/
/
/
/

نورس حسن
تواصل عمليات الاختطاف والاعتقالات غير الرسمية حتى اللحظة، استهداف المتظاهرين السلميين في مناطق متفرقة من البلاد، حيث يتحدث مواطنون من الشباب والشابات، عن تعرضهم الى أبشع وسائل التعذيب ومحاولات نزع الاعترافات بالقوة منهم، بعدما اقدمت قوات عسكرية ترتدي الزي المدني على اعتقالهم دون أوامر قضائية، فيما كشف فريق من المحامين المتطوعين للدفاع عنهم، وجود اتهامات كيدية تقوم بها القوات الأمنية، للإطاحة بهم ومحاكمتهم وفق تهم الارهاب او التخريب وغيرها من الادانات المفتعلة.

قوات أمنية بزي مدني

ويقول المواطن (س.ص) خلال حديثه لـ"طريق الشعب" إن "قوات مشتركة من استخبارات الداخلية والرد السريع ترتدي ملابس مدنية وتستخدم مركبات من دون أرقام، اقتحمت منزلي الذي اسكنه حديثاً في ساعات متأخرة من الليل وكسرت الباب الخارجي، وقامت باعتقالي دون تصريح رسمي".
ويشير المواطن الذي تعرض الى الاعتقال، إلى أن "اعتقاله جاء بعد متابعته أثناء خروجه من ساحة التحرير وهو عائد إلى منزله بتهمة 4 إرهاب"، مبيناً إن "فترة الاعتقال استمرت 20 يوماً حيث كان اليوم الأول منها في دار يقع في منطقة التاجيات ويضم 50 معتقلاً بضمنهم نساء وهم جميعاً ناشطين في التظاهرات".
ويوضح (س.ص)، إن "إحدى النساء المعتقلات بينت خلال حديثها لي، إنها اختطفت من ساحة الوثبة بعد خروجها من ساحة التحرير من قبل اشخاص يرتدون زيا مدنيا وأرغموها على صعود سيارة مدنية بالقوة"، لافتاً إلى أنه "تم نقلهم في اليوم الثاني من التوقيف إلى مطار بغداد وتحديداً في مقر خلية الصقور، إذ تم توقيفنا مع مجرمي الإرهاب الداعشي في قاعة رقم 4 في سجن المطار".

تعذيب الشباب والنساء

ويؤكد المعتقل، أنهم "كانوا يتلقون خلال هذه الفترة اشد أنواع التعذيب باستخدام الماء الحار والصعقات الكهربائية إضافة إلى الضرب المبرح"، مشيراً إلى أن "الموقوفين علموا أن جهات معنية بحقوق الإنسان والهلال الأحمر في صدد زيارة مكان الاعتقال، ولكن القوات الأمنية المتواجدة استبقت الزيارة ونقلت كافة الموقوفين على خلفية التظاهرات قبل وصول الجهات الحقوقية الى سجون سرية لم يعلموا مكانها أو تفاصيلها لأن عيونهم كانت معصوبة، فيما أعادت هذه القوات المعتقلين بعد مضي ساعات إلى مكان توقيفهم السابق مع مجرمي الإرهاب".
ويوضح، إنه "خلال التحقيق معنا كانت هناك ممارسات لإجبارنا على الاعتراف على اشخاص يقولون انهم داعمين للتظاهرات، فضلاً عن مطالبتهم باعترافنا بأعمال شغب والتعرض للقوات الأمنية"، مضيفاً، إن "أساليب التعذيب لم تكن تمارس تجاه الشباب المعتقلين وحدهم، وإنما طالت النساء أيضاً لإجبارهن وفق الأساليب ذاتها على تقديم اعترافات كاذبة لإلصاق التهم بهم".
ويبين المواطن خلال حديثه، إن "المعتقلات كانت تضم متظاهرين من الطلبة والأطباء والشباب الذين يقدمون للمتظاهرين دعما لوجستياً، فيما كانت اعداد النساء المعتقلات ليست بالقليلة"، منوهاً إلى أن "القوات الاستخباراتية قامت في لحظة إطلاق سراحي بسحب كافة مستمسكاتي واتصلت باهلي من اجل استلامي كوني لم اكن قادرا على السير، بعدها القوا بي في مكان قريب على مطار بغداد الدولي فاقداً للوعي، بسبب التعذيب والكسور التي تعرضت لها في أماكن متفرقة من جسمي ومنها إصابات بليغة تتطلب العلاج خارج العراق".

قمع غير مسبوق

ومن جهته، يوضح المواطن (ع.ل) الذي تعرض الى التشويه في الوجه جرّاء اصابته بكسر في فكه الأسفل، إن قوات مكافحة الشغب في يوم 26تشرين الأول اقتحمت ساحة التحرير، وانهالت بالضرب على كل من يسقط امامهم دون رحمة، إضافة الى اطلاقهم المستمر للغاز المسيل للدموع بصورة مباشرة اتجاه المتظاهرين.
ويؤكد (ع.ل)، وهو يتحدث لـ"طريق الشعب"، عن اعتقاله واصابته، إنه "في تلك اللحظات، اندفعت إحدى الفتيات المسعفات لمساعدة الجرحى ولكن قوات مكافحة الشغب امسكت بها وانهالت عليها بالضرب، وعندما تدخلت لمنعهم انهالوا علي بالضرب وتسببوا بكسر انفي وفكي الأسفل"، مبيناً أنه "بعد "خضوعي للعلاج عدت للمشاركة في التظاهرات، وتم اختطافي من ساحة الخلاني من قبل جهات مجهولة لم أستطع التعرف عليها لكوني بقيت معصوب العينين طول فترة الاعتقال التي استمرت ثلاثة أيام".
ويضيف قائلا، إن "الجهات التي اعتقلتني قامت باحتجازي في منزل يقع في منطقة زراعية مع 12 متظاهر آخر تم اعتقالهم بنفس الأسلوب، إضافة الى 4 فتيات ناشطات تم احتجازهن في الغرفة المجاورة لنا"، لافتاً إلى "عدم التعرض للتعذيب واقتصر توقيفنا على التحقيق وتوجيه اسئلة تتعلق بالجهات الداعمة لنا والتي ننتمي اليها، وفرضوا علينا عدم النشر على مواقع التواصل الاجتماعي اي شيء يتعلق بالتظاهرات او الدعوة اليها"، فيما أكد أنه "على الرغم من طريقة الاعتقال الاستفزازية واجبارنا على عدم المشاركة في التظاهرات إلا أنني عدت بعد إطلاق سراحي الى ساحة التحرير للمشاركة في التظاهرات".

اعتقالات داخل المستشفيات

ومن جانبه، يشير الشاب (ع.ك) الذي يعاني من إصابات عديدة في مختلف انحاء جسمه وصعوبة السير والحركة، خلال حديثه لـ"طريق الشعب"، إلى أنه "خلال تواجده في احد خيام الاعتصام في ساحة التحرير، حدث كر وفر بين قوات امنية ملثمة والمتظاهرين في الساحة في يوم 28 تشرين الأول الساعة 8 مساء، حيث اطلقت هذه القوات تجاه المتظاهرين قنابل صوتية ودخانيات في محاولة منهم لفظ التظاهرات، ووقع على اثرها الكثير من الجرحى والشهداء".
ويلفت إلى أنه "على إثرها اصيب بـ 23 شظية غرست في انحاء متفرقة من جسمه وأخرى دخانية استقرت في خاصرته سببت له عجزا بنسبة 75 في المائة في إحدى كليتيه"، مبيناً أن "هناك مجموعة من الشباب يرتدون الزي المدني عملوا على نقل مجموعة من الجرحى وكان من بينهم إلى أحد المستشفيات (رفض ذكر اسمها)، وأوضحوا للكوادر الطبية أثناء تلقينا العلاج بأنهم من اقاربنا أو اصدقائنا.
ويتابع الشاب، القول، إن "الطبيب المختص شك في طبيعة تصرفهم واسئلتهم الملحة حول الانتهاء من إتمام علاجنا، وعندها قام بتنبيهنا، اذ كنا ما يقارب 6 شباب جرحى، وطلب منا الخروج من الباب الخلفي للمستشفى بعد ابلاغ هؤلاء الشباب بأن حالتنا صعبة وتتطلب البقاء في المستشفى وآخرين تمت احالتهم الى صالة العمليات، وبذلك تم تهريبنا ونحن نحمل في أيادينا ضماد الجروح وقناني المغذيات والدم"، مشيراً إلى إن "الطبيب نصحنا بالتوجه إلى مستشفى آخر لتلقي العلاج ووعد بانه سيعمل على توصية أحد اصدقائه الأطباء هناك باستقبالنا وهذا ما تم بالفعل".
ويردف الشاب المصاب "لم نكن نحن الوحيدين في هذا الموقف وانما هناك الكثير من الشباب الجرحى اللذين اعتقلوا من داخل المستشفيات بعد تلقيهم العلاج".

حلق شعر فتاة معتقلة

وفي السياق، التقت "طريق الشعب"، بإحدى الفتيات الشابات التي تم اختطافها من مكان قريب من دارها بعد خروجها من ساحة التحرير والتي تعرضت الى حلق شعر رأسها بالكامل، فيما رفضت عائلة الشابة إعطاء تفاصيل أكثر حول الجهات التي قامت باعتقالها، والأسباب التي دفعتهم الى ارتكاب هذه الاعمال بحق ابنتهم، قائلين: "احنا ما صدكَنا بنتنا طلعت".

مفقودون أم معتقلون ؟

وفي غضون ذلك، التقت "طريق الشعب"، بمجموعة من الشاب المحامين المتطوعين للدفاع عن الموقوفين على خلفية التظاهرات.
ويقول المحامون، إن "الموقوفين المطلق سراحهم من المتظاهرين أخلي سبيلهم وفق الكفالة المالية لا الإفراج، اذ أنه في أي لحظة يتم استدعاؤهم الى المحاكمة وإصدار أحكام بحقهم حسب وجهة نظر المحكمة"، لافتين إلى أن "أغلب الشكاوى التي يتلقونها تتعلق بالتبليغ عن مفقودين بعد مشاركتهم في التظاهرات وليسوا موقوفين".
ويبين الشباب المحامون، إن "جهات امنية معينة تعمل على توقيف الشباب المتظاهرين دون أوامر قضائية، وبذلك لا تدرج اسماؤهم في حاسبة المحكمة، وفي هذه الحالة يعد الموقوف مفقوداً، خاصة وان اغلبهم اعتقلوا من الأماكن القريبة من ساحة التحرير"، مشيرين الى ان "هؤلاء المفقودين استمر حجزهم لمدة تصل الى 20 يوما يتلقون خلالها اقسى أنواع التعذيب والابتزاز والتحقيق غير القانوني، وعند الانتهاء من هذه الإجراءات يتم ادراج أسمائهم في الحاسبة، وهذا يعطي انطباعا لذوي المفقود ان ابنهم كان مفقودا وتم العثور عليه الان"، مستدركين، إن "ذلك لا يعني تبرئة المليشيات المسلحة والعصابات من عمليات الخطف والقتل التي تعرض ويتعرض إليها المتظاهرون، اذ هي الأخرى كان لها نصيب من ارتكاب أساليب إجرامية كهذه بعيدة عن سلطة القانون ذهب ضحيتها الكثير من المواطنين السلميين".

تعذيب وإتهام بالإرهاب

ويلفت فريق المحامين التطوعي، إلى أن " حالات كهذه يتم توجيه ذوي المفقود بتقديم شكوى لدى الادعاء العام بعد التأكيد من ان المفقود غير محتجز فعلا، وعلى الأخير ان يأخذ دوره في حل المشكلة"، منوهين إلى أنه "في بداية انطلاق التظاهرات كان مجلس القضاء الأعلى يعمل على تكييف المتظاهرين المتهمين وفق مادتي 222 و 240 من قانون العقوبات، التي يجبر وفقهما القاضي على إطلاق سراحهم بكفالة ولكن بعد 25 تشرين الثاني تغير تكييف المتظاهرين المتهمين على المادة 4 إرهاب، وهذا يعني معاملتهم كمجرمي إرهاب ولا يسمح بتوكيل محام للدفاع عنهم"، فيما أشاروا بخصوص قرار مجلس القضاء الأعلى بتحويل المتظاهرين الموقوفين من قانون الإرهاب الى قانون العقوبات إلى أن "هذا القرار شمل المتظاهرين الموقوفين بعد اصداره، ولم يشمل المتظاهرين الموقوفين قبل صدوره إذ استمر توقيفهم وفق المادة 4 إرهاب من قانون مكافحة الإرهاب".
ويؤكد المحامون، إن "المتظاهرين في الوقت الحاضر يتم ايقافهم وفق المادتين 197 و 198 من قانون العقوبات وفيها يحق للقاضي الحكم على المتهم بالسجن المؤبد او الافراج بكفالة ليستدعيه في وقت لاحق للمحاكمة، علماً إن المتظاهرين الموقوفين من قبل قوات الامن الوطني والاستخبارات يتم تكييفهم حتى الان وفق المادة 4 إرهاب، ويجرى تعذيبهم بأساليب قمعية متعددة بغية انتزاع اعترافات كاذبة، اما الموقوفين من قبل قوات وزارة الدفاع او الداخلية يتم تكييفهم وفق قانون العقوبات وهم في الغالب يفرج عنهم بكفالة"، لافتين إلى أن "المعتقلين بصورة غير رسمية متواجدون حتى الان في السجون ويتجاوز عددهم أكثر من ألف متظاهر معتقل، وذلك من خلال كمية الشكاوى التي وصلتنا من ذوي المفقودين".
ويضيف المحامون بشأن الضغوطات التي يتعرضون إليها، إننا "نعمل بسرية ولا نذكر اسماءنا، اذ منا من تعرض الى الاغتيال والتهديد وهنالك من تعرض الى الاختطاف وما يزال مجهول المصير كالمحامي علي جاسب، من محافظة ميسان، خاصة وان اغلبنا من الشباب المحامين الداعمين للتظاهرات السلمية"، مشددين على أن هنالك "توجيهات غير منصفة فرضتها محكمتا قضايا الإرهاب في الكرخ والرصافة على المحامين وهو السماح بالاطلاع على أوراق الدعوى فقط في يوم واحد من الأسبوع، وبهذا فأن علينا الانتظار لأسبوع كامل في حال تقديمنا لأي طلب، حيث أن هذا الاجراء حصرا على موقوفي التظاهرات وهو تكييف نلاحظه في العادة يطبق على مجرمي الإرهاب، والمتظاهرون ليسوا بإرهابيين، ولا نعلم أي ذنب اقترفوه ليبقوا في التوقيف لمدة اسبوع كامل".

تهم كيدية

ويشدد المحامون، على أن "هنالك ممارسات غير حقيقية رتبت لها قوات مكافحة الشغب من اجل إعطاء انطباع بأن الموقوفين كانوا يقومون بأعمال تخريبية وتم امساكهم بالجرم المشهود، عندما يتم التقاط الصور لهم وهم معصوبو العينين واليدين قرب قناني المولوتوف ولكن بعد التحقق من الامر تبيّن ان هذا الاجراء هو من اجل تلفيق التهمة على المتظاهرين، خاصة بعد التأكد من ذوي احد الموقوفين ان ولدهم تلميذ مدرسة وذهب الى ساحة التحرير برفقة زملائه وهو لا يحمل سوى حقيبته المدرسية والعلم العراقي الذي اشتراه من مصروفه الخاص والمحدود من ساحة التحرير"، لافتين إلى وجود معرقلات كثيرة تواجه عملهم، منها "عدم السماح بمقابلة موقوفي التظاهرات بسهولة، وان سمحوا بذلك وضعوا الكثير من المعرقلات التي تحول دون لقاء الموقوف وهذا ما يحيل عمل وكالات جزائية، ليعرض الموقوف مباشرة على قاضي التحقيق".
ويعتبر المحامون الشباب، إن "أسباب اتخاذ هذه الإجراءات هو لأن اغلب الموقوفين يتعرضون الى التعذيب بهدف انتزاع اعترافات كاذبة، وعند وقوفهم امام قاضي التحقيق يغيبون حقيقة تعرضهم الى التعذيب خوفا من تلقيهم تعذيبا اشد من السابق، وبذلك تدون اقوالهم في المحضر، وهنا يصعب على المحامي تغيير ذلك لكون الموقوف أكد ذلك بلسانه، ويكون المحامي امام الامر الواقع، ولهذا فأن السماح للمحامي اللقاء بالموقوف قبل قاضي التحقيق يعني اظهار الحقيقة وإدانة الجهات الأمنية، وهذا اجراء ليس بصالحهم"، منوهين إلى أن "مفوضية حقوق الانسان تمتلك صلاحيات أكبر من المحامين وبإمكان اعضائها الدخول الى المعتقلات واللقاء بالمتظاهرين، حيث إنها تعاونت مع المحامين بشأن إقامة الوكالات الجزائية مع الموقوفين في السجون وبذلك سهلت مهمة عمل الوكالات الجزائية من قبل الموقوف نفسه"، فيما طالبوا مجلس القضاء الأعلى بـ"اصدار توجيه جديد يمنع بموجبه التعامل بالأساليب القمعية مع الموقوفين على خلفية التظاهرات، خاصة وان إحالة المتظاهرين إلى محاكم خاصة بالإرهابيين ظلم كبير حتى لو كان المتظاهر عمل على قطع شارع عام".

وثائق مهمة

وعلى صعيد متصل، اطلعت "طريق الشعب" على وثائق خاصة تبين اعداد المعتقلين والمفقودين والشهداء والمهددين الذين قدم ذووهم الشكاوى الى نقابة المحامين في أيام متفاوتة من لحظة انطلاق التظاهرات في عموم محافظات العراق.
وتوضح الوثائق، إنه "في يوم 25 تشرين الأول ولغاية 18 تشرين الثاني سجل عدد المصابين 32، والمهددين 2، والشهداء 7، والمفقودين 12، بينما كان في يوم 12 تشرين الثاني عدد المصابين 93 والمعتقلين 52 والمفقودين 17 والشهداء 10، وفي يوم الاحد المصادف يوم 15 من الشهر ذاته ارتفع عدد المفقودين من المتظاهرين الى 22، بينما سجل يوم 25 اعتقال 45 متظاهرا و15 مفقودا".

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل