/
/
/
/

عبدالله لطيف

في ظل الواقع الاقتصادي الراهن، وسماته الاستهلاكية، وانهيار أسعار النفط، الذي يعتمد العراق على وارداته الريعية بشكل رئيسي، طرأت على الساحة مخاوف كبيرة بشأن إمكانية انهيار الأمن الغذائي للمواطنين، نظرا للمشاكل العميقة في القطاع الزراعي والإنتاجي، وعدم قدرة البلاد على مواجهة هذه الأوضاع إذا طالت لشهور أخرى.

تفاؤل حكومي غير واقعي

تقول الدكتورة، عائدة فوزي لـ"طريق الشعب"، وهي أستاذ مساعد في كلية الزراعة، أن "بعض الجهات الحكومية والمختصين الذين يتفاءلون بشأن محصول القمح والحصاد وكمياته وكيفية الاكتفاء الذاتي، ويطمأنون المواطنين على سلامة الأمن الغذائي، لا يتحدثون عن الواقع العملي الجاد، والرؤية الإستراتيجية لتجنب الأزمات. فعلى سبيل المثال، محصول القمح نفسه والذي يشغل مساحات واسعة من الأراضي المزروعة، ويحظي بالدعم، ما زالت الحكومة تستورد بذوره من الخارج وتقدمه إلى المزارعين بأسعار مخفضة، وتشتري كمياته منهم، ومع هذا، لم نحقق الاكتفاء الذاتي منه".

وتضيف فوزي "نحن نستورد أصول البذور ولا نملكها في الكثير من المحاصيل، وهذا لا يضمن أمننا الغذائي عند الأزمات، وبما إن الشركات الرأسمالية هي من تسيطر على هذه البذور، سواء للخضروات أو الحبوب وغيرها، فأنها ترفع الأسعار بفعل سيطرتها، ووفقا لانخفاض الإنتاج وكثرة الطلب جرّاء الأزمة الحالية دون الاهتمام بمصلحة الناس، لذا من المتوقع قريبا ارتفاع أسعار المحاصيل والمواد الغذائية، وحصول أزمة كبيرة لعدم استعداد الحكومة لمثل هذه الحالات"، لافتة إلى أنه "حتى في حالة سعي الحكومة للتوجه من أجل دعم القطاع الزراعي بشكل فاعل، وهذا متأخر طبعا، وفقا للمخاطر الحالية، فأن هذا الدعم سيصطدم بإشكالات عدة، مثل عدم الاستعداد الجيد وتحضير أصول أو بذور المحاصيل وكذلك الحيوانات، لذلك فأن تقليل المخاطر والطمأنة ليست دقيقة أبدا".

مخاطر على الأمن الغذائي

وتوضح التدريسية في كلية الزراعة لـ"طريق الشعب"، انه "كان من المفترض خلال الـ17 سنة الماضية استثمار عوائد النفط لإنتاج البذور المهجنة والمستنبطة والمصنعة وراثيا التي تقاوم الحرارة والجو، وكذلك إنتاج بذور الخضروات التي ما زالت الحكومة تستوردها وتتحدث عن سيطرتها على الأوضاع. فكل ما يتم طرحه الآن هو للدفاع عن سياسات الحكومة لا أكثر، بعيدا عن جوهر الأزمة. إضافة لذلك، لم تتم العناية بالبحوث العلمية المختصة والباحثين والمراكز البحثية، وأن الحديث عن وفرة في بعض المحاصيل ليست كافية، خصوصا ونحن أمام زيادة متوقعة بأسعار المواد الغذائية وبذور المحاصيل المستوردة. وبما أن الأزمة الراهنة كبيرة والحكومة أصبحت محرجة ماليا مع هبوط أسعار النفط واعتمادنا على الاستهلاك دون الإنتاج، ستتجه لتقليل دعم الإنتاج الزراعي بشكل أكبر، وهذا سينعكس على المزارعين سلبا، مع الإشارة إلى أن أغلب مزارعنا هي عائلية وليست مزارع كبيرة ومتخصصة واستثمارية حتى تستغل رؤوس أموالها كقطاع خاص".

وتضيف الدكتورة فوزي "نحن بصدد مواجهة أزمة خطيرة في الأمن الغذائي، كما أن خطورة الوضع ليست مرتبطة بأزمة النفط الحالية وهبوط أسعاره، بل جاء هذا الجانب  مكملا فقط، ولكن مشكلتنا تكمن بالأزمة البنيوية التي تهدد أمننا الغذائي، ومن تجلياتها هو افتقاد البنى التحتية ومشاكل المياه التي لم تحل مع تركيا إلى الآن، فضلا عن مشاكل التربة وتكاليف الإنتاج المعتمدة على استيراد المدخلات بشكل كلي، وتحويل وضعنا إلى استهلاكي، مع إهمال القطاع الخاص أيضا والمهندسين الزراعيين والخريجين وقضايا أخرى مهمة، وعليه، فأن أزمة النفط مكملة للخراب وستتسبب بتقليل الدعم للقطاع الزراعي، من أجل محاولة توفير رواتب الموظفين".

وتدعو فوزي، إلى "وضع موازنة طوارئ لدعم غذاء المواطنين، أو الاستعداد خلافا لذلك، إلى الأزمة العسيرة المقبلة خلال الأشهر القادمة أذا بقيت هذه الأوضاع الاقتصادية"، فيما تساءلت عن كمية "الخزين الاستراتيجي لوزارة الزراعة في هذه الأزمة، في الوقت الذي لا تمتلك فيه طاقات خزنية، وما تم تدميره من السايلوات والمخازن على يد الإرهاب. علما أن أسعار المواد المستوردة باتت غير مضمونة خلال هذه المجريات، وبقي أمام الحكومة بعض الخيارات، مثل تقليل الرواتب، أو تقليص انفاق القطاعات غير الضرورية، من أجل التوفير، وإعادة النظر بالقطاع الزراعي وزيادة دعمه، علما أنه لو فرضنا أن للعراق كميات مخزونة جيدة، فهذا ايضا لم يعد كافيا بالنسبة إلى المفهوم العلمي للأمن الغذائي، لأن هذا المفهوم لا يتحقق بتناول الحبوب وحدها، وإنما يتعلق بحياة الناس وصحتهم، لذا لا بد من توفير أنواع غذائية جيدة تقي الناس من الأمراض".

نظرة حكومية مغايرة

وخلافا لذلك، يفيد مستشار وزارة الزراعة، مهدي ضمد القيسي، بأن للعراق خصوصية زراعية مميزة لا يمكن استثنائها من المعالجات، فيما العمل متواصل على تنمية القطاع الزراعي من أجل إلحاقه بالاقتصاد الوطني كجانب إنتاجي يعتمد عليه ضمن الموازنة.

ويبيّن القيسي في تصريح خاص لـ"طريق الشعب"، أن "وزارة الزراعة بما إنها المسؤولة بشكل مباشر عن قضية الأمن الغذائي للمواطنين، تؤكد أن الوضع الحالي لا ينذر بالخطر في هذا الجانب، على الرغم من التهديدات التي سببتها جائحة كورونا وما رافقها من انخفاض كبير بأسعار النفط"، منوها إلى أن "الشوط الذي قطعه العراق في دعم محاصيله الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي في العديد منها، فضلا عن منعه مسبقا من استيراد بعض المحاصيل الأجنبية، ساهم بدعم المنتج المحلي وتقليل مخاطر الفترة الحالية".

وينوه المستشار، إلى "ضرورة متابعة عمل المنافذ بشكل جاد، خصوصا وأن بعض المنافذ غير القانونية تقوم بإدخال البضائع الأجنبية على حساب الجهد المحلي، وبذلك تتسبب بالضرر الكبير. لذا يتطلب الاهتمام بهذا الجانب وعدم التهاون فيه"، مؤكدا أن "أسعار المحاصيل مستقرة حاليا في الأسواق والوفرة أعطت للمواطن خيارات عديدة في الشراء، فلا بد أن يدرك أن هذا الاستقرار، يعني أننا لسنا في أزمة ووضعنا الغذائي غير مقلق".

تكرار الأخطاء والمخاطر القائمة

من جانب آخر، يرى الخبير الاقتصادي، باسم جميل أنطوان، أنه "كان من المفترض أن تخصص خلال السنوات الماضية، الإيرادات النفطية الضخمة، لبناء اقتصاد إنتاجي فعال. ولكن الأخطاء المستمرة منذ 17 عام، والفساد المالي والإداري، أضاع علينا فرصة كبيرة لتحقيق ذلك. إضافة إلى عدم إنشاء صناديق سيادية كبيرة تحسبا لأي أزمات تمر بالبلاد".

ويوضح أنطوان لـ"طريق الشعب"، أن "أزمة النفط وانخفاض أسعاره، ليست بالجديدة، بل تكررت للمرة الثالثة أو الرابعة تقريبا، ولكن لم تتم الاستفادة من هذه التجارب. على الرغم من دعواتنا السابقة خلال أحدى الأزمات، إلى تشكيل فريق اقتصادي متمكن، يقوم باستقراء الوضع الاقتصادي العالمي، ويساهم بتحويل الإيرادات النفطية الريعية، إلى إيرادات احتياطية إنتاجية".

أما بخصوص الجانب الزراعي، والمخاوف التي يظهرها المواطنين من انهيار الأمن الغذائي، يشير الخبير إلى أنه "حتى الآن، الإرادة الحقيقية غائبة عن تنفيذ الخطط الزراعية والمقترحات المهمة، والمعنيين بالأمر أغرقونا بالكلام دون القيام بإجراءات جادة. فدائما نرى التوجه نحو الحلول السهلة، مثل بيع النفط وشراء الغذاء. وعلى الرغم من الوصول في إنتاج بعض المحاصيل الزراعية إلى شبه الاكتفاء الذاتي، إلا أن الواقع العملي يتطلب أن نشرع بخطوات أكثر جدية تشجع الفلاح على العمل لتحقيق شيء مجزي، وحماية منتجه من المنافسة الأجنبية التي شهدها لفترات طويلة. وعليه، فأن حماية الأمن الغذائي خلال الأزمات تأتي وفق هذه الوجهة".

ويتابع أنطوان "نحن أمام محنة كبيرة، لأن جائحة كورونا، شلت الاقتصاد والمصانع وأوقفت حركة النقل التي تعتبر أكبر مستهلك للوقود والطاقة، وهذا أدى إلى ضعف الطلب على النفط، وانخفاض الأسعار، لذا وفقا للمؤشرات، نحن في تدهور مستمر وعد تنازلي ينذر بالخطر بشأن وضعنا الغذائي ايضا، وعليه، فأن الحاجة أصبحت ماسة للنظر إلى ما هو أوسع من المحاصيل المحلية الموجودة في الأسواق، والتوجه نحو تقوية القطاع الزراعي من خلال توفير المكائن والمعدات للفلاح وحمايته من انسيابية محاصيل دول الجوار. كما أن هذه المحنة تعتبر فرصة للإصلاح الاقتصادي والقيام بهجرة عكسية من المدينة إلى الريف بعد توفير بيئة معيشية مناسبة للفلاح".

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل