
أوروبا اليوم أشبه ببيتٍ لا تزال واجهته براقة، بينما تتسع الشقوق في جدرانه الداعمة. فخلف الخطابات الرنانة عن التنافس والأمن والوحدة الأوروبية، يلوح واقعٌ مُقلق: دينٌ عامٌ متزايد، وتكاليف معيشة باهظة، ونموٌ ضعيف، واضطراباتٌ اجتماعيةٌ لم يعد بالإمكان إسكاتها.
تواجه فرنسا وإيطاليا وإسبانيا أوضاعًا اقتصادية مختلفة، لكنها تشترك في تحدٍ أساسي: كيف يمكن لهذه الدول تمويل التزاماتها في ظل ديون ضخمة، وأسعار فائدة مرتفعة، وصبر الشعب آخذ في النفاد؟ ففرنسا تعاني من مشاكل كبيرة في الميزانية، وإيطاليا من عبء ديون ثقيل، وإسبانيا من تحديات هيكلية خاصة بها.
إذا تراجعت ثقة الأسواق المالية، فقد يواجه البنك المركزي الأوروبي مجددا السؤال حول المدى الذي يجب أن تصل إليه إجراءات الإنقاذ التي يتخذها. إن بنكاً مركزياً يستطيع كسب الوقت، لكنه لا يستطيع استعادة عقد اجتماعي مفقود.
في بروكسل، يدور الحديث عن الاستقلال الاستراتيجي، وإعادة التسلح العسكري، ومكانة أوروبا في نظام عالمي جديد. ولكن ما هو الاستقلال الاستراتيجي الذي يمكن أن تتمتع بها قارة تعاني من صعوبة في تحقيق النمو، وتأمين سبل العيش للناس، ومنح شبابها مستقبلاً يؤمنون به؟ وما الذي يتبقى من التماسك الأوروبي عندما تتعرض الأسر لضغوط الأسعار، ومعاناة أنظمة الرعاية الاجتماعية من نقص الموارد، وتتلاشى الثقة في المستقبل؟
لطالما وعد النظام الاقتصادي النيوليبرالي العولمي بأن حرية السوق ستحقق الرخاء للجميع. لكن عندما تتركز الأرباح بيد قلة وتُلقى التكاليف على عاتق شرائح المجتمع العريضة، يبدأ هذا الوعد بفقدان مصداقيته، وعندها تبدأ النخبة السياسية بالشعور بأن الأرض تهتز تحت أقدامها.
في الشوارع والساحات، وبين الطلاب والعمال الشباب والمواطنون الذين يكافحون من أجل الاكتفاء الاقتصادي، يبرز سؤال آخر: من المستفيد حقاً من السياسات التي يتم اتباعها باسمنا؟
تُشير نتائج الانتخابات والتغيرات في الرأي العام في ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا، بطرقٍ مختلفة، إلى أن القوى السياسية القائمة تواجه تحديات. فالناخبون ليسوا كتلةً متجانسة، والاستياء لا يؤدي إلى الاتجاه نفسه في كل مكان. لكن ثمة خطرا سياسيا مشتركا، وهو أن تفقد المؤسسات شرعيتها عندما يُنظر إليها على أنها عاجزة عن حل مشاكل الناس اليومية.
لذلك، يتعين على أوروبا أن توجه أنظارها إلى أوضاعها الداخلية؛ نحو الصناعة التي يجب أن تتطور، والطاقة التي يجب أن تصبح موثوقة ومتاحة اقتصادياً، والمساكن التي أصبحت بعيدة المنال بالنسبة للكثيرين، والشباب الذين لا يرغبون في أن يرثوا مستقبلاً قائماً على انعدام الأمن والأزمات الدائمة.
وقبل كل شيء، يجب على أوروبا أن تجرؤ على مناقشة اقتصاد السلام. فالحرب في أوكرانيا لها ثمن إنساني واقتصادي لا يمكن اختزاله في بند الميزانية. فلا بد من مناقشة الدعم المقدم لأوكرانيا، وأمن أوروبا، والجهود الدبلوماسية بشكل علني، في الوقت نفسه الذي تستكشف فيه القارة كل السبل الممكنة للتوصل إلى سلام مستدام.
إن إعادة التسلح العسكري لا يمكنها أن تحل محل استراتيجية طويلة الأمد لمستقبل أوروبا الاجتماعي والاقتصادي.
فالتهديد الكبير الذي يواجه أوروبا لا يكمن في حجم الديون فحسب، بل في الفجوة بين وعود السلطة وواقع معيشة الناس.
بإمكان قارة ما أن تتحمل نموًّا منخفضًا، حيث يمكنها إعادة التفاوض بشأن ديونها، وإصلاح مؤسساتها، وإعادة بناء صناعتها، ولكن لا يمكنها البقاء على المدى الطويل إذا توقف جيل كامل عن إيمانه بأن المستقبل ملك له.
يعلمنا التاريخ أن المجتمعات نادراً ما تتغير لمجرد أن الأرقام في الميزانية أصبحت في تراجع. بل تتغير عندما يكتشف الناس أن تضحياتهم لم تعد تؤدي إلى أي نتيجة. فعندما يفقد شباب أوروبا الثقة في المستقبل، وعندما يفقد العاملون الثقة في السلطة، فإن الأزمة لم تعد مجرد أزمة اقتصادية. بل تصبح أزمة حضارية.
والسؤال الذي يبقى مطروحاً لا يقتصر على من سينقذ اقتصاد أوروبا، بل من سينقذ مستقبلها، ولمن يُبنى هذا المستقبل فعلياً؟







