/
/
/
/

يخبرني أحد الاصدقاء أن الذكرى السنوية الاولى لرحيل الاعلامي والكاتب عدنان حسين ستحل بعد ايام قليلة، ويسألني بعدها هل ستكتبين  شيئأ عنه؟ حاولت ترتيب جواب سريع بالموافقة وانهاء المكالمة وانا اغوص في ذات الافكار التي طالما شغلت بالي .. كيف سأتخلص تماما  من ذلك  الوعد الذي قطعته لعدنان امام مجموعة من الاصدقاء .. في وقت بداية ازمته الصحية ...اتفقنا ان نجتمع في بغداد، ونحتفل معاً بتجاوز ازمته الصحية أولا، وعودتي الى وطني الذي احلم به ثانياً...

مازلت اتذكر تماما كلماته القليلة في المشفى، بل احفظها عن ظهر قلب .. كان مصرا على ان يكون مرحأً وقويا مثلما هو دائما .. قال لي: أفراح انا بخير، انها طريقة الاطباء دائما لايتركون احدا دون ان يكملوا معه كل الاجراءات الوقائية ولذلك انا اكره المستشفيات .. ضحكت معه وقلت له: اعترف انك كبرت وهذه علامات الشيخوخة . قال ورنين ضحكته الواهنة (بسبب المرض) يسبقه: سأكون أصح منك وسترين من شاخ منا..

كنت اشعر انه ليس بخير .. شعور حاربني وحاربته .. وكنت اعول على صلابته وروحه المعنوية الكبيرة التي تسلح بها وهو يواجه ظروفا حياتية اصعب، وكذلك على  فرصته باجراء الفحوصات في احد مشافي لندن. وكنت اتابع بعض مراحل علاجه مع ابنته فرح .. البنت التي تخطت شجاعتها شجاعة ابيها/ وهي تحكي لي تفاصيل تلقيه العلاج، وتبعث لي صور خروجه من المشفى وهو بصحة افضل ..

لكن تقارير الاطباء تقول عكس ذلك .. مرت ايام ثقيلة انقطع عدنان فيها عن الكلام وبعض الاصدقاء يتحدثون عن تراجع صحته .. كنت اسجل له مقاطع صوتية قصيرة  بطلب من ابنته لانه يسأل عن اصدقائه لكن لا يتمكن من الحديث معهم .. يتفاعل مع اصواتنا ..

لم يمهلنا الوقت طويلا لاقرا في الفيسبوك اعلان وفاة عدنان حسين ..

موقف عصيب، وانت لا تستطيع ان تكون الاقرب لمن تحبهم في اوقات شدتهم. دار عويل طويل بين جدران غرفتي واسترجعت كل ايام عملنا في بغداد، اوقات الاعداد لتأسيس  النقابة الوطنية للصحفيين العراقيين، والدفاع عن قوانين وتشريعات تخص الاعلام العراقي بعد عام 2003  .. خضنا معا حروب تسقيط من قبل المستفيدين من نظام صدام في التصدي لحرية الصحافة والاعلام، واستنفدنا الكثير من الوقت ونحن نعدل قوانين ونقدم مشاريع لاخرى تحمي حقوق الصحفيين وحرية وصولهم للمعلومة.. عموده اليومي الاشهر في جريدة المدى (شناشيل) كان مصدر أرق للسياسيين المتهمين بالفساد ويثير قضايا مهمة مازال بعضها ساخنا والوطن غارق في محنته .. وكل ماكتبه عدنان طيلة سنوات مازال صالحا للنشر والاستعادة مع بقاء ذات الحكومات الفاشلة التي قادت البلد نحو مزيد من الخراب والتراجع ..

خلال تعرضي للاختطاف على أيدي عصابات السلطة كتب عدنان حسين عمودا حمل عنوان (هذا الصمت الحكوميّ مريب !) قال فيه “ان عدم وجود اي خبر عند الانكليز يعني خبرا  جيدا، لكن هذه القاعدة لا تتوافق مع حال زميلتنا الصحافية المخطوفة أفراح شوقي، فالخبر الجيد الوحيد هو أن تكون مطلقة السراح، عائدة بسلام إلى عائلتها وبخاصة طفليْها.. أيّ خبر غير هذا هو خبر سيّئ للغاية. واستطرد يقول: “ماذا عن دور الأجهزة الأمنية والقضائية لدولتنا؟.. كلّ اللوم يتوجب أن يُوجّه إليها، اذ لم يكلّف أحد من وزارة الداخلية أو قيادة عمليات بغداد أو أجهزة المخابرات والاستخبارات والأمن الوطني أو حتى الخليّة التي أمر رئيس الحكومة، القائد العام للقوات المسلحة، بتشكيلها، نفسه ليقول للرأي العام كلمة بخصوص قضية الاختطاف والإجراءات المتخذة لملاحقة الخاطفين. وحتى جهاز الادّعاء العام الذي كان من المفترض أن يبادر هو أيضاً لمتابعة القضية ظلّ في حال السبات المعهودة عنه، ما يبقينا في حيرتنا الدائمة حيال هذا الجهاز: ما هي مهمته بالضبط؟..”

رحل عدنان قبل ان يعرف مهمة ذلك الادعاء العام، امام كل دعاوى الفساد والجرائم التي ترتكب يوميا بحق الشعب،  وامام كل حالات الاختطاف التي تعرض لها ناشطون وصحفيون ومواطنون ...

لم يمر عام على غيابك ياعدنانلاأنك باق في قلوب محبيك ومتابعيك وطلبتك من الاعلاميين الذين كنت تشرف على دوراتهم التدريبية في (المدى) والنقابة الوطنية .. اقدر حجم حزنهم على غيابك وانت من رعيت الكثير منهم في بداياته الصحفية  ورسمت له اطر الاعلام المهني الصحيح..

لم يمر عام على رحيلك ياعدنان .. أنت موجود بيننا .. قلمك وكتاباتك وآراؤك وحبك للوطن  جعل وجودك ملتصقا بنا كل حين ..

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل