/
/
/
/

‏ تَحلُ علينا اليوم، الذكرى السنوية الدولية لـ"يوم الشباب العالمي"، وهو اليوم الذي خُصص للحثّ على فسح المجال أمام شريحة الشباب، لصِناعة السلام، والقرار السياسي المؤدي اليه، ولتحقيق التقدم والرخاء.

 وخلال استقبالنا، واحيائنا، مجدداً لهذه المناسبة، لا بد من القول، أنه في الوقت الذي نُحيي هذا اليوم، نرى إنَّ شبيبة العالم، تمارس أدواراً إيجابية مُهمة، بعد أنّ ضمنت شعوبها السلم والاستقرار. فنرى الشباب مِن مختلف البلدان، وهم يَسعَون للتأثير على ملف التغير المناخي وحماية البيئة والطبيعة، وتعزيز الحقوق المدنية والدستورية، وغيرها، بينما ينغمر شباب العراق في النضال من أجل ضمان أبسط الحقوق، والتي سُلبت تدريجياً من مستحقيها، شيئاً فشيئاً، لتصبح الآن شبه معدمة، في ظل الأزمات المستمرة.

 وفي هذهِ المناسبة، أولاً وقبل كُل شيء، لا بد من أن نبعث التحايا، لشبيبة العالم والناشطين منهم لصناعة السلام، بمُختلف أعراقهم، وألوانهم، وثقافاتهم وانتماءاتهم. فهم حقاً ثروة الحياة وسر تقدمها. وكذلك نخص شباب وطننا بمختلف ألوانهم الاجتماعية الزاهية، ولكلا الجنسين، بالتقدير الكبير، والتثمين لدورهم في العمل على ترسيخ قيم المحبة والسلام والتآخي، في ظل ظروفٍ عصيبةٍ تُحيط بالبلد، فرضت عليه، وأُريد من خِلالها تعزيز الهويات الطائفية والفرعية، وإشغال الطامحين بوطن، في الحروب والصراعات.

 في هذا اليوم، لا بد من الإشارة إلى تداعيات ونتائج الحروب، والسلاح المُنفلت، والفساد، على حياة الشباب. حيث أصبحت نتائج هذهِ العوامل التي استند عليها نظام المحاصصة الطائفي المقيت، تُهدد واقع ومستقبل الشباب مِن كُل حدبٍ وصوب، وتضعهم أمام خطورة حقيقية بَلغت ذروتها، وفتكت بأبناء الوطن دون استثناء. فما زالت تمر علينا هذه المناسبة دون تقديم أي شيء يُذكر لشباب الوطن. والمشاكل بَقيت على حالها وتجذرت بشكلٍ أعمق، ليصبح من الصعب قلعها في ظل هذا الاستعصاء.

إنَّ تطلعات شبابنا ترنو إلى بناء بلدٍ مستقر، آمن، يوفر المعيشة الكريمة لأبنائه، بينما يفرض الواقع مأساةٍ يتعامل المتنفذون معها كتجارةٍ لا تبور.

 وبعد تهميش الشباب طيلة سنوات، عن صناعة القرار السياسي، واقصاء السلام عن مشاهد حياتهم، سيق بالكثير من العاطلين منهم، والمُهمشين والفقراء والكادحين، وغير المتعلمين، ومحدودي الفرص، إلى حروبٍ عبثية، وعسكرةٍ باطلة، تحولت إلى ماكنة لصناعة الموت والتخلف، بشكل يُخالف مفاهيم الحياة الكريمة والدولة المدنية وروح الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، والوعود التي قدمها أصحاب القرار وعملوا خلافا لها.

ولا يفوتنا في هذا اليوم، أنّ نؤكد مجدداً، إنَّ شبابنا لم يلمسوا طيلة حياتهم، وعلى الأقل منذ ١٧ عاما، حقوقهم التي ضمنها دستور (التغيير). فتم اقصاؤهم من التوزيع العادل للثروات، التي تقاسمها لصوص العملية السياسية، وكذلك لم يلمسوا عناية بوضعهم من كل الجهات والمؤسسات والهيئات واللجان الرسمية المعنية بهم.

ومقابل هذا الاقصاء الممنهج، لم تر القوى السياسية المتنفذة من شباب البلد سوى من التف حولها، وقدّم لها فروض الطاعة والولاء، بينما استثني الملايين من العدالة والانصاف، ومن فرص العمل التي أصبحت مزادات علنية للفساد والرشى وشراء الذمم.

 وفي هذه الايام تحديداً، نرى كيف يفترش الخريجون من الشباب الارصفة، وهم يتظاهرون للمطالبة بفرص العمل الغائبة بفعل الإرادات السياسية البغيضة، وآخرون بأعمارهم لم ينالوا التعليم، بقوا حائرين عندما دخلت علينا الجائحة، وبقيت عوائلهم دون قوت يسد الرمق، وغيرهم من جرحى القوات الأمنية والحشد الشعبي، الذين أهملوا بعد أن انتهت المتاجرة بهم في لعبة الموت، وقبلهم شهداء يسقطون منذ ١٧عاما، لم ينصفوا وبقي الدم يغلي في عروق امهاتهم وذويهم.

 ومقابل وضع العراق المتردي هذا، خرجت جموع الملايين وفي مقدمتهم الشباب، في انتفاضة وطنية جماهيرية حاشدة، اختلفت عن كل ما سجلته صفحات التاريخ السياسي والاجتماعي للبلاد، للإطاحة بزمرة الفساد الغاشمة، التي دمرت البلاد، ولإصلاح العملية السياسية سلميا، وبشكل جذري. وطالب المنتفضون عند انطلاقتهم في عام ٢٠١٩، بوطن يليق بهم، يروي عطشهم للأمن والعمل والازدهار، رافعين أسمى الشعارات، هاتفين بحب الوطن وحده. فما كان من القوى الحاكمة والمتنفذة سوى أن تقابلهم برصاص القناصين الغادرة، ودوي القنابل التي استقرت في الجماجم والاجساد، وأصوات الكواتم المفضوحة. لترتكب هذه القوى وأدواتها الاجرامية، مجازر دموية بحق أبناء وبنات الوطن، فيما تضامن المنتفضون مع بعضهم، وقدموا أسمى ما يمكن رؤيته وسماعه، وفرضت وقائع اعمالهم البطولية نفسها، على الحاضر، معلنة عن بداية صفحة جديدة مشرّفة كتبها المتظاهرون والمسعفون، والفنانون، والحقوقيون، والطلبة والشباب والعمال وبقية المشاركين في الانشطة الاحتجاجية القطاعية. وكسبوا مقابل مأساتهم والغل الذي قوبلوا به، عطف العالم اجمع، وفي مقدمته الادانات التي أصدرتها الامم المتحدة، ومنظمة العفو الدولية، والمنظمات العالمية الحقوقية، والشخصيات الديمقراطية من مختلف بقاع العالم، وتأكيدات هذه الادانات، على إجرام وبشاعة المتحكمين بالقرار السياسي، وتورطهم بدماء الأبرياء المنتفضين للحفاظ على مواقعهم ونفوذهم ولحماية أنفسهم من المحاسبة القانونية.

 في يوم الشباب العالمي، ما زالت انتفاضة العراقيين مستمرة، وما زال الشباب في سوح الاحتجاج، وأمام الدوائر الحكومية الفاشلة، وأمام بيوت المسؤولين الفاسدين، يتجمهرون، ويهتفون، ويؤكدون عدم حيادهم عن طريق بناء الوطن المحترم، وعدم تراجعهم عن مطالب حقة مشروعة قدموا مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمخطوفين لتحقيقها.

 وبعد أن فرض شباب الوطن واقعاً سياسياً واجتماعياً جديداً، أقر الجميع بأنه سيكون مختلفاً عن عراق ما قبل ٢٠١٩، وبعد اسقاطهم الحكومة المتورطة بدماء اخوتهم، واسقاطهم عقب ذلك، الكثير من مرشحي الاحزاب المتنفذة، أصبح الاعتراف بولادة جيل شبابي ثوري قادر على التغيير، واقع حال فرض نفسه بشكل أو آخر، على من حاول مسخ شبيبة الوطن وتجهيلها.

كما جاءت الحكومة الحالية كجزء من هذا المخاض، وتعهدت ووعدت بتلبية مطالب العراقيين، وقدمت برنامجاً بخصوص الكثير من القضايا، إلا إننا نعتقد أن أي اصلاح لا يمكن القيام به، دون الكشف عن قتلة المتظاهرين أولا وتقديمهم إلى القضاء، وفتح ملفات الفساد بالكامل، والبدء من أكبرها، وإعادة النظر بعملية تخريج آلاف الطلبة ضمن اختصاصات غير مطلوبة في سوق العمل، وحل مشكلة الكهرباء والسكن والبطاقة التموينية. كما أن بقاء الجهات الرسمية المعنية بالشباب دون انجاز يُذكر، سيسهم في تعزيز الازمة، فوزارة الشباب والرياضة، واللجان الحكومية والبرلمانية، وفي المحافظات، المعنية بالشباب، كلها مقصرة، ولا بد لها من إطلاق مشروع متكامل، للعناية بأبناء وبنات هذه الشريحة، وتطوير امكانياتهم، وتمكينهم، وخلق الفرص أمامهم، من خلال التخطيط والتنسيق مع المنظمات الشبابية، والناشطين في هذا المجال.

 ولا يفوتنا القول، إن أحد اهداف الشباب الرئيسية، هو اجراء انتخابات نزيهة عادلة، تكون كفيلة لتغيير الخارطة السياسية التي تهيمن على مجريات تخطيطها ورسمها، قوى تنفذ إرادات خارجية، وذلك لا يكون طبعا، إلا من خلال حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة الأمنية، والقضاء على المليشيات والمجاميع المسلحة والعصابات المنفلتة، واقرار قانون انتخابي عادل، وضمان استقلالية المفوضية، وحل اشكالية المحكمة الاتحادية، والمحاسبة القانونية دون رحمة، لكل أشكال الخطاب العنصري والطائفي، والقيام بمحاسبة فضائيات وإذاعات الفتنة والقتل، التي تروج لسياسات دولية واقليمية، وحرضت كثيرا على قتل المنتفضين، وبررت نيران الاسلحة المنفلتة، ومطالبتها بمصادر تمويلها، وفرض ضوابط النشر عليها قبل غيرها. فضلا عن الحاجة الماسة ايضا، إلى تفعيل كل المواد الدستورية المتعلقة بحقوق الشباب، وتوفير البيئة اللازمة لعودة النازحين، والحفاظ على شبيبة المكونات الأصيلة، من الهجرة هربا من هذا الواقع.

 إننا في هذا اليوم، لم نطالب بمطالب شبابية خاصة لأبناء هذه الشريحة، إيمانا منا بأن جوهر المشكلة يكمن في إصلاح النظام السياسي قبل كل شيء، ومحاسبة الفاسدين. وارتباطاً بما شخصه شباب الوطن المنتفضون والذي جاء كتأكيد وتأييد شرعي لما نقوله، فبفعل الانتفاضة وثمراتها، أصبحت الرؤية الشبابية شبه موحدة بهذا الخصوص، كدليل على تنامي الوعي الشبابي وتطوره.

 لذلك نقول أنّ الشروع بهذه الخطوات التي أشرنا لها، ستكون كفيلة بالتفاف الشباب حولها، وحمايتها من الفاسدين، وتعزيزها للقيام بخطوات لاحقة، أو استمرار المواجهة خلافا لذلك، وتصاعد حدتها، لمحاسبة الحكومة مجددا أن تخلت عن وعودها.

 نستذكر في هذا اليوم، شهداء اتحادنا طيلة مسيرته النضالية، وآخرهم الذين سقطوا في سوح الاحتجاج، لتسيل دمائهم الزكية مع اخوانهم المنتفضين.

 كما نلفت في هذه المناسبة، إلى اعتياد اتحادنا على القيام بمهرجانات كبيرة في بغداد ومختلف المحافظات، لإحياء يوم الشباب العالمي، ولكن الظروف الصحية التي تحيط بنا، جعلتنا نؤجل هذه الاحتفالات، ونشارك وننظم حملات ميدانية ضخمة انطلقت منذ بداية الجائحة، لتوفير المساعدات للمحتاجين، والمواد الطبية والاوكسجين لتجاوز الازمة. ولدعم جهود الكوادر الطبية والتمريضية. حيث تم كل ذلك بجهود اتحادية كبيرة ومميزة بادر بها زميلات وزملاء وأصدقاء الاتحاد.

 نتقدم مجدداً إلى شباب العراق والعالم، في هذه المناسبة، بالتهنئة والأمنيات الصادقة بالآمن والازدهار.

كُل عام، وكُل يوم، وأنتم الأمل

 المكتب التنفيذي لاتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي

  ١٢اب  ٢٠٢٠

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل