/
/
/
/

 في عامي 85 و86 كان قاطع بهدينان محط انظار ومركز استقطاب للانصار من القواطع الاخرى، لا ادري اذا كنت دقيقا لو قلت انّ ذلك يعود لأسباب ثلاثة، وهي ((المساحة الواسعة التي تتحرك بها السرايا والفصائل في ذلك القاطع، بالاضافة الى التضاريس الوعرة والمعقدة حيث ينتصب كلا من (كَارا ومتين)، امّا السبب الثالث فهو القرب من الحدود السورية)). لذلك، وفي شتاء 1986 تقلص عدد الانصار في ((خوا كورك)) واصبحت لنا سرية واحدة استقرت فصائلها في مقرات محددة تطرقت لها سابقا وهي ((ارموش ودجلة والاعلام وبيربنان)). امّا مواد غذائنا فقد زادت وتحسنت واصبح من حقنا تناول وجبة لحم مرة واحدة في الشهر!.

هذه المقرات قريبة من بعضها ما عدا ((بيربنان)) الذي يبعد بمسافة تتراوح بين 4 و 5 ساعات، فبين ((دجلة وارموش)) ليس اكثر من ثلاثة ارباع الساعة، امّا بين ((دجلة والاعلام) فلا تتجاوز بضعة دقائق والصلة بينهما تكاد تكون يومية بحيث انّ الفصيلين يلعبان كرة الطائرة في الساحة القريبة من فصيل ((الاعلام)).

في الصورة اعلاه، يبدو انّ الحرس الذي يتبأط بندقيته على جهة اليمين ترك حراسته وانشغل بتحكيم المباراة!. امّا الاخرين، فلم اتبين ملامحهم جميعا، لكن من المؤكد انّ بينهم ((ابو عشتار وابو الزوز وزياد وابو صبا وأبو هادي وابو حاتم ومخلص ووسام المخابر))، وعلى ذكر الرفيق وسام المخابر، فقد مات ودفن في موسكو او بالحقيقة لم يمت وانما استشهد، فهذا الرفيق تعرض الى اهتزاز شديد في رأسه بسسب انفجار صاروخ بالقرب منه، لم يمهله ليستمتع بالحياة المدنية الجديدة، فقد دخل المشفى حال وصوله الى ((جارجو احدى مدن تركمانستان)) ثم نُقل الى موسكو ليفارق الحياة فيها.

الشيء الذي لا اعرفه ولم اتذكره هو تجمعنا في ((موصلوك او موسلوك))، ذلك المكان الصيفي الذي تجمع فيه انصار تلك السرية التي كان مستشارها السياسي النصير ابو حازم التورنجي وآمرها العسكري النصير ابو دنيا، وكانت ((موسلوك)) محطتي الاولى عندما عدت في الشهر التاسع من بهدينان، واتذكر الكثير من الانصار الذين تجمعوا حولي، ومنهم بشكل خاص الفقيد ابو شاكر او ابو انس، الذي زادت حفاوته عن حدها، فقد قضيت معه ليلة ممتعة، تحدثنا فيها عن بقايا صور من الناصرية عندما كانت تلك المدينة على قيد الحياة (( جبناها من الروف حتى وصلنا الى المكَيّر))!.

في مقر ((ارموش)، كنت ارى الرفيق الفقيد ابو ذكرى (الخال) يتمشى فوق سطح الغرفة، الكثير منّا وخاصة قبل وجبة العشاء، يحلو لهم ان يقضوا بعض الوقت على السطوح، ربما بسبب طبيعة التضاريس التي تخلو من الارض المنبسطة، او الرغبة في تأمل الحياة عن علو!، وكان (الخال) وعلى الرغم من الايام القليلة التي امضاها معنا شمعة سهراتنا في الليالي المعتمة، كان هو عالمنا الفكاهي في تلك الربوع.

هناك رفاق، ومع ان لا علاقة لهم بمسرح سارتر، لكنهم يملكون موهبة ساحرة في الكلام والغناء وحركة الحواجب!، عندما تجلس معهم لا تشعر بالملل واذكر منهم ((ابو حسين وفوقي وابو رائد وابو حاتم وابو اصطيف وابو مكسيم والدكتور ابو كَوران الذي ما ان تقابله حتى تشعر بالتحسن من صداع الرأس او صداع المخيلة!!..)) وعذرا للاخرين. هؤلاء الانصار وبقدر ما عبروا عن انفسهم الاّ انهم حاولوا تخفيف جرعة المرّ خاصة في السنوات الاخيرة من الحركة حيث اليأس لم يعد توأما للأمل!.

لو انّ احدا، وبنظرة الفنان الموهوب، تأمل تلك الايام وذلك المونولوج الداخلي للانصار والذي يطول ويقصر حسب الظروف وله افعاله وايماءاته واشكاله الحركية والانفعالية، لابدّ ان يكتشف، بأنّ تلك المغامرة سوف تغنيه عن الكثير من الكتب وستمكنه من استيعاب الجوانب الاكثر غموضا والاشد تعقيدا في الانسان، فالتجربة الانصارية بكل ما فيها من مآثر واقعية في مواجهة الظروف القاسية والقدرة على التحمل والصبر، يمكن تشبيهها بصفحات مقتطعة من ((هوميروس))، والفارق بينهما هو انّ الانصار بشر حقيقيون جاءوا بأراداتهم وقناعاتهم، بينما بشر ((هوميروس)) عبارة عن حجارة تتقاذفها الآلهة.

يتبع: لكن المادة القادمة ستتأخر قليلا بسبب السفر.. فأرجو المعذرة.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل