طوال السنوات الماضية، وجّهت قوى المحاصصة الطائفية، بمالها السياسي غير الشرعي، مجريات السباق الانتخابي والكثير من نتائجه، بما يتلاءم مع مصالحها الضيّقة. وبعد أن بدأت الأحزاب والكتل المتنفذة، خلال الأيام الأخيرة حملاتها الانتخابية المبكرة بأساليب مبطنة، زادت المخاوف من اختطاف نتائج الانتخابات القادمة بواسطة هذا المال. وما يعزز هذه المخاوف، عدم تفعيل قانون الأحزاب، وضبابية السقوف المالية التي تحددها مفوضية الانتخابات للحملات الانتخابية، وهذا ما جرى في العام 2013.

لا توجد سقوف مالية

وأصبحت ظاهرة الاعتماد على المال السياسي (الداخلي والخارجي) وتوظيفه للمصالح الانتخابية، سمة ملازمة لنشاط القوى المتنفذة التي تعيد انتاج نفسها من خلاله، وهذا ما يتوقع مواطنون ومراقبون حصوله في الانتخابات القادمة.
ويقف قانون الأحزاب عاجزا رغم أنه ينص في المادة 39 ضمن بند الأحكام المالية على “تقديم الحزب تقريرا سنويا بحساباته الى ديوان الرقابة المالية”، فيما تنص مادته الـ 41 على “الامتناع عن قبول أموال من أي جهة أجنبية”، فضلا عن شروط أخرى لم ترَ النور.
ويؤكد الباحث في الشأن الانتخابي، دريد توفيق، ان العملية السياسية ومنذ انطلاقها “لم تحدد السقف المالي للحملات الانتخابية. وفي عام 2013، تم تبويب هذا الأمر من قبل المفوضية، بعدما سمحت بصرف 250 دينار على كل ناخب، وقد يبدو المبلغ زهيدا”.
وأضاف “عندما تجمع 250 دينارا على عدد الناخبين ضمن المحافظة، التي كانت دائرة انتخابية واحدة، ستجد انه مبلغ كبير، لكن بالرغم من هذا، صرفت أموال طائلة وغابت الرقابة عنها تماما”.

مراقبة الانتخابات

ويوضح الباحث خلال حديثه لـ”طريق الشعب”، إن قانون الانتخابات الجديد “يعزز استغلال المالي السياسي انتخابيا، فالمتنفذون سيستخدمون أموالهم في دوائرهم الصغيرة، لتقديم المساعدات وشراء ولاء الفقراء، وسيشرفون عبر سطوتهم على المشاريع الخدمية التي تمثل أكبر منفذ لاستغلال المال العام وكسب رضا المواطنين”.
وعدّ توفيق “اشراف أي نائب أو مرشح على اكساء شارع، او تقديم معونات اثناء الاقتراب من الانتخابات، وغيرها من الممارسات، فساد فاضح”.
وفي الانتخابات السابقة، أظهر فيديو تناقلته مواقع التواصل، نائبا يوزع سندات أراضي وهمية وهو يبارك للفقراء حصولهم على الأرض، ويذكّرهم بضرورة انتخابه، علما أن هذه حالة واحدة من بين المئات.
ودعا توفيق الى المشاركة “بقوة” في الانتخابات القادمة، “لتغيير المعادلة والقيام بحملة رقابية شعبية من قبل المتظاهرين لمحاصرة الفاسدين وعمليات التزوير، وذلك من خلال حضورهم كمشرفين على تحركات الكيانات السياسية”.

هل تتغير تعليمات المفوضية؟

وينقسم الانفاق المالي على الحملات الى جانبين؛ الاول، منها يخص الكتل والاحزاب التي لا تملك سوى إيراداتها الطبيعية وفقا للقانون، وبالتالي تكون حملاتها الانتخابية بسيطة. اما الجانب الثاني فيشهد صرف ملايين الدولارات التي تغزو الشاشات والاذاعات والشوارع والساحات العامة، وكل مفاصل الحياة مقابل عدم السؤال عن مصادر هذه الأموال، التي تعود لجهات ماسكة للسلطة، وتستحوذ على مقدرات البلد وتفلت دائما من المحاسبة.
وفي تصريح لعضو مجلس مفوضية الانتخابات السابق، رياض البدران، خلال فترة الحملة الدعائية لانتخابات 2018، أوضح أن المفوضية “غير قادرة على حصر حجم الأموال التي ينفقها المرشحون لعدم امتلاكها الأدوات اللازمة لذلك، كما انها بحاجة لموارد بشرية هائلة لا تتوفر لها”.
وعن وجهة المرحلة المقبلة فيما يتعلق بهذا الجانب، ذكر مصدر مطلع داخل مكتب مفوضية الانتخابات في بغداد/ الرصافة لـ”طريق الشعب”، إن “التعليمات والضوابط المالية للانفاق الدعائي ستتغير تماما، وسيكون هناك عمل مختلف لمجلس المفوضية الجديد بهذا الشأن”.
واكد المصدر، ان دائرته “بانتظار التعليمات. اعتقد انها الان في طور الدراسة الشاملة”.

خروقات واضحة ورقابة غائبة

وفي تقرير لمنظمة تموز للتنمية الاجتماعية، عن مراقبة حملات الانتخابات السابقة، أشار إلى ان “الخلل يكمن في عدم تحديد السقف المالي للدعاية الانتخابية، والتفاوت الكبير بالإنفاق جراء هذا الخلل؛ فبعض الجهات صرفت أرقاما خيالية يصعب تحديد مصادرها”، فضلا عن “استغلال واضح للمال العام والمناصب الحكومية وتوظيف الفعاليات الحكومية في إطلاق المشاريع وتنفيذها وعقد المؤتمرات الحكومية مع شرائح المجتمع المختلفة خلال فترة الانتخابات، وتنفيذ مشاريع التبليط ورش السبيس من قبل مرشحين، وغيرها”.
ووفقا لهذا المشهد، يشدد د.علي الرفيعي، الامين العام للتيار الاجتماعي الديمقراطي، على أن الدورات الانتخابية البرلمانية جميعها شهدت استغلال المال السياسي وخصوصا “الانتخابات الأخيرة”.
ونوه الرفيعي خلال حديثه لـ”طريق الشعب”، بأن “أحد النواب الحاليين، صرف 15 مليون دولار على حملته الدعائية، وهذا ما قاله لي شخصيا مسؤول كبير في الدائرة الانتخابية للمفوضية”.
وقال الرفيعي إن هذا “خروج واضح وفاضح عن التعليمات، وبالتالي فإن المفوضية مدعوة لإصدار تعليمات جديدة لضبط الانفاق المالي، كما أن ذلك لا يكفي ما لم تكن هناك رقابة حقيقية”.
وعدّ الرفيعي “التفاوت في حجم الانفاق الدعائي، والسماح لتوظيف الأموال العامة واستغلال أموال الفساد للتأثير على نتائج الانتخابات، يعيق طموح القوى المدنية الديمقراطية التي تنافس بشرف ونزاهة، لأنها لا تملك مثل هذه الأموال الطائلة”.

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل