تؤكد جهات حقوقية وحكومية أن حالات العنف الأسري تزايدت مؤخرا بشكل كبير، ونالت المرأة منها النصيب الأكبر. ويأتي هذا الاعتراف بزيادة أعداد الضحايا في وقت يعجز البرلمان فيه عن تشريع قانون مناهضة العنف الأسري رغم المطالبات المستمرة، وذلك بسبب التجاذبات السياسية والمواقف المتشددة لبعض الأطراف النيابية بشأن القانون. ويوم أمس، نظمت مجموعة من المنظمات النسوية والحقوقية، حملة تخللتها مجموعة من الفعاليات لتسليط الضوء على حقوق المرأة، والتركيز على ما تتعرض له المرأة من عنف وتهميش.

أغلبية معنفة صامتة

تقول المنسقة لشبكة نساء العراق، أمل كباشي، إنه من خلال العمل الميداني والرصد، لمسنا “ارتفاع كبير في مستويات العنف ضد المرأة خصوصا في فترة جائحة كورونا. علما أن الأرقام الحكومية التي تقدم بهذا الشأن، لا تغطي جميع الحالات لأسباب اجتماعية تحول دون التبليغ عنها لدى مراكز الدعم أو التسجيل، لذلك فإننا نؤكد وجود أغلبية صامتة معنفة من النساء، كما أن الجهات الحكومية والمنظمات المدنية تقر بها وتشير ايضا إلى شمولها الأطفال والفتيات الصغار بأشكال متنوعة تهدد السلم الاجتماعي”.
وفي وقت سابق، أصدر مجلس القضاء الأعلى العراقي عقب تصاعد حالات العنف الأسري تعميما يدعو القضاة إلى استخدام جميع الأحكام القانونية لردع هذه الحالات. لكن مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في العراق اعتبر ذلك ليس كافيا لسدّ الثغرات، وشدد على أن المطلوب هو “اتخاذ الحكومة خطوات فورية لحماية النساء ومحاسبة المعتدين”.

حملة الـ ١٦ يوم

وتضيف كباشي قائلة لـ”طريق الشعب”: “شبكة نساء العراق، ومنظمات عديدة، أطلقت حملة الـ ١٦يوم الدولية لتنظيم مجموعة من النشاطات بدأت يوم أمس (الأربعاء) وستستمر لغاية العاشر من كانون الأول، هدفها تسليط الضوء على قضايا المرأة العراقية، حيث تتزامن فترة هذه الحملة مع ذكرى صدور قرار مجلس الأمن الدولي الخاص بالأمن والسلام للمرأة، وكذلك ذكرى الاعلان العالمي لحقوق الانسان”.
وتؤكد المتحدث أن الحملة تضمنت اشكالا عديدة مثل “المسيرة الراجلة التي انطلقت يوم أمس في بغداد وتوجهت نحو الأزقة الشعبية في منطقة الزعفرانية بالتنسيق مع الشرطة المجتمعية، فضلا عن نشاطات توعوية في بابل وكركوك والديوانية والبصرة وغيرها، تهدف إلى التعريف بهموم المرأة وإدانة العنف ضدها والمطالبة بحقوقها وفقا للدستور والمواثيق الدولية. لذلك فإن النشاطات هذه تجري الآن في الكثير من دول العالم ونحن كجزء من إطار الحركة النسوية قمنا بمزامنة نشاطنا مع الجهود الدولية النبيلة، وسنعقد أيضا مؤتمرا صحفيا خلال أيام وجلسات حوارية عديدة”.
وفيما يتعلق بمسؤولية الأطراف الحكومية والنيابية لمناهضة هذه الظاهرة الخطيرة، تشدد كباشي على أن منظمات المجتمع المدني لفتت بعد عام ٢٠٠٣ أنظار صناع القرار الى “خطر العنف القائم على النوع الاجتماعي بشكل عام، والأسري بشكل خاص. لكن قانون العنف الاسري لم يقر إلى الآن وبقيت الأطراف النيابية تماطل به لأسباب غير مقنعة”، واصفة جهود الحكومة والبرلمان بهذا الشأن بـ” غير الملموسة”.
ووفقا لدانييل بيل، رئيسة مكتب حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة في العراق، فإن “النساء العراقيات أمام معاناة جديدة تضاف اليهن بعد انتشار جائحة كورونا، فخلال فترة الحظر الصحي التي شهدت زيادة في العنف المنزلي وعدم القدرة على التبليغ عليه بسبب اجراءات التقييد، ظهرت حالات عنفية جديدة تتمثل بمنع النساء المصابات بالفايروس من مغادرة المنزل للحصول على الرعاية الطبية بسبب الوصم والعار الذي قد يجلبنه لأسرهنّ، وذلك بسبب بعض العادات الاجتماعية التي لا تسمح للمرأة بأن تكون وحدها في مراكز الحجر في ظل غياب ذكر من أقربائها”.

قانون معطل ومشكلة قائمة

يحظر الدستور العراقي جميع أشكال العنف والإساءة داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، إلا أن قانون العقوبات ينصّ في المادة ٤١ / أولا، على أن عقاب الزوج لزوجته هو حق قانوني وبالتالي فهي ليست جريمة، لذلك كثيرا ما يفلت الجناة من العقاب، بحسب ما يقال. إلا أن الحكومة العراقية تُظهر التزاما إزاء تغيير ذلك، إذ يبحث البرلمان حاليا قانون مكافحة العنف المنزلي والذي يشهد سجالا وتعطيلا غير منطقي.
وترى الناشطة والحقوقية، هديل العزاوي، أن قانون مناهضة العنف الأسري أصبح ضروريا ولا بد من تشريعه سريعا لأن “حالات العنف داخل المنازل تصاعدت بشكل كبير مؤخرا والاعتماد على الآلية الحالية يزيد من أعداد الضحايا”.
وتوضح العزاوي لـ”طريق الشعب”، أن الآلية الحالية للإبلاغ عن حالات العنف للضحايا ما دون الثامنة عشر “تكون مشروطة بمرافقة أحد أبوي الضحية، ما يقلل من الكشف عن هذه الحالات خصوصا وأن الكثير منها ضد الفتيات”، مبينة ان تشريع القانون سيضمن وجود “محاكم خاصة بالعنف المنزلي تعالج هذه الإشكالية المرعبة”.
وفي الفترة الأخيرة، أصدرت الشرطة المجتمعية بيانا تفصيليا عن أعداد حالات العنف داخل المنازل أكدت رصد “٣٦١ حالة عنف أسري وإعادة ٧٥ فتاة هاربة، وهي حصيلة النصف الأول من عام ٢٠٢٠ فقط”، موضحة أن” من بين تلك الحالات ١٠٠ حالة عنف وقعت بحق النساء، و١٢٣ حالة عنف كان ضحيتها أطفال، فضلا عن إعادة ٤٠ طفلًا هاربا لذات السبب. اضافة إلى منع ٢٣ شخصا من الانتحار بسبب العنف الأسري الواقع عليهم”.

لا تغطي جغرافية العنف

وقبل حوالي أسبوع، أكد عضو مفوضية حقوق الانسان، أنس العزاوي لـ”طريق الشعب”، أن العراق “سجل ٢٩٨ حالة انتحار خلال عام 2020 توزعت على أسباب عديدة بينها العنف الأسري”.
وتعليقا على احصائية الشرطة المجتمعية، تشدد الحقوقية على أن هذه الأرقام “لا تغطي جغرافية العنف وحالاته جميعا، فهنالك تزايد ملحوظ نلمسه كمراقبين ومتابعين على أرض الواقع، وأغلب الحالات لا يتم تسجيلها”.
وفي المقابل، تدعو الناشطة في مجال حقوق المرأة، صابرين عبد، الحكومة الى “توفير تدابير خاصة فورية للنساء، بما في ذلك الخدمات الآمنة والسريّة عبر الإنترنت لتقديم الشكاوى، أو تخفيف المتطلبات أمام النساء للإبلاغ عن سوء المعاملة والبحث عن ملجأ وقت الطوارئ”.
وتتحدث عبد لـ”طريق الشعب”، قائلة: “منذ بداية الحظر بسبب فايروس كورونا، فإن النساء يواجهن صعوبات كبيرة للإبلاغ عن العنف الذي يتعرضن له داخل المنازل، وأصبح شعور الكثير منهن ينصب في الاعتقاد الكامل بإفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب”، لافتة إلى أن “الكثير من الحالات التي تتم فيها محاسبة الجناة، غالبا ما يتم إجبارهم على التوقيع على وثيقة تشير إلى أنهم لن يكرروا جرمهم. والحل الآخر هو أن يُطلب من الضحايا التصالح مع الجناة”.
وتطالب الناشطة القضاء العراقي بـ”ملاحقة المعتدين. وتقليل أعداد الضحايا الكبيرة، التي تعاني الالم والقسوة بصمت داخل المنازل”.

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل