ساحة مقر الفرقة !!

          و بلا شعور او تفكير اسرع سعدون الخطى الى باب النظام، و دخل في تفكير و حسابات منطقية و معقّدة، هل هناك من ارسلها لي لتفشل ما اريد القيام به ؟؟ ما هذه الصدفة التي توجع القلب ؟ . . و بوصوله الى باب النظام، استعد الحرس له مؤدين التحية العسكرية الأصولية و قالوا :

ـ سيدي . . النساء يريدون الدخول الى المستشفى العسكري للفرقة لزيارة ابنهم الجندي الراقد هناك، و كما تعرفون الوقت ليس وقت زيارة .

نظر سعدون الى ريتا و مرافقاتها متصنعاً عدم معرفته بريتا التي فهمت تصرفه و انتظرت ما سيقوله، سأل سعدون :

ـ الجندي المريض ابن من ؟؟

قالت المرأة الكهلة :

ـ سيدي . . الجندي هو ابني و هاتان اخواته و الأخرى جارتنا التي ساعدتنا بالوصول الى هنا، الله يعطيها العافية . . احنا جايين من الموصل سيدي.

و بعد تفكير امر سعدون الجنود بقوله :

ـ اخذوا اسمائهن و اسمحوا للأم و لشقيقتيه بالدخول مع مرافق . . و للضيفة بالذهاب الى غرفة انتظار النساء مع مرافق، الى ان ازورها بنفسي.

و التقى سعدون بريتا في غرفة الانتظار، و قالت :

 ـ شلون صدفة . . شنو جابك هنا ؟؟

ـ انا اعمل هنا . . هنا مقر عملي . .

ـ بس المكان مابيه مجال . . فقط كراسي حديدية و  و  و

ـ عيني ريتا هنا معسكر و غير ممكن ان نقوم بما تفكّرين بيه . .

ـ ليش يعني ؟؟ هنا اكثر إثارة صدّقني . . نفرش البالطو على الارض و  و  تره اكثر الضباط يسوون هالشكل . .

ـ ابداً ابداً !!

ابتعد عنها و قال بعد ان تأكّدت حاسّته بانّ مجيئها  صدفة لا اكثر :

ـ ابداً عزيزتي . . عليّ واجب فيه مخاطرة و احتاج الهدوء، لديّ موعد مع سعيد المصلوب بعد يومين في بانسيون ماري، ان لم اذهب اليه، الرجاء اخبريه بأني مسجون عند الانضباط العسكري، و هو سرّ بيننا !

اصفرّت ريتا ،و بلا كلمات عانقته بشدة طويلاً و هي تردد :

ـ لاتقلق . . ان الله معنا .  

و بعناقها و كلماتها المهدّئة، احسّ بهدوء كان يحتاجه و ركّز كل تفكيره على ما سيقوم به و سيجري . . . و هو يرى من النافذة و يسمع ازيز مراوح ثلاث مروحيّات و هي تقترب من المعسكر . . شدّ على يد ريتا و استأذنها و فارقها و هي تنظر اليه بعيون تدمع بغزارة . .

          ذهب سعدون الى قاعة التدريب الشتوي الرئيسية (البنكله) ذات الفتحات الكبيرة المشرفة من مسافة حوالي 300 متر على ساحة هبوط الهيليكوبترات . . علّق فردة بسطال بسلسلة كانت مُدلاّة من السقف و اتّخذ موقعاً يستطيع من خلاله رؤية لحظة نزول الوصي من مروحيّته، و جثم على تلّ من اغطية و ملابس عسكرية قديمة و اخرج مسدسه و استعد للحظة التي اختارها و بقي يتابع هبوط الهيليكوبترات . .

          نزل الوصي وسط انغام الجوق الموسيقي العسكري و هو يعزف السلام الملكي . . و استقبله قائد الفرقة و عدد من قادة الالوية و الصنوف، و كان محاطاً بافراد حمايته المدججين بالاسلحة الرشاشة . . و في لحظة مصافحته قائد الفرقة . . بدأ سعدون بالاطلاق من مسدسه على فردة البسطال المعلقة، التي جعلت الوصي يسحب يده من المصافحة و يهرب الى مروحيّته دافعاً من وقف في طريقه و في ثواني غادرت مروحيته وحدها ارض المعسكر و بقيت الأُخرتان على الارض، و انتشر افراد حمايته و حرس المعسكر و هم يطوّقون البنكله و انقضّوا على سعدون !! (يتبع) 

 

                                                               ـ 15 ـ

                                                        قصر الرحاب

 

          في ذلك العام تم افتتاح جسر الأئمة الجديد . . من جهة الأعظمية، في حفل جماهيري حاشد التمّ فيه الجميع لمشاهدة الملك الشاب فيصل الثاني و هو يفتتح الجسر تحت طوق خشبي احتفالي كبير ترفرف عليه الأعلام العراقية و اعلام التحيات، بمشاركة الوصي عبد الإله و نوري السعيد و الوزراء و كبار المسؤولين الحكوميين غير المحبوبين و الذين كانوا لاينالون الاّ لعنات الناس، علناً او مكبوتة في النفوس لأسباب متعددة . .

تمّ افتتاح الجسر كاحد فعاليات مجلس الإعمار، في موعده المقرر، رغم عدم اكتمال بناء ملحقاته من الشوارع الجديدة المتصلة به، خاصة الشارع الموصل منه الى رأس الحواش . . حيث بقي الشارع السابق بعد اصلاحه و التهيؤ لإعادة بنائه و بناء الممر الثاني له.

و لابد من القول ان افتتاح الجسر الجديد، ادىّ الى تهديم وازالة قسم كبير من محلة الشيوخ القديمة، و خاصة الحارات المجاورة لمرقد الإمام ابو حنيفة النعمان، و شمل ازالة قسم غير صغير من السوق القديم و قسم من محلة الحمّام . . اضافة الى الأقسام التي شكّلت مكاناً لبناء و إشادة ساحة (فلكة او دوّار) الإمام الأعظم، في بداية شارع الأعظمية الموصل الى راس الحواش و ساحة عنتر، الشارع الذي اعيدت تسميته الى شارع " الإمام الأعظم "، التسمية التي اخذت المحلة اسمها منها و سُميّت به منذ القدم بـ " الأعظمية " . .

          و بسبب اعمال الهدم تلك التي ازالت اضافة الى البيوت، ازالت العديد من المتاجر التي جرى تعويض اصحابها و بنوا بها "السوق الجديد" المكوّنة اجزاء منه من طابقين، و الذي صار يقع داخل المحلة و ليس مطلاًّ على الشارع بعد ازالة انواع الخرائب هناك. و حصل مُتغيّر آخر هو كساد شريعة البلاّمة (اصحاب الزوارق ذات المجاذيف و العاملين عليها) الذين كانوا يحملون العديد من زوّار الإمام الكاظم من ضفة الأعظمية الى ضفّة الكاظمية و بالعكس، حين كان البلاّمة يعتمدون على ثريد باقلاء ام مصطفى، في الفطور و الغذاء، حيث كانت وجباتها تلك رخيصة الثمن . .

          اما ام مصطفى ذاتها، فبقي رزقها كما كان، بعد ان تزايد الطلب عليه من سكنة البيوت المجاورة، و بقى القدر الكبير الموضوع على طباخ نفطي صغير تحت قيادتها، جنبها سلّة كبيرة يتبرع فيها سكنة الدور المجاورة بخبزهم اليابس و البائت، التي كان يندر ان تكون فارغة و على جنبها الآخر، وضَعَت طبّاخ نفطي صغير ثاني مولع بنار هادئة او مطفئ و عليه طاوة كبيرة سوداء شبه مستهلكة لقلي البيض لمن يرغب مقابل ثمن صغير، او قليه لمن جلبه معه مجاناً، اضافة الى صندوق وضعت فيه انواع من الخل و زيت الزيتون و البطنج . . على ارض مليئة بقشور الباقلاء كانت تُكنس بين حين و آخر . . 

          و ظهرت مشاكل من نوع آخر بسبب زيادة مرور الباصات الخشبية الشهيرة بإسم (دكّ النجف)

التي كانت في العادة سريعة و كان فيها خللات متنوعة لكونها رخيصة الثمن كما كان يدور بين الناس، الاّ ان المشكلة الكبرى بها، هو ظهور حوادث دهس المارة و خاصة الاطفال، و كانت من اهم الاسباب هو انشغال سوّاق الباصات بينهم لدى مصادفة سيارات بعضهم ببعض، بانواع النقاشات و الشتائم المدويّة و الردود العصبية و نسيانهم مسؤوليتهم في السياقة، اضافة الى استخدامهم انواع الهورنات التي صارت شتائم و فشار و تعديّ، بعضهم ضد بعض كـ  ـ فيصل طيـــــــــــ ـ الأمر الذي ادىّ الى صدور تعليمات بمنع مرور الباصات الخشبية . .

اضافة الى ظهور مشاكل من تخوّف عديد من الناس و من زوّار الإمام الكاظم من انهدام الجسر و هم عليه، و المخيف لهم انه كان بذلك الارتفاع و بتلك الخرسانات و الانابيب العملاقة، الجديدة على عقولهم، بعد الغاء جسر الأعظمية القديم (جسر الدُوَبْ) الاليفة الاكثر اماناً بتصورهم، لأنه كان مبنياً على زوارق، و الناس اكثر معرفة و ثقة بها . . رغم انقطاع الجسر القديم عن مرتكزاته و طوفانه مع التيّار الى عدة كيلومترات في مواسم الفيضان لأكثر من مرة، حين تمت ملاحقته بالماطورات النهرية حينها و اعيد الى مكانه . . 

فيما كانت اذاعة بغداد مشغولة باذاعة تفاصيل عن قرب خطوبة الملك فيصل الثاني بإذاعة اخبار متنوعة عن الموضوع . . من قرب خطوبته على اميرة مغربية ابنة الملك محمد الخامس هناك و الى اخرى و اخرى و الى استقرارها على خطوبة الملك الشاب على اميرة تركية من سلالة محمد علي باشا الالباني، الأميرة فاضلة . . و أُعلنَتْ انباء على زياراتهما لمرافق بغداد الملكية الهامة، منها زيارتهما للمقبرة الملكية في شارع الشباب المار ذكره في الاعظمية . .

          و تم الإعلان عن موعد تلك الزيارة للاعظمية و التأكيد على موعدها من الاذاعة لمرّات، و اهتم الناس بحضورهم على الشارع بفضول طغى عليهم، لرؤية خطيبة الملك، هل هي جميلة ام قبيحة ام ماذا ؟؟ ثم ، من هي لتحكم العراق ؟؟ . .

و هكذا ذهبْتُ حاملاً اختى سوسن ذات الثلاث سنوات بدافع الفضول الطفولي و دون معرفة الاهل، الى شارع الشباب و وجدت نفسي بين جماهير ليست قليلة تلوّح لهما و هما يبتسمان ، و اخذنا نلوّح اختي و انا له في الصف الاول للمُحَيين و حدث . . ان توقّفت سيارة الملك المارّة ببطء جنبنا و انحنى الملك من جانب السيارة المكشوفة و لوّح لي بابتسامة جميلة ان اقترب منه، فاقتربت حاملا اختي على ذراعي . . و للمفاجأة حمل الملك اختي سوسن من ذراعي و قبّلها على وجنتيها دائراً بها في مكانه على الجماهير المحتشدة على الجهة الأخرى للشارع، كأنما كان يعرض حبه للبلاد و اطفالها . . 

          و رغم ذلك التغيير العاصف في حياة المحلة . . الاّ ان التنصت على اذاعات موسكو و صوت العرب من القاهرة بتكتّم، ازداد ازدياداً كبيراً، وكان عدد من ابناء الجيران يتناقشون بينهم و قسم منهم يتناقشون مع والدي حول حقيقة ماتذيعه و الأخبار الأخيرة لـ " صوت العرب من القاهرة " التي كانوا يتابعوها سراًّيومياً، اضافة الى اخبار موسكو والـ  بي بي سي  التي كان والدي يتابعها كلها يومياً من جانبه و بصوت بالكاد يُسمع . . .

حيث كانوا يستمعون اليها بصوت خفيض وبتكتّم شديد، تكتم لعائشين في بيوت شرقية الطراز تطل غرفها مباشرة على الأزقة حيث يسير المارة . . خوفاً من انفضاح سماعهم لتلك الأخبار المبثوثة من محطات ممنوعة لمارّة في الشارع، يمكنهم ان يُخبروا الأمن بذلك و يحدث ما لايحمد عقباه . . اضافة الى تزايد الاستماع الى حفلات ام كلثوم من اذاعات القاهرة في الساعات المتأخرة من الليل و خاصة في ليلة الجمعة، حين كانت اغنية " يا ظالمني " هي اغنية الموسم لعام 1957 . .

          و كانت الناس تتبادل بهمس، خبر خوف الوصي و جُبنه و هربه بطائرته المروحية المنفردة تاركاً مرافقيه، من معسكر سعد في بعقوبة، و كيف حدثت و من هو البطل الضابط الشاب سعدون، و يتساءلون بقلق عن مصيره و هو الابن البار لأهالي الاعظمية، وسط انواع التعليقات و التلميحات :

ـ يا اخي، الوصي جبان رغم انواع النياشين على صدره و الهالات و رغم مظاهر التجبّر

ـ الخوف على سعدون الذي اعتقله الجبناء و اضاعوا اخباره

ـ خوفكم من الجبناء ان تولوّا السلطة

ـ انتقام الجبان يكون شنيع

ـ انتقام المأبون يكون اشنع

ـ هسه عرفتوا ليش الناس تحب الملك و تكره عبد الإله ؟

من جهة اخرى احدث خوف الوصي و هروبه من سماع اطلاقات نارية، بل و هروبه حتى من مرافقيه و هو المشرف الفعلي و العملي على الجيش، و اوامره يجب ان تطاع بعيداً عن قوانين و اصول الجيش و الاّ . . !! احدث مفاجأة و تغييراً هائلاً في عواطف العسكريين تجاهه، لأنه سقط بأعينهم و كشف عن كونه جبان و هو يتصنع الوقار و الشجاعة، و هو الذي تسبب بتحطيم اعداد من الضباط الوطنيين لجرأتهم و لرفضهم ايّاه و رفضهم تنفيذ اوامره الفارغة، بدعاوي كاذبة و حجج بقيامهم باعمال تخريبية و اعمال تهدد امن و سلامة البلاد ؟؟ . .

اما ما حدث لريتا ذلك اليوم، فكان التالي كما روته بعد سنين . . بعد ان غادرها سعدون، لم تنس نظراته القويّة المتحديّة و كأنه مقبل على عمل هائل او على مهاجمة وحش او فريسة ما، و اثناء ذهابها الى باب النظام للفرقة سمعت اطلاقات الرصاص و كمنت بين احراش طويلة لمحاولة مراقبة ما جرى و ما يجري آنذاك . . شاهدت ارتباك الطاقم المرافق للوصي الذي هرب بطائرته المروحية المعلّمة بالوان زاهية و بقيت اخريتان جاثمتان على ارض الساحة الواسعة . .

و شاهدت كيف اتى مسلحون بسعدون و هو مكبّل اليدين و يمشي بينهم مرفوع الرأس، ففهمت انه قيد الإعتقال كما اخبرها، و قررت الإسراع بتنفيذ وصيته بإخبار نقيب الإنضباط سعيد المصلوب عن اعتقاله . . حتى وصلت باب النظام و وجدت هناك جارتها و بناتها، فأسرعوا بالعودة الى بغداد بنفس التاكسي الذي جاء بهم الى بعقوبة، الذي كان ينتظرهم . .

و ذهبت بسرعة الى بانسيون ماري و التقت بجوزفين و فهمت منها ان النقيب سعيد سيأتي ذلك المساء نفسه، و التقت به بعد انتظار ليس طويل و اخبرته بما جرى لسعدون و انه بالتأكيد في موقف الإنضباط العسكري كما اخبرها . . و انه طلب سعي لمحاولة معرفة ماهية التهمة التي أوقف بسببها بالضبط و محاولة اطلاق سراحه، و بعد ان شكرها سعيد اتصل بالرائد ممدوح بضرورة اللقاء به و اتفقا بهدوء على اللقاء في اليوم التالي في كازينو شريف و حداد مقابل النادي العسكري في بغداد، لأن الخروج من وحدات الفرقة الثالثة كان قد مُنع لذلك اليوم بسبب التحقيق الذي بدأ فوراً حول حادث زيارة الوصي . . في اليوم التالي التقى الصديقان و هنّأ احدهما الآخر، بعد ان اخبر ممدوح سعيد بخطة اخافة الوصي التي نجحت نجاحاً كبيراً و قررا التحرك الفوري لمحاولة اطلاق سراحه.

في وقت لم يستطع فيه سعدون من معرفة الى اين يذهبون به بطائرة مروحية . . حتى هبطت على الارض و اقتادوه مكبّلاً بسيارة جيب عسكرية مكشوفة و سيارة حماية بعسكريين شاكيّ السلاح . . . الى بناء كبير خيّل اليه انه قصر من القصور الملكية، و لكنه لم يعرف ايّ قصر حتى قرأ لافتة حديقة من حدائق القصر التي مرّوا بها مكتوب عليها (قصر الرحاب . . الى القبو) و دخل في تفكير انهم سيقابلوه مع الوصي الذي هرب . . و لكن لماذا في القبو ؟؟

انزلوه من السيارة مُقتاداً بعنف كاقتياد اي مجرم خطير و انزلوه الى غرفة منفردة خافتة الضوء من القبو هناك، حيث شمّ روائح عفنه، و اجلسوه على كرسي مثبت بالارض، و سأله احدهم من الخلف عن هويته و عمّا كان يفعل بالمسدس في بنكلة التدريب الشتوي . . و لمّا لم تعجبه اجاباته انهال عليه بالضرب ثم جاء آخرون و اخذوا يضربونه بقسوة تخللتها انواع الشتائم القذرة عن شرفه و شرف زوجته و اخواته . . و ابتدؤا معه بالفلقة ثم باقسى منها و اقسى . . و استمر ذلك يومياً و لم يحصلوا منه الاّ على قول ثبت عليه :

ـ كنت اتدرب على النيشان و لديّ موافقة خطيّة لأني صيّاد ماهر معروف اهديت صيدي دوماً للمعسكر، و لم يخبرني احد عن موعد وصول سيادة الوصي المعظّم بالضبط، لأن الموعد تغيّر عدة مرات . . تستطيعون معرفة ان الرصاصات الثلاث استقرت في بسطال معلّق في البنكلة، باتجاهات غير الاتجاه الذي تتحدثون عنه.

ـ لا نشاط سياسي لي.

ـ ليس لي اي نشاط عسكري منظّم خارج النظام العسكري للجيش او ضدّه.

خلال ذلك الوقت تحرّك النقيب انضباط سعيد المصلوب من موقعه و مكانته في الانضباط العسكري، و تحرّك والده الذي كان قد تم استيزاره حديثاً، اضافة الى الدور الهام للزعيم قاسم من خلال نفوذه في الجيش في اوساط الرتب العالية، الذين كان عدد كبير منهم من ابناء دورته و زملائه في كلية الأركان البريطانية في معرفة اين هو سعدون اولاً، و لمحاولات التأثير بحذر بالغ على سير التحقيق للتوصل الى التخفيف عنه في التحقيق لإنقاذ حياته، و بالتالي لإطلاق سراحه بأية حجة، لكونه من الضباط الأكفاء في الجيش و ارضاءً لعشيرته، التي لم يصلها نبأ اعتقاله بعد . .

الى ان عرف الزعيم قاسم، بان سعدون موقوف في قصر الرحاب، و استطاع معرفة ما ورد في افادته في التحقيق، لتدبير ما يحتاجه وفقها، الامر الذي دبّره الرائد ممدوح . . و توصّلا الى ماهية المحققين و من هم و تقديراتهم . . و صار واضحاً للزعيم قاسم ان افادة سعدون لا غبار عليها و انه سيطلق سراحه بعد اسابيع، مع احتمال توجيه عقوبة عسكرية ادارية له و لآمر فوج حماية المقر الذي كتب له (موافقة التدريب على النيشان في المعسكر) دون تحديد الزمان و المكان.

بعد حوالي اسبوع  جرى تحويل سعدون من السجن الانفرادي الى قاعة ضمّت عديد من السجناء الذين رحّبوا به بعد ان عرفوا اسباب اعتقاله، و عرفوا كُبر و امكانات الجهات التي سعت لإطلاق سراحه سواءً من احاديث الحرس او من بعضهم البعض. رحّب بهم سعدون و كان يتصور في البداية انهم جميعاً عسكريون، الاّ انه تفاجأ بكون اكثرهم ضحايا اختطافات و سلوكيات لا تقيم وزناً للقوانين المعمول بها و سخرت منها، بينهم شقاوات و سماسرة و قوادون محليون و دوليون و وكلاء و نصّابون او عشاق سابقون لاميرات غير معروفات، و ابطال مغامرات لااخلاقية انفضحت، و ابطال اعمال لاقانونية انفضحت ، اضافة الى وسطاء و قضاة فاسدين مرتشين من الوصي عبد الإله و انفضحوا، و قضاة حَكَموا في قضايا بما لايُرضي الوصي . .

و توصّل سعدون بعد لقاءات و احاديث مع السجناء . . الى ان السجناء في تلك القاعة، مسجونون في سجن خاص عائد للوصي، و انهم سيقوا دون مذكرات قضائية اصولية كان يُعمل بها، و انما لمصالح شخصية لعبد الإله الذي كانت ثروته و نشاطه المالي يمتدان خارج البلاد بملايين الدنانير العراقية (وفق قيمة الدينار العراقي آنذاك البالغة 3،3 دولار) . . و شعر بالفخر لما قام به لإخافة الوصي و شعر بانه مستعد للقيام باكثر من ذلك، كما تحدّث لاحقاً لأصدقائه المقرّبين. و بعد اكثر من شهر أُطلق سراح سعدون و عوقب هو و آمر فوج حماية مقر الفرقة بحرمانهما من الترقية الاصولية  القادمة. . 

. . . .

. . . .

من جهة اخرى استمرت نقاشات برهوم و رحيّم في موضوع حماية التظاهرات في خضمّ نشاطات سريّة للتظاهر بمناسبة الذكرى الاولى لإنتفاضة الشعب ضد العدوان الثلاثي على مصر، و فيما كان برهوم يؤيد نشاط القوميين بالمشاركة بالسلاح و الإنتقام بالعنف لضحايا الإنتفاضة في العام الماضي . . قال رحيم :

ـ الاحزاب القومية تسعى للسيطرة على السلطة بالعنف او بانقلاب عسكري بعدد من كبار الضباط، يسيطر على السلطة و بالتالي يسيطر على الدولة لتحقيق اهدافها بالوحدة القومية دون العمل من اجل تهيئة المجتمع اقتصادياً و اجتماعياً و  سياسياً لذلك . . و اثبتت تجارب العديد من الدول انهم بذلك سينحرفون الى تكوين دكتاتورية عسكرية لاتختلف عمّا سبق، ان لم تكن اسوأ . .

          و ان العديد منها ادخلت العنف و ممارسته في نشاطها اليومي و التعامل به، حتى صار في احيان شغلها الشاغل دون الاهتمام بتوعية الجماهير لتحقق اهدافها بالخبز و الحرية و العدالة الإجتماعية، و اتخذت من غاريبالدي و قضية وحدة الإمارات الايطالية مثالاً و تواصل عدد منها مع افكار موسوليني و هتلر حول تحقيق الوحدة القومية و التطور الاقتصادي الرأسمالي، بالعنف و الحرب . . و ابقت بذلك على نظام الإستغلال القائم في بلادها و اشعلت صراع و حروب كبار الرأسماليين من اجل ارباح اكبر لصالح انانيتها و ليس لصالح شعوبها . . تحت شعارات الوحدة القومية و الرفض و النهوض و اضافوا لها عندنا الاهداف الاسلاموية التي لم ينادي و لم يدعو لها الدين الاسلامي و لانبيه الكريم و حشّوا الاكاذيب بها لكسب البسطاء . .

          حتى جاء نمط جديد من الأحزاب التي ناضلت و تناضل ضد استغلال الإنسان لأخيه الإنسان و ضد التمييز العرقي و الديني و من اجل رفاه الشعب بمكوناته، الى ان انتصرت ثورة اكتوبر العظمى في روسيا القيصرية و هزّت العالم (كانتصار الثورة الفرنسية، الثورة الصناعية في بريطانيا و الثورة الأميركية) و كَشَفتْ حقيقة مايجري و البواطن السريّة للاستغلال و للصراع الطبقي بين الطبقات المُستَغِلة الغنية بانواعها : الزراعية و الصناعية و التجارية، و بين الطبقات المُستغَلّة الفقيرة المحرومة في المجتمع، التي بإمكانها التحرر من قيود الإستغلال، بشرط ان تقدّم بديل واقعي، يحقق المساواة بين البشر و سارت على تلك الأهداف . .

و صار الموقف من ثورة اكتوبر لأحزابنا هو الذي يُسمحْ له من قبل التحالف الرأسمالي العسكري الدولي او لايُسمح . . و بالتالي هو الذي يحدد من الذي يستطيع ان يحكم بإذنهم في بلدان العالم الثالث المتخلّف النامي التي منها بلادنا، بموازين عالمنا الراهن و ما تسمح به او تمنعه تلك الموازين بين قوى الحرية و قوى الحرب و الاستغلال في العالم . . ان ثار شعب على حاكميه و انتصر. و لذلك نادى عفلق كاحد الوجوه القومية، نادى الغرب طالباً الدعم لحزبه، لأنه يعمل على تحقيق برنامجه و على مكافحة الشيوعية، على حد ندائه. 

          و في ذلك الوقت كانت التقارير تتوالى الى الرائد ممدوح، بأن الأحزاب القومية تسلّح منظمات و مدنيين فيها و تحصل على السلاح وفق خطط لضباط قوميين كبار اعضاء في منظمة الضباط الأحرار، لدعم الثورة التي كانت المنظمة تخطط للقيام بها، للحصول على دعم شعبي مسلح لهم و لتحسين مواقعهم في منظمة الضباط الاحرار ذاتها، و كانوا يحصلون على السلاح من المعسكرات و من مراكز الشرطة بغض نظر من ضباط كبار او من مأموري مراكز شرطة او رجال أمن عائدين لهم . . اضافة الى اسلحة كانت تأتي من الجمهورية العربية المتحدة عبر الحدود السورية مع الموصل . .

و كان ذلك يثير استغراب برهوم الذي كان يلاحظ ذلك مما يجري بين جيرانه و من الرياضيين في الاعظمية و في علاقاته مع شباب من القوميين . . و كان يتساءل مع نفسه، لماذا لا يُلقى القبض عليهم ؟؟ في حين يُلقى القبض على ابسط ناشطين ديمقراطيين و يساريين و يُقَدّمون لمحاكمات و يُحكمون باحكام ثقيلة تحطّم حياتهم ؟؟ 

 

                                                              ـ 16 ـ

                                                   مظاهرات قلبت موازين  

 

في صيف ذلك العام اكتشفنا ان لدينا (جدّة) تركمانية، الجدّة عليّة ام تركي، التي لم نستقر نحن الأطفال على معرفة من تكون وفق منطقنا الطفولي . . هل هي زوجة اخرى للشيخ فخري ام من مريديه ام من مريدي طريقة صوفية اخرى صديقة لطريقة الشيخ فخري المنتشرة في كركوك آنذاك حيث كانت تسكن هي و ابنها العسكري تركي و عائلتها الكبيرة التي كانت هي الرئيسة فيها، في طرق صوفية دعت الى تساوي المرأة مع الرجل، و بها صار حلالاً ان تكون المرأة رئيسة للعشيرة ان توفرت فيها الصفات الاساسية للرئاسة او الزعامة العشائرية . .

كانت الجدّة عليّة التي كانت تتحدّث التركمانية، و لم تكن تجيد العربية كلغة حديث كما تجيدها كلغة قرآن و لغة قراءة و كتابة، كانت صديقة حميمة للجدة أمينة و كانت تبيت في بيتها كلّما زارت بغداد لزيارة مقام الكيلاني و الكاظم لتقديم النذور . . و كانت تزور " الشيخ كمر " و محمّلة بنذوره ايضاً التي كان منها خروفاً كبيراً بحجم العجل اتت به من كركوك، قررت ان يُقدّم الى الشيخ كمر كوفاء لعلاجه حالات مستعصية عانى منها عدد من نساء و رجال عشيرتها . . كانت حلوة المعشر تتحدث بفكاهة تنقلب الى جديّة تحوّل سحنتها الى سحنة حاكم جاد ينظر في قضية خطيرة . . و هي تردد " سبحانه في مكانه ".

من جهة اخرى اهدانا برهوم في تلك الفترة مجموعة من الطوابع البريدية، و شرح لنا كيفية تنظيمها في سيتات (مجموعات) وفق اثمانها و ان السيت يتكون من ثلاثة طوابع فما فوق و ايّها التالف و ايّها الصحيح، و ان معرفة ذلك يحفّز على التبادل بين هواة الطوابع و الأهم يحفّز على التعارف بينهم و عقد صداقات لا حدود لها . . و بدأنا بجمع الطوابع و اية طوابع راكنة من اقاربنا و من الاطفال في المحلّة و صارت لنا هواية تعلّمنا منها اسماء البلدان و اين تقع و شجّعتنا على ضرورة تعلّم الانكليزية كلغة عالمية مكتوب بها اسماء البلدان، بعد ان تعلّمنا الحروف الانكليزية و نطقها . .

و في خضم جمع الطوابع البريدية و ليس الطوابع المالية التي كانت تستخدم كأقيام ضرائب في المعاملات الرسمية و التجارية . . جمعنا كمية لا بأس بها من الطوابع السعودية التي كانت تتجمع لدى احدى خالاتنا التي كانت تستلم رسائل من زوجها الفلسطيني، الذي وجد عملاً مربحاً في احدى الشركات السعودية، و حاول اقناع الخالة بالسفر و الإقامة في السعودية، الاّ انها رفضت و قالت انها ( لاتستطيع العيش مع بدو و ناس يعيشون مع البعران و اهل عباءة و عقال)، و لاتتحمّل العيش مع حرّهم اللاهب و عواصفهم الرملية التي تأتي الينا بالعقارب الطيّارة و الله يستر مما تحمله الى الساكنين هناك . . و من تلك التصورات التي كانت احاديث ذلك الزمن . .

و لم تقتنع بمحاولات جدّتي لإقناعها و لا تسمع لحججها المتنوعة، من ان الزوجة لابد و ان تسند زوجها في الظروف القاهرة، و ان تعيش معه و انهما و هما يواجهان الصعاب معاً تتقوى عرى الزواج و العائلة . . و الى ان الدين يحرّم الفراق و الإنقطاع بين الزوجين، لأن فيه خراب الزواج و خراب النيّة في تكوين عائلة و اطفال، التي يدعو لها الدين وكل الاديان السماوية. اضافة الى محاولات الاقناع المتنوعة لها من سعاد و رحيم و برهوم الذين وصفوا لها بأن ذلك محطة اولى لجمع المال الضروري لتأسيس ناجح للعائلة و تحرر من الحاجة للناس . .

و لكنها بقيت على اصرارها و على انها ستتخرج العام القادم من الجامعة و انها ستجد بالتأكيد عملاً لأن اختصاصها الإداري مرغوب و ان لديها مايكفي من (الواسطات) للحصول على عمل براتب جيّد، و انها لاتحتاج لزوجها مالياً . . كما كانت تردد. 

          و في ذلك الصيف جرى تسجيلي في الابتدائية ـ الصف الأول، في مدرسة " تطبيقات دار المعلمين الإبتدائية " في الأعظمية . . و هي مدرسة نموذجية خاصة مختلطة للبنين و البنات . . عائدة الى كلية الملك فيصل الاول كوسيلة ايضاح و تطبيق للمعلمين الجدد سواء كانوا دارسين في الكلية او كمعلمين مطبّقين بإشراف اساتذتهم و حضورهم و حضور مجاميعهم في الصف، لملاحظة و تقييم عملهم و مدى آهليتهم ليكونوا معلمين نموذجيين فعلاً . .

          كانت المدرسة تتكون من بناية كبيرة جميلة من طابقين بنسق اوروبي للمدارس، و لديها ساحتين اسمنتيتين و ساحة ترابية لكرة السلة و كرة الطائرة، و كنا نلعب عليها كرة قدم ايضاً . . و لها حدائق واسعة تمتد من  " حديقة النعمان " المقابلة للمدرسة الى " حدائق كلية الملك فيصل " الواقعة خلف المدرسة، فيما يمرّ شارع الشباب على طول جانبها الأيسر . . و كانت الحدائق منظّمة و مقسّمة بحواجز مكونة من شجيرات ورد الجوري المتنوع، و فيها عدد من اشجار النخيل بينها اعلى نخلة شاهدتها بحياتي . . اضافة الى شجرتي سدر (نبق) عملاقتين، كانتا تحمل نبقاً لذيذا كناّ نجمعه في مواسمه من الارض لنغسله و نتناوله . .

          و كان للمدرسة اضافة للصفوف، مكتبة و امين مكتبة الاستاذ اللبان . . و قاعة كبيرة للرسم تحتوي على دواليب للالوان المختلفة سواء كانت اقلام او الوان مائية او فحم او زيتية . . يمكن الرسم فيها على مناضد او على حوامل لوحات او على اغطية على الارض، و كانت لوحات جميلة معلّقة على جدرانها . .

 و كان معلّم الرسم فيها آنذاك الاستاذ ميران السعدي الذي اشتهر كمثّال بعد سنين، في زمن كان فيه معلمي الرسم يشجّعون الطلبة ذوي القابليات الفنية المختلفة و يفسحون لهم المجال و يزوّدوهم بما يحتاجون من مواد و ادوات على نفقة المدرسة، في تجربة عشتها انا في السنوات اللاحقة كهاوي للرسم، و كانت تلك القاعة تستخدم للاحتفالات و للحفلات الموسيقية التي كان يحييها المعلمون او الطلاب او طلبة مدارس اخرى . . الأمر الذي كوّن محيطاً ساعد على خلق مناخٍ ايجابيٍ، جاذباً للخلق و الإبداع لدى طلاب تلك المدرسة الإبتدائية، بأعمارهم تلك . .

          و بعد الإعلان عن بدء الدوام و تحديد موعد بدء العام الدراسي الجديد . . اوضحت الوالدة ضرورة شراء القرطاسية الضرورية لذلك من السوق الجديد قبل يوم او يومين من موعد الافتتاح، فذهبنا امي و اخوتي و انا بعد ان استدانت مبلغاً من جدتي، التي اعتبرته هدية لنا لمناسبة افتتاح المدارس ذلك العام . . و مررنا على انواع المعارض و المخازن التي امتلأت بحاجات المدارس، من الدفاتر و الاقلام و المساطر و الى انواع الحقائب و الشيّالات و القمصان و القمصلات و الاحذية الرياضية . . و تحت الإضاءات الساطعة، من بعد ظهر ذلك اليوم و حتى هبوط الظلام.

          و بعد نقاشات و مفاوضات بيننا و بين والدتي عن ايّهما الاجمل، و ايّهما الأصلي و ايهما الرخيص، اشترت والدتنا لنا ماهو ضروري و هي المعلمة الخبيرة بحاجات طلاب المدارس الإبتدائية و باسعارها الحقيقية بعيداً عن محاولات النصب الفارغة في بعض الحاجات و خاصة الحقائب و ادوات الرسم و التلوين، التي قررت شرائها من الحاج ياسين الذي كان مخلصاً لعائلة والدتي من ولائه للشيخ فخري و وفائه له . . 

          و في اليوم الاول للدوام . . اصطف طلاب و طالبات صفنا الاول الشعبة "ب" باشراف و ترتيب طالبة من الصف الثالث الابتدائي اسمها هيفاء التي ابتسمت لي و قالت انها تعرفني من زمن روضة الإرشاد حين كانت في صف اعلى، و انها تتذكّر ما صار للمعاونة الست كميلة على يدي هناك، كما قالت . . كان الإصطفاف في الساحة المبلطة تحت شجرتي السدر العملاقتين، في المكان المخصص لنا، بعد ان جرى تقسيم الساحة لإصطفاف جميع الصفوف، كُلاً في ركن ، مشكلين بذلك مربعاً كبيراً فيه زاوية مفتوحة لمتحدثي ذلك اليوم . .

          تحدّث المدير الاستاذ أمين رشيد مرحباً بنا في بداية العام الجديد، ناصحاً ايّانا بالتعاون و المحبة بيننا و اهمية عطف الكبير على الصغير و مساعدته، و مساعدة المحتاج الى مساعدة، و الى ضرورة اطاعة التعليمات المدرسية التي وضعت لخدمتنا و الابتعاد عن العنف في حل المشاكل . . تلته قصيدة لإيليا بو ماضي لأحد طلبة الصف الخامس ثم كلمة لآمر فصيل كشّافة المدرسة حيدر الذي تقدّم على وقع طبول صغيرة و راية الكشافة الداعية الى خدمة الوطن . .

ثم انشد الجميع نشيد " موطني " و كنا نحن الجدد الذين لانعرف النشيد، كنّا ندندن معهم و على اللحن بعد ان اقسمنا على حفظه على الغيب للمرات القادمة . . بتلك المراسيم الجميلة التي اضفت جمالاً و جاذبية لبدء العام الدراسي، استقبلنا العام بملابسنا و قرطاسيتنا و حقائبنا الجديدة و كأننا في عيد حقيقي . .

          دخلنا لأول مرة في الصف الأول الإبتدائي، و جرى توزيعنا على الرِحْلات الدراسية حسب الطول و صرت على رحلة واحدة مع زميلتي نهلة الجنابي التي صارت مهندسة، و خلفنا زبيدة الأخت الصغرى لـ د. عبد الصمد نعمان التي صارت بروفسورة في علم الامراض في المملكة المتحدة بعد ان اكملنا كلية طب بغداد معاً، و الى جانبنا الزميل و صديق الطفولة و الصبا د. محمود اكرم الهاشمي الذي تخصص لاحقاً بالصحة المدرسية بعد ان اكملنا كلية طب بغداد معاً ايضاً .

و ضمّ الصف، ابناء جيراننا الكرد : سرور صادق بهاء الدين من العمادية الذي صار طبيب اسنان لاحقاً ، الذي كان يداعبه مرشدنا استاذ جهاد بقوله له بلطف " جوني كاكه سه رور. . . جاكي ؟؟ للاسف آني كردي نازاني" في خليط لغوي مضحك عربي ـ كردي و لكن دافئ، يمكن ان يكون مفهوم القصد البرئ المتعاطف، و المهندس لاحقاً جيهان بالطة من بامرني الذي صرنا نكتب واجباتنا المدرسية معاً في حديقة النعمان لاحقاً . .

و ضمّ الطيار اللاحق البطل سعد عبد المحسن الأعظمي الذي أُسقطت طائرته في حرب حزيران 1967 و بقي في السجون الإسرائيلية لسنوات ثم اطلق سراحه بعملية تبادل اسرى لاحقاً و حصل على اعلى وسام عسكري، ثم اشترك في حرب تشرين 1973 و أُسقطت طائرته ايضاً و ضاعت اخباره على حد علمي، و د. ميسون اسماعيل حمودي ابنة الخبير الرياضي الشهير آنذاك . .

اضافة الى زملاء آخرين صرنا في صف واحد في السنوات اللاحقة، كانوا آنذاك في الصف الأول الشعبة أ . . منهم د. فريد محمد سليم تخصص كومبيوتر المكتبات في الإمارات الآن، وليد حميد شلتاغ الدبلوماسي و القانوني المتخصص، د. جعفر حميد فرج الذي اكملنا كلية طب بغداد معاً . . و زملاء انتقلوا الينا في سنوات لاحقة من مدارس اخرى، منهم السياسي المعروف المهندس سلم سعدي علي، د. فيصل عبد القادر العاني الذي اكملنا كلية الطب لاحقاً معاً . . و أخريات و آخرين آسف على عدم تذكّر اسمائهم الآن . .

 

          كانت الأيام تدور بهدوء هناك، بعيداً عن الجمر الذي بدأ يتّقد تحت الرماد في البلاد . . كنا نمشي كلّ صباح مسافة ثلاث مناطق باص الى المدرسة اخي و انا من جهة، و زبيدة و اخوها محمد الذي كان يسبقنا بصف من جهة اخرى، كل اثنين بمجموعة و من جهتنا كنا اخي و انا، نمشي لنوفّر اجرة الباص و نضيفها الى يوميّتنا . . كنّا نمرّ باعمال بناء شارع الإمام الاعظم التكميلية و بناء العمارات الجديدة على طرفيه، التي لم يخلو يوم من وقوع حادث فيها من سقوط عمّال او حوادث دهس مؤسفة لبعضهم سواءً بالناقلات الكبيرة او تحت فلتان الرافعات، و الى انكسار او تكسير انبوب ماء رئيسي بالخطأ و غرق الشارع بمائه، الذي كان يحوّل الرصيف الى ممر حرج او مخطور . .

          في احد الأيام . . تغيّر المناخ العام للحياة اليومية باستقالة الحكومة و إعلان الأحكام العرفية و لا كلام عن البرلمان او دوره، هل جرى حلّه ام جُمّد ام ماذا ؟؟ الأمر الذي غيّر امزجة الناس و اشاع الخوف بينهم مما يمكن ان يأتي، و كانت الناس تردد ان الذكرى الاولى للعدوان الثلاثي صارت قريبة و ان علينا ان نستعد لإحتمال تكرر العدوان على بلادنا ذاتها . . في صباح اليوم التالي خرجت لوحدي للذهاب الى المدرسة و لا اتذكّر سبب ذهابي لوحدي، و التقيت بزبيدة برفقة ابيها بسبب مرض اخيها الذي اعاقه عن الذهاب الى المدرسة كما جرت العادة، كما قالت . .

سحبني ابو زبيدة بلطف ليتحدث معي، و قال لي بهيئته المهيبة ، بطوله و بكشيدته و نظاراته الطبية و بلهجة ابوية وديّة :   

ـ ابني آني أأتمنك على ابنتي زبيدة لتوصلها يومياً معك الى المدرسة لأن الامور تتطور الى اوضاع بس الله يدري شنو راح تصير، و ادفع لك عشرة فلوس يومياً مقابل ذلك، ماذا تقول ؟؟

و وضع بيدي عشرة فلوس بشكل ستر ذلك من رؤية ابنته . . فرحت بالمبلغ و انا اقول له طبعاً عميّ زبيدة مثل اختي . . و اشكرك على العشرة فلوس، بس لازم اخبّر والدتي بذلك كما اخبرتنا و تؤكد على ذلك . .

ـ زين ابني براحتك . . خبّر بنت الشيخ فخري و تحياتي الحارة لها و لجدتك.

          اخبرت والدتي بما اعطاني و ما قاله الحاج نعمان الأعظمي و سلامه عليها و على جدتي . . فزعلت منيّ لأني قبلت مبلغاً من اغراب من خارج العائلة و قالت (رغم محبتنا و اعتزازنا بعائلة الحاج نعمان الأعظمي و ابنه الدكتور عبد الصمد، نعم ترافق زبيدة لأنه واجبك تجاه زميلتك و اختك، بس ممنوع تستلم فلوس عليه، ابني الفلوس تحطّم المحبة و العاطفة الصادقة . . ترجّع العشرة فلوس و تسلّم لنا على الحجّي و تقول له : بعيني حجيّ اقوم بالواجب، بس ما آخذ اجرة عليه)، و ذلك ماحدث في اليوم التالي، و استلم الحاج نعمان العشرة فلوس التي اعطاها لي في اليوم السابق و قال و الدموع تنساب من مقلتيه:

ـ هذي تربية اصيلة ابني . . لازم تهتمون ولدي بأمكم و ابيكم، تره همّه السند الحقيقي الوحيد لكم . . و من يدّعي عليكم بغير ذلك فهو ليس الاّ  كاذب ابني !!

كانت اذاعات صوت العرب و موسكو ثم بي بي سي و عديد من مختلف وسائل الإعلام العالمية، تقوم بنقل تفاصيل لما حصل ايّام العدوان الثلاثي في العام المنصرم، و خاصة انباء مقاومة فرق المقاومة الشعبية للشباب المصري و تضحياتها في بورسعيد التي هزّت العالم حينها، و كيف صعّدت تلك الأحداث روح الاحتجاج و الرفض في الدول العربية و خاصة في بغداد، التي انطلقت فيها انواع التظاهرات العفوية المستنكرة في العام الماضي . . و تضيف ان توترات تنبئ بحصول مظاهرات حاشدة في العام الجاري يمكن ان تغيّر انظمة حكم عربية، و تنقل اخبار و تفاصيل عن استعدادات جماهيرية لذلك في بغداد، كانت تزيد الحماس بين الناس . .

زارنا سعدون و مما قاله لوالدي :

ـ الدولة مستنفرة من صدك . . الجيش و القوات المسلحة بأعلى درجات الإنذار لصد اية مؤامرة على حد نص الإنذار، و يعتقدون ان ساعة الصفر ستكون في يوم الذكرى الاولى للعدوان الثلاثي في 31 اكتوبر تشرين اول في الشهر الجاري.

و تزايدت زيارات لبيتنا بسرية و تكتم، و ازدادت نقاشات فردية او جرت من بعضهم مع بعض معاً ، مع صوت مرتفع قليلاً  لموسيقى و اغاني عربية من مذياع موجّه للشباك، حيث كان مايثير الإنتباه مع كل زيارة لشخصين او اكثر، كانت قرج المحلة ام سناء تصيح من باب بيتها المقابل لبيتنا، صياحاً عالياً و متكرراً :

ـ يسقط عملاء الروبل

ـ الموت للشيوعية

ـ كفّار (ارسل عليهم طيراً ابابيل ترميهم بحجارة من سجيّل) صدق الله العظيم.

تبيّن من تشابك الصلات و القرابات، انها كانت مكلّفة من زوج ابنتها وكيل الامن بمراقبة بيتنا و القيام بانذار له عندما تشاهد ان هناك اجتماعاً يُعقد في بيتنا، لكنها لم تعلم ان زوج ابنتها كان تحت إمرة ضابط امن متعاطف مع جماعة عبد الرحمن الضامن القومية، الذي امره بإشاعة ان ام سناء تعاني من لوثة نفسية بسبب هروب زوجها الى المسقوف، و تعتقد ان الجيران هم السبب . . و الواجب تهدأتها، و ذلك ماحصل حيث ان صياحها ذاك لم يؤديّ الى نتيجة .

و قال لنا الوالد :

ـ ولدي انتو تجلسون و تكونون عند باب البيت للتنبيه عن اي شئ غير طبيعي يقترب من البيت !! سيارة شرطة تحقيقات، مسلحين مجرمين، ملثمين، حرامية . .

و كان ممن زارونا : برهوم، سعدون، بثينة البستاني، ناهدة شيخ رشيد، يعرب البراك، عبد الرزاق الصافي، عامر عبد الله، الشيخ الحيدري (جمال الحيدري بملابس رجال الدين الصوفيين)، اخيه صالح الحيدري، عبد الرحمن الضامن، عبد الخالق السامرائي، اقارب عن محمد مهدي كبه،  صالح اليوسفي . . لتبادل الأخبار و لتحديد ما العمل . .

و في احدى اللقاءات تلك قال عامر عبد الله و قد قرأ في رسالة :

ـ الشئ المهم الآن، علينا ان نسير وفق خطة جبهة الإتحاد الوطني التي تم الإعلان عنها . . نسير في حركتنا بالتعاون و وفق اهدافنا المشتركة مع الاحزاب القومية و الوطنية في الأعظمية كما سيجري في مناطق اخرى من بغداد، بعد ان تشكّلت الجبهة في شتاء ذلك العام، لتكون خططنا ناجحة في التطبيق و نحقق اهدافنا . .

و اضاف برهوم :

ـ نرجو ان تكون الجبهة اكثر نجاحاً من تجربة 1952 الإنتخابية حيث بقيت القوى مشتتة، و ان تكون على خطى التعاون في وثبة كانون 1948 . . الآن بتقديري ستكون اكثر نجاحاً، بجهود سلام عادل سكرتير الحزب الشيوعي و محمد حديد من الحزب الوطني الديمقراطي لأن سكرتيرهم الجادرجي مسجون الآن . .

بعد ان استطاع حديد اقناع الاحزاب القومية الاكثر تطرفاً في مواقفها ضد الحزب الشيوعي و الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) و حقوق الكرد، استطاع اقناع حزب الإستقلال خاصة و البعث القليل العضوية و الجماهيرية بأهمية عضوية الحزب الشيوعي فيها و بإسمه الفعلي و ليس بإسم آخر، بسبب ما لمسه حزبه من جماهيرية الشيوعي الكبيرة . . و استعداد سلام عادل لطباعة اي بيان تريده احزاب الجبهة في مطبعة الحزب السريّة، فيما واصل الحزب الشيوعي تحالفه مع البارتي الذي شكّل سنداً متيناً للجبهة . .

كان برهوم المنسّق مع القوميين يقول :

ـ عندنا في الأعظمية اغلبهم يتجهزون بالسلاح، و شكّلت الاحزاب القومية مجموعات عنفية مكونة ليس بالضرورة من اعضاء فيها، فعدد منهم اشقياء محلات معروفين . . لا اعرف ماسيؤدي ذلك، رغم تأكيداتنا على عدم استخدام الاسلحة النارية، و الإلتزام بالدفاع عن النفس بالحجارة و العصي اذا حصل اعتداء او التوجه لإعتداء . .

و اضاف صالح الحيدري :

ـ هناك معلومات و اخبار من داخل القوات المسلحة و من تنظيمنا فيها، عن وجود خوف عام بين رجال الحكم من الشعب، و اعلان عدد من الضباط و الآمرين، بأنهم لن ينفّذوا الاوامر العسكرية، ان دعت الى مهاجمة المتظاهرين !! لأن النظام الحاكم صار مفضوحاً اكثر، و لأنهم صاروا مقتنعين اكثر بمطالب الشعب منذ انتفاضة العام الماضي و سقوط شهداء و جرحى !!

و كرر ذلك سعدون اعتماداً على اخبار استخبارات اللواء الرابع و العشرين  . .

          من جانب آخر، تزايدت النشاطات المتنوعة بشكل سريّ و بأقصى السريّة للقوى المتعددة للتحضير للتظاهرات، و وضعت اسس اولية و قواعد للتحرك السلمي و عدم استخدام السلاح الناري، و الدفاع عن النفس بالحجارة و اقصاها بالعصي و جرى تكرار في حالة الدفاع عن النفس ! في الاعظمية يوم 31 اكتوبر، و جرى توزيع المهام كالتالي :

اعدادية الاعظمية للبنين و ثانوية الأعظمية للبنات تنظيم نشاطها للاحزاب و القوى القومية العربية التحررية مثّلهم السامرائي، و المنسّق معهم برهوم ، كلية الملك فيصل الاول تنظيم نشاطها لليساريين عرباً و كرداً باحزابهم و قواهم، مثّلهم كريم احمد و عامر عبد الله عن الحزب الشيوعي العراقي خريجا الكلية، عبد الرحمن القصاب عن حزب الشعب، حسين جميل عن الحزب الوطني الدمقراطي، صالح اليوسفي و دارا توفيق عن البارتي، اضافة الى ممثلي قوى و جمعيات وطنية و قومية متنوعة في مقدمتها جمعية الكرد الفيلية، و تجمّع الآثوريين و الصابئة المندائيين . .

اضافة الى التنسيق مع ما يجري من الصراع داخل الحكومة، وفق الأخبار التي ترد من المصادر الموثوقة المذكورة آنفاً . . و خاصة الصراع الذي يمكن ان ينفجر بين اطراف حكومية و نيابية عليا و الوحدات العسكرية في حالة عدم تنفيذها اوامر مهاجمة المظاهرات . . و تنسيق ذلك مع الاحزاب الوطنية بكل سريّة، يقوم به من كُلّفوا بذلك . .

. . . .

. . . .   

          انطلقت التظاهرات بأعداد اكثر من المتوقّع في شارع الشباب في الاعظمية . . بشعارات دعت الى : " الخروج من حلف بغداد " ، " اطلاق سراح السجناء السياسيين " ، " عاش تضامن الجيش مع الشعب " ، " تعالوا نجدد الوثبة " ، " المجد و الخلود لشهداء بور سعيد الابطال " و ادانت العدوان الثلاثي و طالبت بالخبز و الحرية و العمل . .

          في ضحى ذلك اليوم . . كنّا في الصف عندما سمعنا ضجّة و صخباً يتعالى و يقترب من المدرسة، و زار صفّنا معاون المدير طالباً من الاستاذ الفنان كمال معلّم الفنية بهدوء و بصوت واطئ، ان يخرج الطلبة و الطالبات بصفوف منتظمة و ان الدوام انتهى لذلك اليوم، كي لاتتحوّل المدرسة الى ساحة صراع بين المتظاهرين و الحكومة و حفاظاً على الطلبة من الأذى و من مايمكن ان يحدث . . 

          خرجتُ من المدرسة الى شارع الشباب حيث كانت المظاهرة الحاشدة و عشرات جدد شابات و شباب ينظمّون اليها و الهتافات تعلو ، هاجم مقدمتها رجال الأمن و الشرطة بالدونكيات و اشتبك معهم المتظاهرون و طروّهم بالحجارة، و كنت اتصور نفسي صاحب تجربة من العام الماضي، فاخذت اجمع الحجارة مع صبيان و اطفال آخرين من الشارع، في الاكياس المتوفرة سواء كانت ورقية او غيرها، و نسلّمها و نمررها للمتظاهرات و المتظاهرين  . .

          لاح لي وجه نسائي جميل من المتظاهرات نادتني بإسمي بأن اقترب لها، استطعت معرفتها بأنها ست " ناهدة شيخ رشيد " التي كانت تزور والدتي بين حين لآخر، و تذكّرت كيف جَمَدتُ و انا اقف في الصف عندما سألتني سؤالاً بسيطاً بقيت ساكتاً و انا اتطلّع بها و قلت لها :

ـ ست انتي شكد حلوة . .

و اجابتني بابتسامة :

ـ نحن الآن في واجب . . استريح ابني.

قالت لي و نحن في المظاهرة التي كان يصعد فيها الحماس و الهتافات :

ـ احنا المعلمات و الطالبات سنحملك على اكتافنا لتهتف بصوتك بأعلى ماتستطيع !

حملنني على الأكتاف و بدأت اهتف عالياً و اردد مايهتفن :

ـ يسقط الإستعمار

ـ يسقط عملاء الإستعمار

ـ اطلقوا سراح السجناء السياسيين

          و قد لعب طلبة " كلية الملك فيصل " ، " اعدادية الأعظمية للبنين " ، " ثانوية الأعظمية للبنات " ادواراً بطولية سواءً في الشارع او من سطوح مبانيهم . . بالهتافات و طرّ الحجارة، و الهبوا حماس والتفاف سكنة كل محلاّت الأعظمية من النساء و الرجال الذين تزايدت اعدادهم بشكل كبير، هاتفين بإسم الأحزاب الوطنية و القومية و اليسارية . . 

          و تزايدت اعداد رجال الامن و الشرطة من حاملي العصي و الدونكيّات و اشتدّ هجومهم على المتظاهرين من جهة، و من جهة اخرى تسلل عدد منهم الى سطوح ثانوية الاعظمية للبنات و اخذوا يقذفون المتظاهرين بالقنابل المسيلة للدموع و قنابل الغاز . . الاّ ان اطلاقتين ناريّتين من المتظاهرين في الهواء و هتاف " يسقط نوري السعيد " ، " تسقط الملكية و الموت للقتلة " . . جمّدت الحالة لثواني اخذ بعدها رجال الشرطة و الامن بالهروب تحت ضربات الحجارة.

          و من شدّة فرحي و انا اشاهد هروب رجال الأمن و شرطة الدونكيات . . استمريت بالهتاف و بصوت اعلى و اعلى . . حتىّ انفجر شئ امامي محدثاً دخّاناً كثيفاً حجب عني الرؤية و كاد يخنقني و لا ادري ماحصل و ما سيحصل بعد ذلك . . لأني فقدت الوعي !!

. . . . .

سمعت المتظاهرات و المتظاهرين و كان الوعي قد بدأ يعود لي تدريجياً، و هم يقولون :

ـ انهم يرمون علينا قنابل غاز و قنابل مسيلة للدموع من سطوح ثانوية البنات التي احتلوّها . .

ثم هتافات :

ـ قتلوا الصبي !! الموت للقتلة !! الموت الموت للقتلة !!

و كانت التظاهرة كلّها من اقصاها الى اقصاها تردد ذلك الهتاف . . و كنت اسمعه كصدى هائل يهزّ الشارع و مبانيه !!

عاد لي الوعي و وجدت نفسي محمولاً و انا راقد على فراش او سدية لنقل جرحى و التقت عيني بعيني ست ناهدة و هي تقطّر على وجهي و شفتيّ ماءً بارداً من قماش في محاولة لإنقاذي او ايقاظي . . و وجدتني اتحرّك و ابتسمت ابتسامة كبيرة و صاحت :

ـ الحمد الله انه حي ! . . حي !

سمعتُ مكبرات الصوت من وحدات الجيش التي استقدمت بالسيارات المدرعة و توقفت بمسافة عن التظاهرة، و هي تنادي :

ـ اخواتي اخواني بلا رمي رصاص رجاءً

ـ عاش تلاحم الجيش مع الشعب !

ـ نحن لانطلق عليكم . . احنا اخوانكم !

و اجابتهم حشود من المتظاهرين الذين صعد عدد منهن و منهم على المدرعات :

ـ نحن اخوان الجنود و اعداء الاستعمار و اذنابه !

ـ الجنود اخواننا و الحكام العملاء اعداؤنا !

. . . .

. . . .

اعادتني ست ناهدة و صديقاتها الشابات الى بيتنا و حملن حقيبتي المدرسية و دفاتري، و حملنني عندما شاهدن ترنّحي في السير . . حملنني كأنما يحملن شيئاً عزيزاً غالياً او مقدساً و هنّ يتباهين بي و بدورهن بمساعدتي امام المارّة و رجال المقاهي و محلات السوق التي بدأت اضواءها تنير الطرقات وقت الغروب، وسط كلمات تشجيع و تصفيق بين آن و آخر . (انتهى)

 (انتهى الجزء الاول من " ذكريات بغدادية " يليه الجزء الثاني )

21 /12 /2021 ، مهند البراك 

عرض مقالات: