/
/
/
/

كشف النظام السياسي في بلادنا عن وجهه الطبقي السافر، بعد إخفائه طويلا خلف مقولة (رفع المظلومية) المداهنة، التي مُررت من خلالها منظومة سياسية اقتصادية اجتماعية، ركيزتها المحاصصة الطائفية. وكان بذلك التمرير قد نجح الى حد بعيد في حرف الصراع عن مساره الصحيح، كصراع للمحرومين من شتى الاديان والطوائف والمناطق مع الطغمة التي استأثرت بالسلطة والمال والامتيازات، الى صراع طائفي مقيت.

 وبالقدر الذي تمكن به القائمون على ترسيخ نهج الطائفية السياسية وتقسيم المجتمع الى طوائف واثنيات، من فرض انفسهم على قيادة التقسيمات الفرعية كزعماء مدافعين عن "المكونات".. بالقدر ذاته فشلوا في بناء دولة حديثة، وأضعفوا الوعي الوطني وعبثوا باستقرار البلاد.

ولكن ما ان انكشفت خدعة (رفع المظلومية)، بعد افتضاح أمر النهب الذي تعرضت له اموال الدولة والاستحواذ على مواردها، الى جانب الفشل الذريع في توفير الامن والخدمات وتصاعد الاصوات ضد المحاصصة الطائفية, حتى أقدم المتنفذون على خطوة مداهنة جديدة. حيث تبنوا شكليا موضوعة المواطنة واقامة تحالفات "عابرة للطائفية"، متظاهرين بالاتعاظ من درس المحاصصة ومغادرة نهجها البغيض، في محاولة شيطانية لصنع خدعة جديدة.

والواقع ان ما تم على هذا الصعيد لم يكن سوى تغيير في المظهر لم يمس الجوهر، فالحقائق تشير بوضوح إلى أن الطائفية السياسية والمحاصصة بقيتا تمارسان تاثيرهما إلى حد كبير على النظام السياسي.

ان كل ما يفعله المتنفذون عبر تحالفاتهم الجديدة، هو اعادة تنظيم تقاسمهم السلطة والنفوذ، بما يدر عليهم المزيد من الاموال على حساب فقراء العراق وكادحيه.

 لقد اتسعت الفجوة بين الحكام الذين استولوا على الثروات العامة بشتى الطرق، وبين بقية طبقات المجتمع. فراحت مستويات ومعدلات الفقر والمرض والامية تتصاعد، مع تصاعد ارقام الارصدة والعقارات وغيرها من ممتلكات رجال السلطة. ولم يعد يمكن اخفاء التفاوت الطبقي الواضح الصارخ، فهناك بذخ سافر والى جانبه فقر كافر.

ان صورة العراق اليوم تتجلى مثلا في تنعم ابناء المتنفذين واسرافهم الفاضح واستحواذهم على الوظائف المتميزة في اهم مرافق الدولة، ومنها السفارات والبعثات الدبلوماسية الاخرى، تقابلها في الجهة الاخرى البطالة الموجعة التي تخنق آمال الشباب وطموحاتهم، حتى لم يبق للبعض منهم للاسف الشديد غير سبيل الانتحار، خلاصا من اوجاع الحياة وعذاباتها.

ومعلوم ان المتنفذين لا يتوقفون عند حد معين من الاثراء على حساب عامة الناس، فبعد ان صمموا قوانين انتخابات ترسخ وجودهم في السلطة وتؤبده، نراهم اليوم  يتوجهون نحو تشريع قوانين تكرس امتيازاتهم الطبقية، دون الالتفات الى ما ينتج عن ذلك من زيادة في التهميش وارتفاع في مستويات الفقر.

ان المتنفذين يؤسسون نظاما اقتصاديا جديدا يكرس التمايز الاجتماعي الطبقي، بعد كل ما جنوا من امتيازات بحجة تزعمهم "المكونات" في المجتمع. وها هم يضعون على رأس جدول عملهم تمرير قانون الاستثمار المعدني، وقانون الشركات القابضة، وما خفي سيكون أبشع!

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل