/
/
/
/

 إعداد وترجمة: محمد توفيق علي

نشرت كلية الملك "كينغس كوليج"  بجامعة لندن على صفحات موقعها في شبكة الانترنت سلسلة من المقالات والبحوث لأكاديميين عن موضوع فايروس كورونا المستجد. ادناه ترجمتي للبحث المعنون اعلاه، من تأليف الأكاديمي د. اندرياس كريغ، مساعد البروفيسور في قسم دراسات الدفاع في الكلية، واستشاري في المخاطر الاستراتيجية للحكومات والشركات التجارية في الشرق الأوسط والمنشور بتاريخ 2نيسان الجاري في صحيفة "ميدل ايست آي" (عين الشرق الأوسط). هذا واصدر له في الآونة الأخيرة كتاب بعنوان "النظام السياسي – الاجتماعي والأمن في العالَم العربي".  

الصورة اعلاه كتبت تحتها العبارة التالية: الناس تتمشى في سوق الوقف في الدوحة عقب تفشي فايروس كورونا (رويترز). واحدى الصور الاخرى هي  صورة الرفوف الفارغة(من البضائع). في اوربا ولّدت مخاوف (المستهلكين) من انقطاع خطوط النقل والمواصلات، الأمر الذي أدى الى الشراء الجنوني وادخار البضائع. في الوقت الذي سوف تمتلئ رفوف المخازن الكبرى في الأسواق تدريجيا، كشفت ازمة كوفيد - 19 مدى التعرض الاستراتيجي المحتمل لخطوط النقل والمواصلات العالمية المزدحمة بالبضائع المصنوعة. بحيث اذا حدث انقطاع في صناعة الأجزاء في شرق آسيا أو في الطرق التجارية في الشرق الأوسط، بغض النظر عن المواقع الجغرافية، سوف يؤدي الى انقطاع حاسم في التصنيع في معامل الغرب. النظام وانعدام النظام. بتحويل مركز اندلاع وباء كوفيد – 19 من شرق آسيا الى اوربا، لم تعد القضية مجرد مزودي البضائع في الصين حيث فرض الحظر، بل مزودي البضائع عبر قارة تمارس فرض الحظر. أثبتت دولة القطر صمودها رغم أزمة تفشي وباء كوفيد – 19 في شبه الجزيرة (العربية   ) في الوقت الذي لا تزال تحت الحصار برا وبحرا وجوا من قِبل جاراتها. ان شبكة خطوط النقل والمواصلات الدقيقة التركيب في اوربا لوحدها تتطلب فتح الحدود، بالإضافة الى المعامل المحلية ومزارع الفلاحين وسواق الشاحنات وسفر العمال الى الموانئ. وبظهور هذه الشبكة تعاني توترا متزايدا، تبدو المقولة النظرية العسكرية للصيني سون تشو “الخط الفاصل بين حالتي النظام وانعدام النظام  يقع في اللوجستية" تبدو صحيحة لوصف واقع الحال. بينما نشاهد في منطقة الخليج رفوف المخازن الكبرى في الأسواق مملوءة (بالبضائع)  وبغياب الشراء الجنوني على نطاق واسع. ومما هو جدير بالذكر أكثر، هو أن دولة القطر – مَلكية عشائرية صغيرة جدا، وبطبيعة الحال ثرية جدا - أثبتت دولة القطر صمودها رغم أزمة تفشي وباء كوفيد – 19 في شبه الجزيرة (العربية ) في الوقت الذي لا تزال تحت الحصار برا وبحرا وجوا من قِبل جاراتها والسائدة لفترة ثلاث سنوات تقريبا. الصمود خلال العاصفة. في وضع محدودية القنوات لاستيراد التجهيزات، تعلمت دولة القطر كيف تصمد خلال العاصفة، تمارس تعدد المصادر وخطوط النقل والمواصلات، الاعتماد على النفس (سر النجاح في الحياة) محليا وادخار الاحتياطيات الاستراتيجية، الأمر الذي أهّلها لإحراز المرتبة الاولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا (الوطن العربي) في قائمة مؤشر تأمين  الأغذية لمجلة "ذي إيكونيميست" (الاقتصادي).

 قطر والعربية  السعودية: هل من افراج للحرب الباردة في الخليج؟ في العام 2014، خلال الأزمة الأخيرة في الخليج، عندما أقدمت ذات الدول المتنازعة لها(العربية  السعودية والامارات العربية المتحدة والبحرين ومصر) على سحب سفرائها من الدوحة، كانت دولة القطر من بين الدول الأقل صمودا في المنطقة. اذ بلغت استيراداتها للأغذية ومواد الانشاء والضروريات الاخرى 90%، الرقم الذي انخفض الى أكثر من 80% بحلول العام 2017. وآنذاك في شهر حزيران، قررت العربية  السعودية والامارات العربية المتحدة والبحرين فرض الحصار على شبه جزيرة القطر. وعندئذ كانت اكثرية استيرادات القطر تتم اما بواسطة شاحنات عبر حدودها البرية الوحيدة مع العربية  السعودية واما عبر ميناء جبل علي في دبي والتي انقطعت بين عشية وضحاها. لا عجب في ان خلال الشهر الأول من الحصار انخفضت  استيرادات القطر بمقدار 40%، اذ باشرت الحكومة بسرعة بالاستثمار في قنوات جديدة من الخطوط التجارية، في البداية جوا، لتامين التجهيزات الضرورية. في الوقت الذي  كانت أكثرية استيراداتها تنحدر من أو عبر جاراتها، بحكم التزامات قديمة للدعم المحلي. أصبحت دولة القطر حرة في الاستثمار في تعدد مصادر التجارة وخطوط النقل والمواصلات بالتحويل من مجلس التعاون الخليجي الى أكثر من 80  دولة في أنحاء العالم.

 وبأهمية تعادلها، كان افتتاح ميناء الحمد في شهر أيلول من العام 2017 الذي بلغ 14 أضعاف سابقتها، ميناء الدوحة. الأمر الذي وفّر للباخرات الكبرى الوصول الى مرافئ القطر مباشرة وتحاشي تحويل البضائع عبر دول الامارات العربية المتحدة. فتح ميناء الحمد خطوط النقل والمواصلات مع تركيا وايران وباكستان وعُمان وشرق آسيا، الأمر الذي جعل القطر أكثر اعتمادا على النفس فيما يخص خطوط النقل والمواصلات. ازداد مؤشر الاتصالات لباخرات الشحن، مقياس اتصال الدول بخطوط التجارة العالمية، ازداد من 9 درجات في العام 2014  الى 36  درجة في العام 2019. أعلى معدل للفرد الواحد. بينما دولة القطر وسعت احتياطاتها من البضائع والأغذية السريعة التلف بحيث تكفي لفترة 10 اشهر على الأقل، وبما أن الاقتصاد الريعي للبلد يدار مركزيا، يمكن تحديد الأسعار من قِبل وزارة الاقتصاد والتجارة وكذلك تحاشي ارتفاع الأسعار الصادمة. وبحُكم  دولة القطر تتمتع بأعلى اجمالي الناتج الوطني في العالم، يمكن مواجهة ضغوطات التجهيز بسهولة وذلك بالتمويل السخي. عقب تفشي وباء كوفيد – 19ينبغي علينا الاستفسار عن صمود شبكة خطوط نقلنا وبترها أقصرا. وثمة فقرة مهمة اخرى من صمود شبكة خطوط التجهيز المتوسعة للقطر هي تحويل المصادر صوب الداخل حيث أمكن. اذ يزداد الانتاج المحلي لمواد الانشاء والأغذية والحاجيات اليومية الضرورية الاخرى. خلال مرور 18 شهر منذ العام 2017، ارتفع انتاج الألبان المحلي في القطر من  10% الى أكثر من سقف الاعتماد الذاتي. اذ تنتشر أنباء استيراد الأبقار الحلوبة على متن الطائرات الى البلد الصحراوي انتشارا جنونيا. ان مشروع "امتلك معملك الشخصي خلال 72 ساعة" الممول من الحكومة، ولّد أكثر من 70 مشروع لصناعة السلع الاستراتيجية محليا، مثلا السمنت والفولاذ والمواد البلاستيكية. تعلّم الدروس من الحصار. بينما تستطيع دولة القطر اداء أكثر لتقليص شبكة خطوط التجهيز، وتحويل الانتاج محليا وتقوّي شبكة خطوطها التجارية أكثر، انها تعلمت الدروس من حصار العام 2017. الأمر الذي مهّد شبه الجزيرة جيدا للتعامل مع عالَم تحت الحظر، حيث الدول الجارة والشركاء العالميون تحصّن وتعزل مواقعها. ان خير مثال لتلخيص وجهة نظر البلد الاستراتيجية لإدارة شبكة خطوط التجهيز يكمن في تعليق لوزير مالية القطر في العام 2017 "اننا شبه جزيرة والآن نتصرف كجزيرة".

 عقب تفشي  وباء كوفيد – 19 ينبغي علينا جميعا الاستفسار عن صمود شبكات تجهيزاتنا وتقليص مسافاتها، حتى وان كلّف ذلك الشراء بأسعار أعلى. بينما في الغرب وفي الولايات المتحدة الأمريكية نحن لا نتمتع بدولة الاقتصاد الريعي التي تموّل الانتاج المحلي والسلع الاستهلاكية تمويلا كثيرا. الحالة القطرية لاتزال تعلّم دروسا في كيفية تحويل شبكات التجهيز الى تعدد المصادر وصوب الداخل – وبالأخص للبضائع الضرورية في أزمة كهذه. الآراء المطروحة في هذه المقالة تعود للمؤلف ولا تعبّر بالضرورة عن سياسة تحرير(عين الشرق الأوسط). راجع مقالة اخرى بعنوان من الدوحة الى أربيل: لماذا الحصار لا يؤدي وظيفته.

ولمزيد من المعلومات بالإنجليزية والصور راجع الرابط المدون أدناه

https://www.middleeasteye.net/opinion/coronavirus-how-saudi-led-blockade-prepared-qatar-pandemic

 

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل