في ظل اوضاع معقدة ومليئة بالتجاذبات والصراعات غير المتكافئة، يتجه العالم نحو مرحلة انتقالية صعبة وحساسة، تتآكل فيها قواعد النظام الدولي السابق الذي ساد منذ نهاية الحرب الباردة. وترتبط هذه التحولات، في جوهرها، بالتعقيدات والتغيرات والتطورات المتسارعة التي تشهدها مناطق مختلفة من العالم. فالتنافس الاقتصادي والعسكري بين القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، واستمرار الأزمة والحرب في أوكرانيا، فضلًا عن تصاعد التنافس على مصادر التكنولوجيا والطاقة، والتراجع الملحوظ في قدرة المؤسسات الدولية على احتواء الأزمات ومعالجتها، كلها مؤشرات تدل على أن العالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، أكثر تنافسًا وأقل استقرارًا في الوقت نفسه.

ويشهد هذا الوضع العالمي أزمات متعددة الأوجه، من بينها تصاعد النزاعات المسلحة، وأزمات الطاقة والغذاء، إلى جانب تفاقم معدلات التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بين مختلف شرائح المجتمع.

وفي الوقت نفسه، أصبحت منطقة الشرق الأوسط إحدى الساحات الرئيسية والحساسة لإعادة تشكيل هذا النظام العالمي الجديد. فالصراعات المستمرة بين الأطراف الرئيسية، والتطورات السياسية والأمنية في سوريا ولبنان واليمن، فضلًا عن القضايا الحساسة المرتبطة بأمن منطقة الخليج وممرات التجارة والطاقة، لم تعد مجرد مشكلات إقليمية معزولة، بل أصبحت متداخلة بصورة عميقة مع التنافس الدولي الأوسع.

وقد بلغت هذه المرحلة المعقدة مستوىً من التصعيد جعل الأزمات تنتقل من حروب بالوكالة إلى احتمالات المواجهة المباشرة بين الدول والقوى الكبرى. وقد شهدنا خلال الفترة الماضية مؤشرات واضحة على هذه التطورات الخطيرة، حيث أصبح الأمن البحري والإقليمي عرضة لتهديدات مباشرة.

وفي خضم هذه المعادلات المعقدة، يجد العراق نفسه في موقع استراتيجي بالغ الحساسية. فموقعه الجغرافي، وعلاقاته المعقدة مع القوى الدولية ودول الجوار، جعلاه من بين الدول الأكثر تأثرًا بالتطورات والتصعيد العسكري والسياسي الذي تشهده المنطقة.

ويأتي ذلك في وقت يسعى فيه العراق إلى الظهور بوصفه دولة ذات سيادة واستقلالية في اتخاذ القرار، إلا أنه لا يزال واقعًا، إلى حد كبير، تحت تأثير موازين القوى الإقليمية والدولية. ولم يتمكن حتى الآن من العمل بالقدر الكافي على حماية المصالح الوطنية، والحد من التدخلات الخارجية، وبناء سياسة خارجية متوازنة تستند إلى المصالح العليا للبلاد، بما يضمن إعادة القرار الوطني المستقل إلى مؤسسات الدولة الرسمية.

ومن جهة أخرى، أصبح إقليم كوردستان، شأنه شأن العراق، منطقة تعاني من مشكلات وتوترات متعددة، انعكست آثارها على أوضاعه الداخلية وعلاقاته مع الحكومة الاتحادية، وأدخلته في حالة مستمرة من المد والجزر السياسي.

وعلى الرغم من أن هذه الخلافات تُختزل في كثير من الأحيان في ملفات النفط والموازنة، فإن حقيقتها ترتبط بصورة أعمق بطبيعة الدولة الاتحادية، وآليات توزيع السلطات والثروات، والقضايا الأمنية، وكيفية إدارة الموارد الطبيعية. وقد تحولت هذه الملفات إلى عوامل مؤثرة في التوازنات الداخلية ومسار التحولات السياسية بصورة عامة.

وعلى الرغم من امتلاك إقليم كوردستان العديد من نقاط القوة، مثل موقعه الاستراتيجي، وعلاقاته الواسعة مع المجتمع الدولي، ووفرة موارده الطبيعية، وقدرته على أداء دور اقتصادي وسياسي مؤثر، فإنه يواجه في الوقت نفسه مجموعة من التحديات ونقاط الضعف الكبيرة.

ومن أبرز هذه التحديات: الانقسام السياسي الداخلي، وعمق الخلافات بين الأحزاب الحاكمة، وعدم استقرار العلاقات مع بغداد، والاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية، والتحديات الأمنية، والبطالة، ونقص فرص العمل، وصعوبة الأوضاع المالية، وتأثيرات الصراعات الإقليمية، فضلًا عن الحاجة الملحّة إلى إجراء إصلاحات جذرية في مؤسسات الحكم وتنويع الاقتصاد، بما يتيح للإقليم تجاوز الأزمات وتقليل آثارها.

إن أمن إقليم كوردستان وعلاقاته مع دول الجوار، مثل تركيا وإيران، يتطلبان اعتماد سياسة دقيقة ومتوازنة للغاية.

فتركيا تنظر إلى الإقليم من منظور أمن حدودها، وملف حزب العمال الكوردستاني، والطاقة، والتجارة. أما إيران، فتتعامل معه من زاوية حماية حدودها، وموازين القوى وعلاقاتها مع بغداد، وموقع القوى الكوردية في المعادلات الإقليمية.

ويضع هذا الواقع الإقليم أمام مسؤولية كبيرة تتمثل في اتباع سياسة حكيمة تقوم على منع استخدام أراضيه لشن هجمات على دول الجوار، وفي الوقت نفسه رفض تحويل المنطقة إلى ساحة للمواجهات العسكرية وتصفية الحسابات بين القوى الخارجية.

إن المسار الاستراتيجي الذي يمكن أن يسهم في حماية كيان إقليم كوردستان في ظل هذه الظروف المحفوفة بالمخاطر، يتمثل في بناء مؤسسة أمنية وعسكرية وطنية موحدة، واعتماد سياسة خارجية مستقلة ومتوازنة، وإقامة علاقات راسخة وقائمة على الثقة مع بغداد والمجتمع الدولي.

وباختصار، لا تأتي الأحداث في الساحة السياسية من فراغ أو بمحض الصدفة، بل إن الاستقرار أو الاضطراب هما نتاج العمل والصراع والتحركات السياسية والعسكرية وطبيعة التحالفات القائمة.

إن المشهد الراهن لهذه المرحلة الانتقالية مليء بالتهديدات الكبيرة، لكنه يحمل في الوقت نفسه فرصًا ثمينة للتنمية والتقدم. ويبقى النجاح في التعامل مع هذه المرحلة مرهونًا إلى حد كبير بكيفية إدارة التحديات، ومستوى الوعي السياسي، وطبيعة القرارات التي تتخذها القيادات السياسية في مواجهة هذه الظروف والتحديات الصعبة.