إن تصريح هادي العامري قائد قوات ميليشيا بدر في خطاب له بمهرجان في النجف، وفي معرض تطرقه لأنتفاضة تشرين أول/ اكتوبر 2019، من أنّ "المقاومة" وقفت "بشجاعة أمام فتنة تشرين وحفظها الدولة والنظام السياسي"، لا يمكن تجاوزه أو اعتباره تصريحا عابرا أو زلّة لسان. فهذا الرجل يستسهل دماء آلاف الشباب العراقي الذين سقطوا بين قتيل وجريح، وهم يبحثون بين ركام خراب العملية السياسية، عن وطن صادره الفاسدون وجعلوه رهينة لصراعات اقليمية لا ناقة لشعبنا فيها ولا جمل.

 والمشكلة ليست في الجدل الذي صاحب تصريحه، والذي سيخفت مع مرور الوقت خصوصا وأن ذاكرتنا السياسية سمكية على الأغلب، بل في ضرورة تحويل هذا التصريح إلى قضية قانونية وقضية رأي عام، ومطالبة القضاء العراقي بالتحقيق فيه، لتهدئة الشارع العراقي. من خلال التحقيق في ما قاله العامري، وما المقصود بكلمة "المقاومة" التي اشار اليها في كلمته، وماذا فعلت وهي تقف امام "فتنة" وفق تصريحه للحفاظ على الدولة والنظام السياسي. وهل هذا يعني مشاركتها في قمع المتظاهرين وقتلهم وجرحهم واختطافهم وتهديدهم..؟

 أنّ الفقه القانوني ولأثبات صحة اعتراف المجرم او الجاني بجرمه يعمل على أثبات خمس نقاط قانونية وهي :"

 (1) إن يكون الاعتراف صريحا وواضحا بارتكاب الجريمة.

(2) توفر الأهلية الكاملة للمعترف فلا يؤخذ باعتراف ناقص الأهلية لأي سبب كان.

(3) أن يصدر عن أرادة حرة.

(4) أن يطابق الاعتراف وقائع الجريمة جملة وتفصيلا.

(5) أن لا ينتزع الاعتراف بالإكراه والتعذيب."

 هل هناك ضرورة لمناقشة النقاط الخمس اعلاه ونحن نطالب بتوجيه الاتهام للعامري في المشاركة كليا او ضمنيا بقتل وجرح آلاف المواطنين العراقيين الذي خرجوا للتظاهر، بعد تصريحه الاخير!؟ ومع ذلك دعونا نناقش النقاط اعلاه نقطة نقطة. في النقطة الاولى، هناك تسجيلات تناولتها فضائيات ووسائل اعلام تشير دون لبس ولا تلاعب باللغة وتفسير ما جاء به العامري، من ان أعترافه كان صريحا وواضحا، فكلامه ليس بقرآن كريم لنحتاح الى مفسرين لشرحه وتأويله.

 في النقطة الثانية نقف امام خيارين، اولهما ان العامري كامل الاهلية، وعليه يجب تقديمه للقضاء بسبب تصريحه، أو ناقص الاهلية، وفي هذه الحالى يجب احالته الى لجنة طبية لأثبات ذلك، وفي حالة اقرارها من انه ناقص الاهلية، فعلى الدولة كف يده عن كل مناصبه السياسية، ومنعه من ممارسة السياسة كونه يشكل خطرا على المجتمع والدولة.

 في اثبات النقطة الثالثة، نحن بحاجة فقط الى عرض خطبته على تقنيين لأثبات صحة ما جاء في خطبته، وكونها ليست مفبركة او من صنع الذكاء الاصطناعي، وعند اقرار التقنيين من ان خطبته كانت صحيحة فهذا يعني انها صادرة عن ارادة حرة، وليس عن طريق الضغط أو الأكراه.

 اما النقطة الرابعة، فليس المطلوب أن نقول إن تصريح العامري أثبت وحده وقوع كل جرائم تشرين، وإنما أن نضع ما قاله أمام الوقائع التي وُثقت أحداثها من قبل جهات اعلامية محلية وعربية وأجنبية، وأمام أسماء الضحايا ومواقع الأحداث والتسجيلات والصور والشهادات والتحقيقات، وأن نترك للقضاء مهمة معرفة ما إذا كان ثمة تطابق بين ما قاله وبين ما حدث على الأرض.

 فتظاهرات تشرين لم تكن حادثة عابرة يمكن إنكار وجودها أو نتائجها. وقد وثقت الأمم المتحدة عمليات قتل وإصابات واعتقالات واختطاف واستهداف لناشطين، كما بقيت هوية الجهات المسلحة أو الطرف الثالث "مجهولة"، قبل ان يميط العامري عنها اللثام.

 أما النقطة الخامسة فهي واضحة كما الشمس في رابعة النهار، كون من ينتزع الأعترافات بالأكراه والتعذيب، ليسوا مواطنين عادييون، بل سلطات حكومية أو سلطات موازية للدولة، تملك من الوسائل ما يجعلها أن تنتزع الاعترافات بالاكراه والتهديد، وتلفيق التهم لمن تشاء. كما وان العامري وهو يدلي بتصريحه هذا لم في يكن في مركز توقيف، أو قبو من اقبية التعذيب ليتم أجباره على التصريح الخطير هذا.

 نستطيع أن نضيف مواد قانونية أخرى لأثبات ما أعترف بها العامري بعظمة لسانه، ففي تعريف ماهية الأعتراف في باب الاعتراف بالدعاوى الجنائية، وفق قانون أصول المحاكمات الجنائية العراقي، نقرأ أن المادة (218 ) اشترطت : "أن لا يكون الإقرار قد صدر نتيجة أكراه مادي أو أدبي أو وعد أو وعيد" كما نصت المادة (219 ) على: "يجوز تجزئة الإقرار والأخذ بما تراه المحكمة منه صحيحا وطرح ما عداه .غير انه لا يجوز تأويله أو تجزئته أذا كان هو الدليل الوحيد في الدعوى".(*) هذه النقاط نضعها أمام القضاء العراقي، لدراسة ما قاله العامري، حول جرائم الميليشيات التي قتلت وجرحت آلاف الشباب بحجة حفظ الدولة والنظام السياسي كما صرّح في مهرجان بالنجف.

 أن العامري كان صادقا بكل كلمة قالها في خطبته، ولو عدنا الى أحداث انتفاضة تشرين اول/ اكتوبر 2019 ، فأن الفصائل المسلحة والمنضوية تحت مظلة الحشد الشعبي، لم تكن الوحيدة التي شاركت في الجريمة، بل كانت جزء من مجموعة فصائل غير عراقية، أتخذت غرفة عمليات متقدمة كمركز لقمع المنتفضين وقتلهم، وكان على رأس من يدير هذه الغرفة، كلا من قاسم سليماني وابو علي المهندس.

 إنّ أعتراف العامري وفي ظل الاحتجاجات اليومية التي تجري بالبلاد، علينا الاخذ بها كتهديد مبطن لمن يفكر في المشاركة بهذه الاحتجاجات المطلبية التي وضعت النظام في مأزق، أو في من يفكر بتنظيمها لتكون أكثر اتساعا وتنظيما، خصوصا وان سلطة المحاصصة تعاني وعلى رأسها القوى الشيعية، من أزمات اقتصادية وسياسية، بعد أن جعلت البلاد جزء من صراع اقليمي ليس لشعبنا ووطننا مصلحة فيه.

 لنعود الى الوراء قليلا ونقرأ تصريح المالكي من انه ولي الدم في حادثة مقتل الصحفي محمد البديوي، ومقارنتها بما يجب أن يفعله الزيدي. باعتباره ولي دم كما المالكي. لنطلب منه أي الزيدي أن يكون ولي دم لآلاف الضحايا الذين قتلوا وجرحوا على يد الميليشيات، والتي اعترف العامري بفعلتها، فاتحا تحقيقا رسميا مع العامري. السيد العامري، أن الدولة لا تحتاج إلى "مقاومة" لحمايتها من مواطنيها، كون الدولة تحميها المؤسسات الدستورية والقانون والقضاء والقوات الرسمية الخاضعة للقانون والتي هي تحت امرة رئيس الوزراء وتتلقى اوامرها المباشرة منه لا الفصائل المسلحة، هذا إن كان العراق دولة بنظركم، علما ان المتظاهرين لم يتظاهروا لهدم الدولة، بل خرجوا باحثين عن وطن يعيشون فيه بكرامة، بعيدا عن فسادكم وسرقاتكم التي أزكمت الأنوف.

 أما السكوت على تصريح العامري، وعدم وضع تصريحه أمام القضاء للتحقيق فيه والمقارنة مع الأدلة والوقائع، فلن يؤدي إلا إلى ترسيخ القناعة بأن هناك أشخاصا فوق القانون. وهذا السكوت ان حدث ليس انتصارا للعامري، بل هزيمة للدولة العراقية نفسها. فإن كان الاعتراف ليس بحكم قضائي، لكنه ليس كلام يجب أن يضيع في (سوق صفافير) السياسسة العراقية. فهل سيستمع القضاء للعامري، ثم يقول كلمته استنادا لاعترافه ويقارنه بالوقائع التي نتجت عن افعال "المقاومة" في "حفظها للدولة والعملية السياسية"!؟.

 العامل بالظلم والمعين عليه والراضي به: شركاء ثلاثة .. (الامام علي بن ابي طالب)

  (*) المستشار سعيد النعمان ، عضو اللجنة القانونية في المنتدى العراقي للنخب والكفاءات