يمكن توصيف الديمقراطية بانها فكرة ومفهوم، أي (ثقافة) إنسانية تتحول عبر الممارسة الاجتماعية إلى نظام لإدارة العلاقة بين الرئيس والمرؤوس، يتحقق بواسطته قبول ورضا المرؤوس بالرئيس لزمن محدد وشروط محددة، وقبول الرئيس بمغادرة منصب الرئاسة والانتقال طوعاً إلى صف المرؤوسين عندما لا يتمكن من حيازة قبول ورضا الأغلبية، ولذا فان الديمقراطية عبر الممارسة تعني اسباغ الشرعية او حجبها بين الحاكم والمحكوم، على ان يكون المحكوم (المواطن الحر) هو المنتج الوحيد للشرعية.

في التجمعات البشرية ثمة قواعد وأحكام تم التوافق عليها لضبط السلوك والتصرفات، ارتباطاً بما يتيح لجماعة من الناس العمل سوياً لتوفير الحد الضروري من مستلزمات استمرار الحياة، ومواجهة مخاطر الطبيعة، وتوفير حياة آمنة.

 وقد راكمت البشرية خلال تجربتها عبر صراعات متعددة المستويات، واختلافات في وجهات النظر حول نمط الحياة وطريقة الحصول على فرص ومداخيل العيش؛ مهارات عملية ومعارف فكرية وسياسية، وأدوات لإدارة الصراع (ثقافة)، شكلت الأسس التي قامت عليها أنظمة إدارية وسلطات حاكمة تطورت عبر التاريخ تبعاً لاسلوب الإنتاج وطبيعة الاقتصاد السائد.

 وتوصلت إلى انتهاج الديمقراطية، سبيلاً لإدارة الخلاف سلمياً، وللارتقاء بالثقافة والوعي الجمعي، واعتمادها نمطاً للعيش الإنساني في مختلف البنى الاجتماعية، في العائلة والمدرسة والمجمع السكني والمؤسسة الإدارية والنقابة والمعمل والحزب السياسي انتهاء بالبرلمان وهيئات إدارة الدولة.

إن من أهم مميزات الديمقراطية هي المواطنة الحرة المستقلة، والعدالة، والتساوي في الحقوق والواجبات، وكذلك الجماعية في العمل وفي اتخاذ القرار، وفي توفير آلية مراقبة جماعية لكيفية تنفيذ القرار وتطبيقه بأفضل صورة ممكنة، ومحاسبة المسؤول التنفيذي في أعلى سلطات القرار وأدناها، وفقاً لأحكام القوانين المشرعة جماعياً.

غير أن الممارسة الديمقراطية تعتمد على مدى تجذر الوعي الديمقراطي لدى المواطن، ومن المؤكد ان هناك تفاوتاً في مستوى هذا الوعي على الصعيد الشعبي بشكل عام، وقصوراً وتشوهاً في استيعاب المفاهيم الديمقراطية وتجليات تطبيقها، خصوصاً في المجتمعات التي عاشت شطراً طويلاً من تاريخها محكومة بأنظمة الاستبداد والدكتاتورية.

وأن هذا الفصام بين الوعي الديمقراطي وممارسته لا ينحصر بالمواطن العادي فقط، إنما تطال أعراضه الحركات والأحزاب السياسية، على السواء.. التي تغترف فكرها من خزين الماضي المظلم، وأيضاً بين قوى تدّعي المدنية والديمقراطية لفظاً وتزدريها مضموناً، حتى الأحزاب التي تتمسك بالديمقراطية حقاً وقولاً، وتناضل من أجلها بصدق لا تخلو ممارساتها من تغوّل هذا الفصام . ويعود السبب في ذلك إلى قوة العادة والموروثات الاجتماعية.

هناك أمثلة واقعية لا حصر لها عن مؤسسات وتنظيمات جماهيرية، ومنظمات مجتمع مدني أرست بناءها الداخلي ولوائحها التنظيمية وسياساتها وفق الآليات الديمقراطية بقناعة راسخة، ولكنها في الممارسة الملموسة تتلكأ هنا وهناك في رصد الخروقات التنظيمية ومحاسبة المسؤولين عنها وفق الأصول المرعية، وتتوارى الشفافية عندما يتطلب الأمر مساءلة أحدٍ من الصف القيادي الأول.

إن ازدهار الوعي يسهم في جودة الممارسة على الصعيد السياسي والاجتماعي والتنظيمي، غير أن الممارسة تتعثر عندما لا تتطابق مع الوعي في الحياة اليومية للافراد والمؤسسات.

هذا الفصام يجد تعبيره في غياب ثقافة الاعتذار، وفي سيادة الانحيازات العاطفية بديلاً عن التفكير النقدي الموضوعي، وفي الابتعاد عن (مبدأ النقد الذاتي والنقد)؛ الأمر الذي ينعكس سلباً على الفاعلية السياسية والاجتماعية والتماسك التنظيمي للأحزاب والمنظمات، ويحول دون القيام بالدور المنوط بها في الحراك السياسي الوطني الديمقراطي، ويعوق حركتها لتحقيق اهداف التنوير والتغيير الاجتماعي.