/
/
/
/

نشأة الطبقة العاملة العراقية:

يرتبط تاريخ الطبقة العاملة منذ نشأتها بتاريخ المجتمع العراقي الحديث، فمع دخول القوات الانكليزية الى البصرة في 5 تشرين الثاني 1914م ومعها رأس المال الاجنبي ومباشرتها بناء سكك الحديد والموانئ وغيرها من الهياكل الارتكازية الاساسية الضرورية لحركة الاحتلال وقواته، نشأت الطبقة العاملة العراقية، ولهذا امتزج صراعها الاقتصادي المطلبي بنضالها السياسي الوطني.

حقوق الطبقة العاملة

تكفل المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لكل شخص "حق العمل، وحرية اختيار عمله، وفي شروط عمل عادلة ومرضية، وفي الحماية من البطالة". وينص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في المادة 6(1) ،على "الحق في العمل الذي يشمل ما لكل شخص من حق في أن تتاح له إمكانية كسب رزقه بعمل". و تنص المادة 6 (2(على أن تتضمن "الممارسة الكاملة لهذا الحق توفير برامج التوجيه والتدريب التقنيين والمهنيين". وتنص المادة 1(2 ) من اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 122 لسنة 1964 بشأن سياسة العمالة؛  واجب الدول الأطراف على العمل على "توفير فرص عمل لجميع المحتاجين للعمل والباحثين عنه". وتنص المادة الأولى من الميثاق الاجتماعي الأوروبي على ما يلي: " تتعهد الدول الأطراف بقصد ضمان ممارسة فعلية للحق في العمل:

 .1الإقرار بأن أحد أهدافهم ومسؤوليتهم الأساسية هو تحقيق واستمرار أعلى مستوى للعمل وأفضله استقرارا بهدف تأمين الشغل للجميع.

 .2توفير حماية فعالة لحق العامل، في كسب معيشته من عمل يختاره بحرية.

. 3-إنشاء خدمات عمل مجانية لكل العمال أو بدعم استمرارها.

.4تأمين أو تشجيع التوجيه والتعليم والتأهيل المهني المناسب.

ويتضمن حق العمل عدد ساعات العمل والاجور والضمان الصحي للطبقة العاملة ومجانية التعليم لأبناء هذه الطبقة والتقاعد والضمان الصحي ومساواة المرأة العاملة بحقوقها اسوة بزميلها الرجل، اضافة الى حقوق اخرى .

هل حصل عمال العراق على حقوقهم؟

بعد الاحتلال البريطاني وتشغيل العمال العراقيين في السكك الحديد والموانئ وبعض المصانع لأصحاب الرأسمال، بدأ العامل العراقي يعي ضرورة ان يوازي الأجر الذي يكسبه جهده وقوة عمله، وطالب بذلك الا انه دائما كان يجابه بالرفض والفصل من العمل، فكانت هذه اولى ملامح تشكل الوعي بالمطالبة بالحقوق، مما استدعى ذلك تشكيل قيادات عمالية تطالب بحقوقهم،

فكانت نقابة الزيوت ونقابة السكك الحديدية والموانئ ونقابات النفط ونقابة معمل السكائر وغيرها من النقابات الفاعلة، وقد قادت تلك النقابات اضرابات واعتصامات العمال المطالبة بحقوقها، زيادة الاجور وتقليل ساعات العمل والضمان الصحي، ونجحت النقابات بالحصول على بعض المطالب.

وتعتبر اهم محطة للقوى العاملة في حصولها على حقوقها هي بعد ثورة الرابع عشر من تموز الخالدة عام 1958، اذ تم انشاء المعامل وتشغيل عدد كبير من الايدي العاملة العراقية وتم تعديل اجورهم بما يضمن لهم عدالة في ما يقدمه العامل من جهد وكذلك حصلوا على الضمان الصحي، ومنح الاجازات لتشكيل النقابات، الا ان هذه الحقوق سرعان ما تراجعت بعد انقلاب شباط الاسود عام 1963، واجهضت كل مكتسباتهم وحقوقهم التي حصلوا عليها.

ولم تسكت الطبقة العاملة عن سلب حقوقها فكان اضراب عمال الزيوت وهو يعتبر أكبر اضراب للطبقة العاملة في كانون الثاني من عام 1968.

الطبقة العاملة العراقية خلال ثلاث فترات تأريخية

1- الطبقة العاملة العراقية في ثمانينيات القرن الماضي:

 تعتبر تلك الفترة من الفترات السوداء في تاريخ الطبقة العاملة العراقية نتيجة بدء الحرب العراقية الايرانية، ودعوة اغلب شباب العراق ومن ضمنهم العمال والكسبة، الى الالتحاق بالخدمة العسكرية والمشاركة في الحرب التي امتدت ثماني سنوات، ونتيجة لذلك ابتعد العمال عن معاملهم ومصانعهم في القطاع العام والخاص، وهي بذلك تبعدهم عن حقوقهم والمطالبة بها.

اما الانتاج فكان يتم عبر استقدام العمالة المصرية، والتي بلغ عددها أكثر من (3000000) عامل مصري اضافة الى عمال مغاربة وليبيين وتونيسيين، وغيرهم من العمالة الاجنبية، وبذلك ابتعدت الطبقة العاملة عن اماكن عملها ومكائن الانتاج، وبالنتيجة لا تستطيع المطالبة بحقوقها.

ولكن كانت هناك طبقة عاملة عراقية من كبار السن والنساء غير المشمولين بالخدمة العسكرية، عملت في القطاع الصناعي العام والخاص، ولكنها لا تستطيع المطالبة بحقوقها نتيجة نظام الحكم الدكتاتوري، وتحويل النقابات العمالية الى دوائر مخابراتية ومؤسسات حكومية مرتبطة بالنظام الحاكم. فكان هاجس الخوف من الاعتقال ممن يطالب بحقوقه.

اضافة الى ذلك في تلك الفترة تم التحول تدريجيا من التصنيع المدني الى الصناعة الحربية، وتم تحويل بعض معامل القطاع العام التي تنتج سلعا وبضائع مدنية، الى معامل لتصنيع الاسلحة.

واهم سبب في سلب حقوق العمال هو قرار (150) لسنة (1987) والذي بموجبه تم تحويل العاملين في "دوائر الدولة والقطاع الاشتراكي" الى موظفين، مما منع العمال من تشكيل نقاباتهم وكذلك سلب حقوقهم في ضمان العمل.

كل ذلك، من تجنيد العمال وتحويل الصناعة المدنية الى حربية، واستقدام العمالة المصرية وقرار (150)، ادى الى اضعاف الطبقة العاملة وانتهاك حقوقها.

2- الطبقة العاملة العراقية في فترة التسعينيات:

بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية، دخل العراق في حرب اخرى بعد احتلال الجارة الكويت وتحريرها بقوات دولية، وفرض على العراق حصارا اقتصاديا وعسكريا، مما دعا الى ضرورة اعادة العمل من اجل مقاومة الحصار المفروض في تلك الفترة انتعشت معامل القطاع الخاص، والورش الصغيرة الانتاجية كمعامل البلاستك وورش الخراطة اضافة الى انتعاش مهن اخرى كالنجارة والحدادة وغيرها، وكذلك العمل في قطاع البناء (حملة الاعمار التي فرضها النظام لبناء منشآت تخصه)، وان كانت تلك المشاريع لا تخدم ابناء الشعب، الا انها استقطبت ايدي عاملة، من خلال بناء القصور الرئاسية في كل محافظات العراق وجسر الطابقين وبعض المنشآت، مما دعا ذلك الى اعادة الطبقة العاملة الى اماكن العمل (مع الماكينة).

وكان في تلك الفترة انتهاك كبير لحقوق العمال، والمتمثلة في العمل لساعات طويلة من الصباح الباكر الى اوقات متأخرة من المساء وبأجور متدنية لا تكفي لسد احتياجاتهم، سواء كان ذلك في القطاع الخاص او في قطاع البناء، اما القطاع العام فقد هجره اغلب العمال، لتحويله الى معامل تابعة للتصنيع العسكري.

ونظرا لبطش النظام وظلمه لم تتشكل في تلك الفترة قيادة عمالية قادرة على المطالبة بحقوق العمال، لان النقابات كانت تابعة للنظام وهي مؤسسة بوليسية ومخابراتية، مما أفقد العمال حقوقهم وقدرتهم على المطالبة بها.

3- فترة ما بعد الاحتلال:

بعد تغيير النظام عام (2003) واحداث السلب والتخريب والنهب وتدمير الصناعة العسكرية، وتعرض ما تبقى من القطاع الصناعي العام الى السرقة، تراجع القطاع الصناعي بشكل كبير وانتشرت البطالة، اضافة الى تحول العراق الى بلد مستهلك للبضائع الاجنبية، نتيجة فتح الحدود على مصراعيها ودخول العراق الى ما يسمى "السوق الحر"، (اي عدم تدخل الدولة في الأنشطة الاقتصادية وترك السوق يضبط نفسه بنفسه).  وقادت تلك الفوضى الى توقف العمل، بالرغم من وجود معامل قادرة على الانتاج كالشركة العامة للصناعات الجلدية والشركة العامة للزيوت النباتية والشركة العامة للسكائر اضافة الى الشركة العامة لصناعة الالبان ومشتقاتها والصناعات البتروكيمياوية وغيرها، الا ان هذه القطاعات الصناعية لم تلق الدعم المطلوب من قبل الدولة، مما ادى الى تراجع انتاجها والحديث عن خصخصتها. 

آليات تحقيق حقوق الطبقة العاملة

لتفعيل الاليات لضمان المطالبة بحقوق الطبقة العاملة، لابد من تحقيق الاولويات التالية:

** اعادة تشغيل المعامل وتدوير عجلة الانتاج.

** تشكيل النقابات.

** تشريع القوانين الضامنة لحقوق الطبقة العاملة.

تحقيق هذه المحاور الثلاثة هو تهيئة الطبقة العاملة للانطلاق والمشاركة في رسم السياسة الاقتصادية للبلد، التي تعتبر العصب الاساسي لبناء الاقتصاد.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل