/
/
/
/

طريق الشعب

يجري الحديث مؤخرا عن بحث الدولة على موارد غير نفطية لتدارك الانهيار المالي جراء أزمة النفط العالمية. وبالرغم من تكرار هذا الحديث والتنبيه والمقترحات التي ترسم مشاهد عديدة للخروج من عنق الزجاجة، إلا أن هذه المشاهد لا تسلط الضوء على جوانب يمكن أن تقدم للحكومة أموالا طائلة يكتنزها الفساد يوميا، وفي مقدمتها قطاع النقل، والجباية التي تؤخذ عنوة من المواطنين خارج إطار الدولة.

فساد امام أنظار الجميع

عندما يريد أي مواطن، السفر برا من مرآب النهضة وسط بغداد، إلى أي محافظة، سيرى كيف يتقاتل عليه سائقو المركبات عند أول تقاطع مروري بشكل مخزي، وعلى بعد أمتار من هذا المرآب الرسمي، من أجل الانطلاق برحلة لا تمتلك التنظيم القانوني، ولا الجباية النظامية أيضا.

ويقول مصدر في وزارة النقل لـ"طريق الشعب"، إن "الفساد وصل إلى مرحلة خيالية في المرائب. ولو تحدثنا عن أهمها (مرآب النهضة) فسنرى كيف تم تركه فريسة سهلة لمخالب الفساد، وأصبح سائقو المركبات الخصوصية يعملون خارجه وعلى بعد أمتار منه على أرصفة الشوارع".

ويلفت المصدر الذي لم يكشف عن هويته، إلى أن "البعض القليل من السائقين الملتزمين يمارسون عملهم داخل المرآب، وأصبح الشارع بمثابة البديل للأخرين وهم الأغلبية، لأنه يضمن دفع الجباية لجهات فاسدة تمنع وصول هذه الأموال إلى الدولة"، مبينا أن "هذه العملية تخالف القانون الذي يفرض على إدارات المرائب المهمة العمل بنظام (الشفتات) لضمان دوامها خلال الليل والنهار، ولكن الذي يجري، هو إغلاق هذه المرائب أبوابها بعد الظهر وترك الأمر لعصابات الشوارع التي تسيطر على هذا الملف، لتقوم بجباية أموال طائلة بشكل يومي تتقاسمها مع المتنفذين المتورطين".

ويؤكد المصدر لـ"طريق الشعب"، إن "لدى وزارة النقل ما يسمى بـ(المعيارية) بخصوص المرائب، وهي تعني تقديم حسب توقيتات معينة، مبالغ واردة من الجباية إلى الحكومة، حيث تقدر المعيارية حسب نشاط المرآب، ولكن الفساد وصل إلى مرحلة أصبحت فيها المعيارية اللازمة لا تتحقق في بعض الحالات"، فيما أشار إلى أن "مرآب باب المعظم، مات منذ فترة طويلة وأصبح الشارع هو البديل له ليواصل الفاسدين نفس العملية في جانب آخر من مناطق العاصمة، على الرغم من أهميته الجغرافية وكبر مساحته".

ويتابع المصدر، أن "رواتب موظفو وزارة النقل من الوزارة نفسها وليست من وزارة المالية، لأن مؤسساتها رابحة وقادرة أن تمول الدولة في محنتها، أن اوقفت مظاهر الفساد وضبط إيقاع الجباية المنسي".

وبشأن نظام الجباية الالكتروني، يلفت إلى أنه "يقلل من الفساد بشكل كبير، ولكنه لم ينجو من مكر الفاسدين، حيث تم تعطيله ببعض المرائب وتغييبه في اخرى، مع الإشارة إلى أن هذا النظام وعلى الرغم من بساطته، لم يكن بأياد عراقية وتم التعاقد مع شركات اجنبية في شكل جديد للفساد".

رأي الوزارة

وزارة النقل علقت من جانبها على الموقف من الجباية ومتابعتها لهذا الملف.

ووفقا لناطقها الرسمي، سالم السوداني، الذي صرح لـ"طريق الشعب"، فأن "الوزارة متمثلة بالشركة العامة لإدارة النقل الخاص تقوم بنصب مفارز خارج المرائب لمحاسبة المخالفين والحد من ظاهرة النقل الجائر"، منوها إلى أن "مشروع الجباية الالكترونية والبوابات الذكية معمول بها في أغلب المرائب التابعة للشركة العامة لإدارة النقل الخاص في بغداد والمحافظات، والآن الوزارة في صدد انجاز عدد من البوابات في المرائب ذات الجدوى الاقتصادية ليتم تعميم هذه الظاهرة المتطورة والحضارية لتنظيم العمل والنهوض بواقعه، حيث تم التعاقد مع احدى الشركات الرصينة على تفعيل سبعة عشر مرآب للعمل بنظام البوابات الذكية".

عصابة الجباية في الباب الشرقي

أما مرآب الباب الشرقي، وسط العاصمة، فيشهد فسادً كبيرا ما زال مستمرا.

قصة المرآب قد تكون الأكثر وضوحا من غيرها بالنسبة إلى المواطنين، حيث يتم إغلاقه رغم أهميته وحيويته في النهار، لتباشر بعد ذلك أحدى العصابات الخطيرة بجباية الأموال من محيط ساحة الطيران، والاعتداء على أي سائق مركبة يمتنع عن الدفع.

ويؤكد ذلك المواطن محمد ناصر، وهو سائق مركبة على خط الحسينية - الباب الشرقي، حيث يقول لـ"طريق الشعب"، إن "الكراج الموحد في منطقة الباب الشرقي، مهمل وأبوابه تغلق في الساعة الثانية ظهراً، لتقوم مركبات نقل الركاب بعد ذلك بالعمل خارجه وفي مكان محدد تسيطر عليه عصابات خطيرة تتمترس في محيطه". ويشير إلى أن "أغلب المركبات تقوم بذلك حتى خلال فترة الدوام الصباحية للمرآب"، مضيفا بأن "العصابات التي تسيطر على هذه الجباية لديها اتفاقات مع مسؤولي المرآب يقضي بسماح هيئة الجباية بجمع المبالغ الرسمية لغاية الساعة ١ ظهراً، وبعد ذلك تتولى هذه المجاميع جمع مبالغ كبيرة من السائقين من اجل السماح لهم بالعمل في المنطقة".

ويؤكد ناصر، أن "مبلغ الجباية الرسمي من مرآب الباب الشرقي هو 1000 دينار فقط، ولكنه يكون 5000 دينار بعد الإغلاق المبكر والتوجه للعمل في محيط سيطرة العصابات المسلحة"، فيما شدد على أن "العصابة هذه تابعة لأحدى الجهات المسلحة المتنفذة، ويديرها شخص يدعى (حجي رائد) يقوم بالتنسيق مع بعض المنتمين للأجهزة الأمنية وبعض رجال المرور، مقابل تقديمه الرشاوى للسماح لعصابته بممارسة عملها تحديدا في أحد الشوارع الفرعية القريبة من ساحة الطيران".

عصابة الباب المعظم

وفي مرآب الباب المعظم، الذي يعزز الحديث عن هذه الأجواء الشاذة والمهيمنة على حياة المواطنين، يقدم المواطن، محمد رزاق، وهو سائق باص كبير (كوستر) حصيلة تجربته وخبرته بالتعامل مع هذه العصابات الاجرامية.

ونظرا لرزاق، الذي يعمل على خط منطقة الشعب – الباب المعظم، وحسب تأكيده لـ"طريق الشعب"، فأن "هذا المرآب الموحد مهمل منذ عام 2003 وأصبحت حركة النقل للمركبات تنشط عند الشارع الرئيسي المحاذي لمدينة الطب ومجمع كليات الهندسة والتربية الرياضية والتمريض، وتؤدي إلى زحام شديد في المنطقة".

وعلى غرار الوضع في مرآب الباب الشرقي، يوضح المواطن أن "عصابة خطيرة تسيطر على عملية الجباية وتأخذ من صاحب الباص مبلغ 3000 دينار للسماح له بالوقوف واركاب المارة، وفي حالة امتناعه عن الدفع، فأعضاء العصابة لا يتوانون عن الاعداء عليه وطرده أو استخدام الصلاحيات المرورية عبر الرشى لإصدار الغرامات بحقه، وتسخير جهات قانونية متواجدة بأموال الفساد لمضايقته".

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل