حين تختبر الأحداث الكبرى معادن الرجال ومواقف القوى السياسية، تسقط الأقنعة وتتراجع الشعارات أمام حقيقة المواقف. فمكافحة الفساد واسترداد المال العام لم يعودا مجرد عناوين انتخابية، بل معياراً أخلاقياً وسياسياً يكشف من يقف فعلاً إلى جانب الشعب، ومن يتخذ من معاناته وسيلة للوصول إلى السلطة والمغانم.

 *موقف يُحسب لأصحاب المبدأ*

تستحق وقفة احترام تلك القيادات التي لم تكتفِ بإطلاق الشعارات من خلف المكاتب، بل نزلت إلى ساحات الاحتجاج ووقفت بين الجماهير لإحياء ذكرى انتفاضة تشرين.

إن حضور سكرتير الحزب الشيوعي العراقي وأغلب قيادته إلى جانب الشباب المنتفضين والمطالبين بالحقوق ليس مجرد مشاركة في مناسبة سياسية، بل تأكيد على الوفاء للمبادئ والتمسك بمطالب انتفاضة قامت في مواجهة الفساد والمحاصصة، ومن أجل دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية.

إن قيمة هذا الحضور تكمن في أنه يجسد صلة حقيقية بالشارع، ويؤكد أن المواقف لا تتغير بتغير الظروف، وأن القوى السياسية التي تؤمن بمشروعها تبقى قريبة من الناس، لا تنعزل عن همومهم ولا تتخلى عن مطالبهم.

 *غياب أصحاب الشعارات*

في المقابل، يثير غياب كثير من ممثلي الأحزاب والكتل السياسية المتنفذة، وأصواتها التي لا تتوقف عن الترويج لشعارات الإصلاح ومكافحة الفساد، تساؤلات مشروعة: أين هم من ساحات تشرين؟ وأين شعاراتهم حين يكون المطلوب الوقوف أمام الناس ومطالبهم؟

المفارقة أن قوى سياسية تتصدر المشهد الإعلامي بخطاب مكافحة الفساد، فيما ترتبط شخصيات وجهات محسوبة على بعضها باتهامات وملفات فساد واستغلال للمال العام. وهنا تتضح الفجوة بين الخطاب والممارسة، وبين من يرفع شعار الإصلاح ومن يقبل فعلاً الاحتكام إلى مطالب الشارع ومحاسبة المتورطين.

 *تشرين.. امتحان المواقف*

إن العودة إلى ساحات تشرين ليست استعراضاً سياسياً ولا مناسبة عابرة، بل امتحان للضمير والمصداقية. وحين يقف الشيوعيون والوطنيون إلى جانب الجماهير، فيما يغيب أصحاب المصالح والامتيازات، فإن الفارق بين الموقف المبدئي والموقف النفعي يصبح أكثر وضوحاً.

أما الأصوات التي تحاول تشويه هذه المواقف أو طمس دلالاتها، فلن تغير من حقيقة أن الشارع يمتلك ذاكرة، وأن التاريخ لا يقيس السياسيين بما يقولونه، بل بما يفعلونه.

فتشرين لم تكن مجرد انتفاضة عابرة أو ذكرى سنوية، بل محطة كشفت حقيقة القوى السياسية ومواقفها من مطالب الشعب. وفي ساحاتها يتجدد الامتحان: من يقف مع الناس وحقوقهم، ومن يقف في الجهة الأخرى؟

فالصادقون وحدهم يعودون إلى الجذور، ويبقون في الساحات حين يغادرها المنتفعون.