/
/
/
/

تواجه حكومة الكاظمي التي ولدت من رحم الصراعات السياسية المستعصية، وخلال انتفاضة شعبية قدمت التضحيات الكبيرة لإصلاح النظام السياسي، جملة تحديات، بضمنها كيفية نيل ثقة المنتفضين. الكاظمي أعلن عند تسمنه منصب رئيس الوزراء، أن مناهجه سيلبي مطالبهم، ويكشف عن قتلتهم، ويباشر في إجراءات إصلاحية لإيقاف التدهور الحالي، ولكن الرأي الاحتجاجي يعتقد في المقابل أن الخطاب والوعود غير كافية ما لم تقترن بنتائج ملموسة.

تصعيد واسطي وطمأنة حكومية

طيلة فترة الانتفاضة الشعبية، قوبلت مطالب المنتفضين، وحراكهم السلمي، بخطابات تحريضية من المتنفذين، وتم التركيز على شيطنة همومهم وشعاراتهم المطلبية، بل راح الأمر إلى غض البصر عن المجازر الدموية التي ارتكبت بحقهم، ومحاولات تشويه صورتهم وسمعتهم، والقيام بمناورات فاشلة لتجاهل حجم الدمار الذي تسبب بكل هذا الغضب الشعبي ولتوجيه اهتمامات الرأي العام إلى مناطق غير مهمة.
الجديد في الموضوع هذه المرة مع حكومة الكاظمي التي تقف أمام اختبار حقيقي، إرسالها وفدا من المستشارين إلى المتظاهرين في محافظة واسط الذين قرروا التصعيد في حقل الأحدب النفطي لإقالة المحافظ ونائبيه، والتأكيد على مطالب أخرى ما زالوا يشددون عليها ضمن الإطار العام للانتفاضة الشعبية. حيث جرى اللقاء بين الطرفين، في شكل مغاير لأساليب القمع التي اعتادها المنتفضين طيلة الأشهر الماضية.
الوفد الذي زار موقع التظاهر، ظم بحسب ما يؤكده الناشط في المحافظة، سجاد سالم، "المستشارين في الحكومة الجديدة، الدكتور هشام داود، وعبد الحسين الهنداوي، لغرض التباحث مع المتظاهرين بشأن هذا التصعيد المستمر في الحقل النفطي وأسبابه، والحديث عن بقية مطالب الانتفاضة التي ما زالت بانتظار الاستجابة".
سالم يؤكد أيضا، أن "حوارً جرى بين الطرفين، وتم الإيضاح للوفد الحكومي مدى الغليان الشعبي، تجاه الحكومة الاتحادية بشكل عام، وحكومة واسط على وجه الخصوص، لما رافق عمل الأخيرة من فشل ذريع، فيما لفت الوفد إلى أن المطالب التي يرفعها المواطنين، سليمة ولكن وفق البرنامج الحكومي للكاظمي، فالأمر يتطلب بعض الوقت والتخطيط للشروع بالإجراءات الكفيلة بتوفير قناعة للمواطنين لإيضاح مدى الجدية بالتوجه إلى حل المشاكل المتراكمة".
وبشأن خيارات المتظاهرين في هذا المشهد، يوضح الناشط، أنها "حددت بين المضي في التصعيد الاحتجاجي أمام حقل الأحدب، أو التهدئة إذا تمت إقالة المحافظ ونائبيه". وينوه إلى أن "الوفد أستمع إلى المتظاهرين الذين نقلوا رسالتهم بوضوح وأكدوا انتظارهم الحكومة للقيام بردود فعل تتماشي مع همومهم، من خلال تقديم طلب إلى البرلمان، لإقالة المحافظ كإخلاء مسؤولية أمام الغضب الشعبي، علما أن الوفد الحكومي هو الأول من نوعه الذي يزور المحافظة. ولكن تبقى مسألة الثقة الشعبية في هذه الحكومة، مرهونة بالاستجابة الجدية للمطالب الجوهرية قبل كل شيء".

متطلبات إعادة الثقة

الحديث عن كيفية إيجاد الثقة بين المنتفضين والحكومة، ليس جديدا، ولكن الجديد هذه المرة أمل المواطنين بعد التجارب المريرة، بأن تكون حكومة الكاظمي مختلفة عن سابقاتها، هذا لو تجاهلنا ظروف ولادتها السياسية، وركزنا على ما رافقها من خطاب يحاكي قضايا حساسة لدى المنتفضين في وضع بالغ الخطورة والتعقيد، فضلا عن بعض القرارات المطمئنة مبدئيا التي اتخذت خلال أول اجتماعين لمجلس الوزراء.
بناءً على ذلك، يعتقد المحلل السياسي، احسان الشمري، أن "مرحلة بناء الثقة بين المتظاهرين والحكومة، يوجب على الأخيرة أن تباشر بتشكيل لجنة تحقيقية للكشف عن المتورطين بقتل وجرح وترهيب آلاف المنتفضين، فاتخاذ مثل هذه الخطوة، يمكن اعتبارها بداية جيدة لبناء هذه الثقة. إضافة إلى ضرورة الاقتراب بشكل مباشر من سوح الاحتجاج، وهذا الأمر ينحو باتجاه مسارين، الأول من خلال اللقاءات المباشرة مع المحتجين في ميادينهم، والحوار معهم حول كيفية تحقيق المطالب، بينما يتضمن الثاني التواصل بإرسال الوفود الحكومية إلى عموم المحافظات المنتفضة، فضلا عن ضرورة الشروع برسم خارطة مهام حكومية تهيء للانتخابات المبكرة وتفاصيل أخرى ملحة".
أما السؤال الذي يطرح حاليا بشأن حكومة الكاظمي، إن كانت قادرة على الإصلاح الشامل، أو إنها معنية بوقف الانهيار فقط، يجيب الشمري عليه قائلا: "الحكومة الحالية هي لوقف الانهيار الذي تسببت به حكومة عبد المهدي، ولكسب ثقة المواطنين، أما التغيير الشامل المطلوب جماهيريا، فهو من المهام الرئيسية لحكومة ما بعد الانتخابات المبكرة، والذي يتعلق بشكل الاقتصاد والنظام السياسي والتعديلات الدستورية. ولكننا الآن أمام انهيار كبير يجب ايقافه".

آراء المواطنين

وفي البصرة التي كانت في صدارة المشاهد الاحتجاجية دوما، تنقسم الآراء بشأن جدية هذه الحكومة لتقديم أداء إيجابي يختلف عن حكومة عبد المهدي على أقل تقدير.
ويلخص هذه الآراء، الناشط في احتجاجات المحافظة، علي لمعلم، الذي يلفت إلى أنها "تنقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول منها يعتقد القيام بإجراءات حكومية شكلية لا أكثر، بينما الرأي الثاني يقول ربما من الممكن أن تولد حكومة من رحم المحاصصة والمعاناة، وتسير رغم كل المصاعب في الطريق الصحيح، إضافة إلى الرأي الثالث الذي يرى أنه قد تدفع الحكومة ضريبة للقيام بخطوات الإصلاح من خلال ردود فعل تشنها ضد الانتهاكات وحالات الفساد بعد وقوعها من قبل القوى المتنفذة، أي بما معناه، أنها لن تبادر، وإنما تنتظر وقوع الضرر واتخاذه كذريعة للمبادرة ضد المتنفذين".
ويتابع لمعلم، أن "الحكومة ولدت من رحم المحاصصة والجميع يعلم بذلك، ولكن يوجد أمل نسبي، بأن تتخذ خطوات ايجابية تتعلق بمطالب المتظاهرين وحمايتهم، والسعي للقيام بإصلاحات أمنية وسياسية، ولكن بشكل عام فالمواطنين متوجسين من الحكومة وينتظرون النتائج الفعلية لعملها"، مؤكدا أن "الجميع يتفق على وجود جهات قامت بقتل المتظاهرين، لذا يتوجب على الكاظمي، كبادرة حسن نية، المباشرة في كافة الإجراءات الممكنة لمتابعة الموضوع، وكذلك إقالة قائد شرطة البصرة، رشيد فليح، الذي أساء إلى المنتفضين في المحافظة، ومحاسبة قيادة قوات الصدمة على الاعتداءات والتصريحات التي كانت تبرر القتل والقمع والخطف للناشطين، والعمل على إقالة المحافظ لإخفاقه الكبير".

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل