
نتساءل: كيف ومتى دوّن تاريخ ميلاد سيادة بلدنا العزيز..؟. فحينما رحلت سيطرة العثمانيين في اوائل القرن العشرين وتحرر العراق من سطوتها، الا انه لم يحصل على السيادة رغم تأسيس الدولة العراقية عام 1921 ، واخذ البلد مكانه في هيئة عصبة الامم التي كان احد مؤسيسيها.. اما الحصيلة فكانت قد بُدلت الهيمنة العثمانية بالوصاية البريطانية الاستعمارية، وبقيت السيادة مغتصبة ومقيّدة باحلاف استرقاقية محفوظة في ادراج الدولة المستعمرة، ولم تتحرر الا بعد انبثاق ثورة الرابع عشر من تموز 1958 المجيدة .. من هنا اخذ الشعب العراقي يتلمس استقلال بلده وكمال سيادته، التي عبرت عنها الاجراءات والقوانين التي جاءت بها الثورة، والتي ارجعت بموجبها 95 بالمئة من ارض العراق التي كانت تهيمن عليها الشركات النفطية الغربية والخروج من منظومة الاسترليني وحلف بغداد وغيرها الكثير من المكاسب الوطنية.
ولم تدم هذه السيادة سوى اربع سنوات كانت خلالها كأنها تمشي على طريق ملغوم، اذ تحفها مكامن الموت بشراسة داخلية مدفوعة خارجياً و عدوانية وحقداً، متجلية بانقلاب 8 شباط الاسود عام 1963 حيث اعتقلت واعدمت السيادة مع اهلها هذه المرة، و كانت الردة السوداء البعثية وعرس الخنازير القذرة قد زُف بقطار امريكي وبمباركة بريطانية فضلاً الى كافة القوى الرجعية العراقية والعربية، ورغم ذلك بقي نبراس 14 تموز السيادي شاخصاً في افئدة العراقيات والعراقيين الشرفاء، ولم تدم الزفة الخسيسة رغم الخسائر البشرية والمادية المهولة.. الا ان اللعنة الوطنية قد كبحت الجناة وسقطوا تحت اقدام بعضهم البعض.. حينها استمرت السيادة شامخة راسخة في قلوب العراقيين متفرجة على اكوام القمامات المزاحة نحو مزابل التاريخ.. غير ان " حظها " ظل مطاحاً به بفعل غمامة الاذهان الغارقة بوحل التخلف المتصلة بماضي رجعي فاقد الروح ومنزوعاً من النسب الوطني.
اذن جاء مسلخ هؤلاء لصوص السياسة المنصبين في غير مكانهم بغفلة من التاريخ، وبكل جهلهم وجاهليتهم لينزعوا جلد السيادة العراقية ويلبسوها برقع الوهم، ويعبثوا بقوامها لكي ينسبونها الى غير تاريخها وغير اهلها بغية طمس انتسابها لثورة 14 تموز 1958 المجيدة، ومن ثم لتنطوي في الخريف السياسي العصف الجاري في البلاد، لكي يبقى العراق الابي بلا حصانة وبعيداً عن السيادة والانعتاق من ربقة الهيمنة الاجنبية المتصارعة المتكالبة لمصادرته جملة وتفصيلاً.. ان معشر الجوارح والكواسر المتنفذ اخذ يجدد ادوات دفن اعدام السيادة بالتغيير الديموغرافي، من مختلف الجنسيات الاجنبية التي تمت لهم بوحدة الكراهية والتخلف.. مما لا صلة لها بمستقبل البلد ومصير اهله سكانه العراقيين الافاضل، فتجاوز هذا الخرق الاجتماعي والسيادي نحو جلب الالاف من الاجانب ومنحهم الجنسية والبطاقة الموحدة العراقية والجوازات، و حتى الوظائف التي يفتقد لها المواطن العراقي. ان السيادة تشتكي من كثرة مرخصيها ومع كونهم لا يخرجون عن اطار القلة الحاكمة، لكنهم يخرجون على الدوام عن عراقيتهم ووطنيتهم وحتى تذهب بهم تبعيتهم الى ان ينسبون انفسهم الى بلدان اجنبية.. وهنا تتجلى المفارقة الصارخة عندما يقاتلون بحماس من اجل سيادة غير بلدهم في الوقت ذاته يرخصون سيادة العراق.. فلمن المشتكى وهل الشكوى تنفع مع هؤلاء ..؟ والعهدة على العقلاء .







