/
/
/
/

في وقت تلف الحيرة فيه العالم من أقصاه الى أقصاه في كيفية مواجهة وباء كورونا، الذي داهم البشرية على حين غرة، وفتك بمئات الآلاف في اكثر من 190 دولة وكيان سياسي، وبات شغلها الشاغل على مدار الساعة.
في هذا الوقت بالذات يستلقي بارتياح حكامنا الأشاوس وسياسيونا الفطاحل على أرائك الانانية وضيق الافق وعدم الشعور بالمسؤولية، وكأن الامر لا يعنيهم، بينما الواجب المهني والانساني والاخلاقي يفترض فيه ان يدفعهم الى الاهتمام الاستثنائي والعناية الفائقة، وتسخير كل الامكانيات والطاقات المتوفرة لدرء هذا الوباء او الحد من خطورته، وآثاره الكارثية على الشعب العراقي في الأقل، لا سيما وانهم السبب في انهيار البنى التحتية في المجال الصحي وفي غيره من المجالات الكثيرة الاخرى، وعدم قدرة مؤسساتنا الصحية على التصدي الناجح والفعال في مكافحته، رغم الجهود والمبادرات البطولية للكوادر الطبية والتمريضية، بل لم يوفروا حتى التخصيصات المالية المتواضعة التي طالبت بها خلية الازمة، وأشهروا بوجهها من جديد كارت المماطلة والتسويف كما هي العادة في كل ما ينفع الشعب ويصون كرامة الوطن والمواطن. كما لم يشغلهم كثيراً انهيار اسعار النفط، رغم انها البئر التي يمتحون منها، ويتخمون بها جيوبهم وبطونهم، ولا معاناة العراقيين من ذوي الدخل المحدود والعاملين باجور يومية والذين يتضورون جوعاً ويضطرون الى كسر الحظر الصحي، بحثا عن قوت اطفالهم وعوائلهم.
ولولا المستوى الرفيع لعملية التكافل الاجتماعي التي سادت اوساط واسعة من الشعب العراقي لكانوا من الهالكين.
والغريب في الامر ان المساعدات المالية والسلات الغذائية التي يقدمها العراقيون عن طيب خاطر بعضهم لبعض وخاصة للكادحين ومن هم دون مستوى خط الفقر، لم تحرك ساكناً في هؤلاء المتنعمين بثروات الشعب العراقي، ولم تدفعهم الى التبرع بشيء مما كسبوه من "الرزق الحلال"، الذي أدى في المطاف الاخير الى افراغ خزينة الدولة من آخر دينار فيها، وتحويل العراق الى ارض يباب والى انموذج لا يحتذى في الفشل والفساد.
وبدلا من الالتفات الى كل هذه الاوبئة والازمات الخانقة التي تعصف بالعراق وتهدد حاضره ومستقبله والبحث عن حلول لها، نرى غالبية الطبقة السياسية والكتل المتنفذة منشغلة من قمة رأسها الى أخمص قدمها بهمّ آخر، هو كيفية الحفاظ على مصالحها الانانية الشخصية والفئوية والحزبية الضيقة، عبر الاصرار المرضي على المحاصصة المقيتة والطائفية السياسية ولادة الازمات والسبب الحقيقي لما يحصل في عراقنا المحتضر.
لقد كانت مسألة تشكيل الحكومة الجديدة، وما رافقها من مناورات ومؤامرات فضيحة بامتياز ومهزلة حقيقية تبادل فيه المتنفذون الادوار ورشحوا شخوصا لرئاسة الوزراء من العينة ذاتها، وهم يعرفون سلفاً انهم مرفوضون من المنتفضين ومطالبهم العادلة، هؤلاء المنتفضون الابطال الذين اضطروا الى تعليق فعالياتهم الجماهيرية والانسحاب من سوح الاحتجاج مؤقتاً، استجابة لنداء الوطن لحماية ابنائه من وباء كورونا.
له الحق كل الحق من يعتقد ان البعض من فرسان الطبقة السياسية الحاكمة، وجدوا في وباء كورونا فرصة للتخلص من الضغط الجماهيري المتمثل بالمظاهرات والاعتصامات وشجعهم على التشبث بالكراسي حد الاستقتال وتوظيفها (الكورونا) في تعضيد نظرية "ما ننطيها"، وان كان ثمن ذلك تلاشي العراق شعباً ووطناً.
الآن وقد اضطرتهم المستجدات الجيوسياسية، والتغيير النسبي في موازين القوى، الى الموافقة على انهاء لعبة التكليفات، والتصويت للسيد مصطفى الكاظمي، بعد ارموه بشتى النعوت والاتهامات، لكنهم سرعان ما بدلوا مواقفهم بعد لقائه مع العراب القادم من وراء الحدود، والذي تنتصب امامه مهمة انتشال الوطن من الانحدار كلياً الى الهاوية. ويأمل الجميع منه ان يكون قادرا على ترجمة ما صرح به اثناء التكليف الى واقع ملموس، بتشكيل كابينة وزارية تطبق الافعال لا الأقوال فقط، وان سيكون مسؤولاً امام الشعب والتاريخ.
وتبقى الانتفاضة وعودتها المظفرة بعد انتهاء الكارثة الصحية، هي الضمان وصمام الامان في تنفيذ البرنامج الحكومي وتحقيق ما يصبوا اليه الشعب العراقي.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل