
ليس دفاعي عن الحزب الشيوعي العراقي دفاعاً عن الأخطاء أو تبريراً لكل ممارسة تنظيمية، فأنا من أشد المنتقدين لأي تصرف يبتعد عن الديمقراطية أو ينتقص من قيمة النقد والنقد الذاتي داخل الحزب. لكنني، في الوقت نفسه، أرفض بشدة حملات الانتقاد الجائرة التي تتخذ من بعض الملاحظات التنظيمية ذريعة للنيل من الحزب وتاريخه النضالي، والتشكيك في مواقفه وتضحياته التي امتدت لعقود، في واحدة من أكثر البيئات السياسية قسوة وتعقيداً في تاريخ العراق الحديث.
ومن اللافت أن زخم هذه الحملات قد ازداد بصورة ملحوظة بالتزامن مع التوجه لعقد المؤتمر الوطني الثاني عشر للحزب الشيوعي العراقي. وهذا التزامن يستدعي التوقف عند طبيعة هذه الانتقادات وأهدافها، والتمييز بين النقد الذي ينطلق من الحرص على تطوير التجربة الحزبية، وبين محاولات التشهير التي تتخذ من الخلافات التنظيمية وسيلة للحط من مكانة الحزب والتقليل من دوره التاريخي والسياسي.
وأنا لست ضد هذه الانتقادات عندما تكون موضوعية ومسؤولة، بل أرى فيها فرصة لتهيئة مادة فكرية وتنظيمية تساعد على تطوير الحياة الداخلية للحزب، وتشخيص مكامن الخلل وتصحيح مسارات العمل الحزبي. فالحزب الذي لا يراجع تجربته ولا يصغي إلى النقد يفقد تدريجياً قدرته على التجدد ومواكبة المتغيرات.
لكن ما يثير الاستغراب أن جانباً من هذه الانتقادات تجاوز حدود النقد البناء، ولم يعد يستهدف مناقشة الأخطاء أو تقديم البدائل والمقترحات، بل اتجه نحو التشهير والحط من قدر الحزب وإنكار دوره وتضحيات أجياله. وكأن الغاية لم تعد الإسهام في تطوير تجربته، بل إضعاف صورته والنيل من رصيده الوطني والنضالي.
ثمة فرق كبير بين من ينتقد الحزب حرصاً على مستقبله، ومن يتخذ من أخطائه أو خلافاته التنظيمية فرصة لتصفية حسابات سياسية أو فكرية معه. الأول يفتح أبواب الإصلاح، أما الثاني فيستخدم النقد غطاءً للتشهير والإساءة.
إن الحزب ليس فوق النقد، لكن تاريخه ليس مباحاً للتشويه، والاختلاف مع بعض مواقفه أو قياداته لا يمنح أحداً الحق في اختزال مسيرته أو إنكار دوره الوطني والاجتماعي.
*أولاً: المركزية الديمقراطية ليست نقيضاً للديمقراطية*
إن مبدأ المركزية الديمقراطية، الذي يستند إليه التنظيم الحزبي الشيوعي، يقوم على معادلة تجمع بين حرية النقاش ووحدة العمل، وليس على إلغاء الرأي الآخر أو فرض الطاعة العمياء.
وتتجلى هذه المعادلة في ركيزتين أساسيتين:
1. حرية الحوار وصناعة القرار: من حق أعضاء الحزب ومنظماته مناقشة القضايا السياسية والتنظيمية وإبداء آرائهم، بما فيها الآراء المخالفة، بحرية ومسؤولية، بعيداً عن التخويف أو التخوين.
2. احترام قرار الأغلبية وحقوق الأقلية: بعد اتخاذ القرار وفق الأصول الديمقراطية، يصبح الالتزام به واجباً تنظيمياً، مع ضمان حق الأقلية في الاحتفاظ برأيها والدفاع عنه داخل الأطر الحزبية، وإعادة طرحه في المؤتمرات والاجتماعات اللاحقة. هذه ليست قيوداً على الديمقراطية، بل محاولة للجمع بين تعدد الآراء والقدرة على الفعل السياسي المنظم. فالحزب الذي لا يستطيع اتخاذ قرار موحد يفقد فاعليته، والحزب الذي لا يسمح بالنقاش الحر يفقد حيويته وقدرته على التجدد.
ومن هنا، فإن المطالبة بالتخلي عن الهوية التنظيمية أو تحويل الحزب إلى تجمع مفتوح بلا ضوابط ليست بالضرورة دعوة إلى الديمقراطية، بل قد تكون دعوة إلى تفريغه من طبيعته الحزبية ودوره السياسي.
*ثانياً: النقد الداخلي لا يبرر الحملات الظالمة*
لا يمكن إنكار أن التجربة التنظيمية، شأنها شأن أي تجربة سياسية طويلة، قد شهدت أخطاء وثغرات في التطبيق. وربما أدت بعض الظروف الأمنية والسياسية الصعبة إلى تغليب الاعتبارات المركزية على مساحة النقاش، أو إلى التعامل بحساسية مفرطة مع بعض الآراء المخالفة.
كما أن تحويل النقد الموجه إلى سياسة أو قرار قيادي إلى مسألة شخصية أو اتهام بالمساس بوحدة الحزب يمثل خللاً ينبغي معالجته، لا الدفاع عنه.
لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين أمرين:
الأول، نقد ممارسة تنظيمية أو قرار سياسي أو أداء قيادي، وهو حق مشروع وضروري لتطوير الحزب.
والثاني، استغلال هذه الملاحظات لتعميم الاتهامات، وتصوير الحزب بأكمله على أنه تنظيم منغلق أو متسلط، والتنكر لتاريخه وتضحيات أعضائه، وهو موقف لا علاقة له بالنقد الموضوعي.
ليس من المنطقي أن تتحول كل ملاحظة إلى حكم شامل على تجربة سياسية امتدت لعشرات السنين، ولا أن تُستخدم بعض الأخطاء الفردية لمحو سجل طويل من النضال الوطني والديمقراطي.
إن المؤتمر الثاني عشر ينبغي أن يكون محطة للمراجعة والتجديد، لا مناسبة لتصفية الحسابات أو التشكيك بالتجربة برمتها. فالمطلوب هو نقد يساعد على البناء، لا خطاب يهدم ما تحقق دون أن يقدم بديلاً أو رؤية واضحة للمستقبل.
*ثالثاً: حقوق الأقلية وأصوات الأصدقاء والجماهير*
إن قوة الحزب لا تُقاس فقط بقدرته على تنظيم أعضائه، بل أيضاً بمدى انفتاحه على المجتمع واستعداده للاستماع إلى جمهوره وأصدقائه والمتعاطفين مع مشروعه السياسي.
ومن المهم ألا يقتصر الاهتمام بالرأي الآخر على داخل الأطر التنظيمية، فهناك شخصيات وطنية وثقافية وتقدمية وجماهير واسعة تتقاطع مع الحزب في أهدافه، وقد تمتلك ملاحظات ورؤى تستحق الإصغاء والاهتمام.
إن تجاهل هذه الأصوات أو التعامل معها باعتبارها خارج المؤسسة التنظيمية قد يؤدي إلى إضعاف الصلة بالشارع، في وقت يحتاج فيه الحزب إلى توسيع حضوره الاجتماعي والسياسي، والاستفادة من تجارب الآخرين وملاحظاتهم.
فليس كل من ينتقد الحزب خصماً له، وليس كل من يختلف مع قيادة معينة يقف بالضرورة ضد مشروع الحزب. وقد يكون بعض أشد المنتقدين اكثر حرصاً على استعادة الحزب لدوره الجماهيري ومكانته السياسية.
لكن في المقابل، لا ينبغي الخلط بين هذه الأصوات الحريصة وبين من يتعمد استغلال مساحة الاختلاف لتشويه الحزب والتقليل من شأنه. فالمعيار الحقيقي ليس مجرد توجيه النقد، بل مضمونه وأهدافه ومدى استعداده لتقديم رؤية إصلاحية مسؤولة.
*خاتمة: الدفاع عن الحزب لا يعني السكوت عن الأخطاء*
إنني، بقدر ما أدافع عن الحزب الشيوعي العراقي في مواجهة الانتقادات الجائرة ومحاولات النيل من تاريخه، أؤمن بأن الدفاع الحقيقي عنه يبدأ أيضاً من داخله، من خلال ترسيخ الديمقراطية، واحترام الرأي المخالف، ومراجعة الأخطاء بشجاعة.
إن الخوف من ذوبان هوية الحزب أو تحوله إلى مجرد نادٍ للنقاشات الليبرالية لا ينبغي أن يكون مبرراً لتشديد القبضة التنظيمية أو تضييق مساحة الحوار. فالحزب الذي يثق بتاريخه ومبادئه لا يخشى النقد، ولا يرى في الاختلاف تهديداً لوجوده.
لقد دفع الشيوعيون العراقيون أثماناً باهظة من أجل حرية الرأي والديمقراطية والعدالة، ومن غير المنطقي أن تتحول هذه القيم إلى مجرد شعارات في الخطاب السياسي، من دون أن تكون ممارسة راسخة في الحياة الداخلية للحزب.
وفي المقابل، فإن من يتناول تجربة الحزب بالنقد مطالب بالإنصاف والموضوعية، وألا يجعل من الاختلاف السياسي أو التنظيمي مناسبة لتشويه تاريخه أو إنكار تضحيات أجياله.
إن الحزب الشيوعي العراقي أكبر من أخطاء بعض أفراده، وأعرق من أن تختصره حملة انتقاد عابرة، وأعمق من أن تُقاس تجربته بموقف أو مرحلة.
فالدفاع عن الحزب ليس دفاعاً عن أشخاص أو مواقع قيادية، بل دفاع عن تاريخ وطني ونضالي، وعن مشروع سياسي آمن به آلاف العراقيين وقدموا من أجله التضحيات. أما تطوير الحزب وتجديد أدواته وتعزيز ديمقراطيته، فهو الطريق الذي يحفظ هذا الإرث ويمنحه القدرة على مواصلة دوره في الحياة السياسية العراقية.
نحن مع النقد الذي يصحح، ومع الاختلاف الذي يغني التجربة، ومع المراجعة التي تفتح آفاق المستقبل؛ لكننا لسنا مع تحويل النقد إلى أداة للتشهير أو وسيلة للنيل من حزب كان له، وما زال، حضور وتاريخ ودور في الدفاع عن قضايا الشعب العراقي.







