القضية الكردية نموذجاً: دعوة إلى دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية بأفق اشتراكي.

مشهد قصر الشعب، نهاية تجربة وبداية سؤال

في الخامس والعشرين من آب/أغسطس 2026، أعلن مظلوم عبدي من قصر الشعب في دمشق انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية «قسد» وحلها كقوة عسكرية مستقلة، إلى جانب حل الإدارة الذاتية والتشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لها واندماجها في مؤسسات الدولة السورية. جاء الإعلان بعد العملية العسكرية الواسعة التي شنتها القوات الحكومية في كانون الثاني/يناير 2026، والتي أدت إلى خسارة «قسد» مساحات واسعة من مناطق نفوذها، ومهدت لمسار تفاوضي انتهى باتفاق على دمج قواتها ومؤسساتها ضمن الدولة السورية.

وأرى أن ذلك أمر إيجابي، لأنه يقلل احتمالات اندلاع حروب قومية مدمرة، يكون العمال والكادحون من مختلف القوميات أول ضحاياها. وعلى الرغم من أن الاتفاقات المتتالية، من آذار/مارس 2025 إلى الاتفاق الشامل في كانون الثاني/يناير 2026، وصولاً إلى إعلان الحل، قللت احتمالات الحرب وجنبت جماهير المنطقة مزيداً من الدمار، فإنها لم تتضمن أي بنود بشأن القضايا التي نناضل من أجلها كقوى يسارية وتقدمية، مثل حقوق المرأة، وعلمانية الدولة، ووقف الخصخصة، وحماية القطاع العام، وضمان حقوق شغيلات وشغيلة اليد والفكر، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإجراء انتخابات ديمقراطية لجميع المسؤولين.

نموذج «قسد» الذي قدمه جزء واسع من اليسار الكردي والعالمي طوال سنوات بوصفه ثورة يسارية اجتماعية ونسوية وديمقراطية قاعدية، انتهى بقرار فوقي أعلن من قصر رئاسي في دمشق، دون استفتاء شعبي أو قرار معلن من المجالس والكومونات التي قدمتها «قسد» للعالم بوصفها صاحبة السيادة الفعلية فيما سمي بـ«الإدارة الذاتية» المستندة إلى سلطة الجماهير!، والولايات المتحدة، التي كانت الداعم العسكري والسياسي الأساسي لـ«قسد»، والتي انخرطت في الوقت نفسه في دعم المسار السياسي والعسكري للسلطة الجديدة في دمشق، كانت طرفاً أساسياً في تحديد مسار الحرب ثم مسار الحل، وهذا وحده يكشف أين كان يتموضع القرار طوال الوقت، وحدود الرهان على القوى الإمبريالية الكبرى.

واللافت هو توزيع الأثمان. فقد استوعبت الدولة الجديدة قسماً من النخبة العسكرية والحزبية في «قسد»، رغم طابعها الطبقي والديني والاستبدادي؛ إذ عين العديد من قادتها في مناصب عسكرية، وحصل آخرون على رتب ومواقع إدارية، فأصبحوا جزءاً فاعلاً من المؤسسة العسكرية والسياسية والإدارية والامنية للحكومة السورية، ومن بنيتها الطبقية الرأسمالية. في المقابل، بقيت شغيلات وشغيلة اليد والفكر من الكرد والعرب والسريان وسائر المكونات أمام المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ذاتها التي سبقت الحرب، والتي تضاعفت حدتها بعد سنوات الصراع والدمار.

وفي موازاة ذلك، صدرت مراسيم اعترفت بالكرد جزءاً أساسياً من الشعب السوري، وباللغة الكردية لغةً وطنية، وبنوروز عيداً وطنياً، وأنهيت آثار إحصاء الحسكة الجائر لعام 1962. وهذه مكاسب حقيقية ناضلت من أجلها أجيال، غير أن الاعتراف جاء بعد حسم موازين القوى لا قبله، والحقوق التي تمنح بمرسوم يمكن أن تسحب بمرسوم مضاد، وبالأخص في ظل حكم غير ديمقراطي مستند إلى تنظيمات إسلامية لها تاريخ في الاستبداد والعنف. المطلوب اليوم هو تحويل هذه المكاسب إلى نصوص دستورية ملزمة، ضمن عملية انتقال سياسي شامل، لا أن تظل هبات من سلطة مستبدة.

وهذا التحذير يتضاعف في ظل طبيعة السلطة الجديدة في دمشق، التي لم تقدم أي ضمانات واضحة وملزمة حول علمانية الدولة أو حقوق المرأة أو الحريات العامة. وعلى العكس من ذلك، فإن سجلها في القمع والانتهاكات الموثقة يثير مخاوف من استبداد جديد بغطاء ديني، لا يقل خطورة عن سابقتها.

ما يحسب في السجل وما لا يطوى منه

الموضوعية تقتضي تسجيل الجوانب الإيجابية. ففي إقليم كردستان العراق، وثقت التقارير الدولية استضافة أعداد كبيرة من النازحين من مختلف المكونات، وتوفر مستوى من الاستقرار والحريات الاجتماعية والدينية أعلى نسبياً في بعض المجالات مقارنة بمناطق عراقية أخرى، ودوراً في حماية أقليات من خطر الإبادة خلال صعود داعش.

وفي شمال وشرق سوريا، أدت قوات سوريا الديمقراطية دوراً عسكرياً فعالاً في محاربة داعش، ودفعت ثمناً باهظاً من الأرواح، وجرت محاولات لبناء نموذج إداري مدني في ظروف حرب وحصار، وتحقق تقدم نسبي في مشاركة المرأة، وهو أمر نادر في سياق المنطقة.

وفي المقابل، وثقت المنظمات الحقوقية الدولية في الإقليم انتهاكات كبيرة ومنهجية: اعتقال صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وتعذيبهم، وقمع التظاهرات ضد البطالة والفساد وانقطاع الرواتب بالرصاص الحي أحياناً، وثغرات كبيرة في حماية النساء. وفي شمال وشرق سوريا، وثقت انتهاكات واسعة ارتكبتها قوات سوريا الديمقراطية، شملت تجنيد الأطفال دون الثامنة عشرة، والاعتقال التعسفي والتعذيب، وقمع الاحتجاجات. كما وثقت تقارير حقوقية اتهامات بانتهاكات بحق سكان عرب وعمليات تهجير في بعض المناطق، وإغلاق مكاتب إعلامية ومنظمات مدنية.

التناقض بين الخطاب والممارسة

يواجه اليسار، محلياً كان أم عالمياً، تحدياً معقداً: كيف يدافع عن حقوق الشعب الكردي المشروعة مع الحفاظ على معايير نقدية ثابتة تجاه جميع السلطات دون استثناء؟ هذا التوازن شرط لمصداقية التضامن الأممي نفسه.

التضامن مع الشعب الكردي المضطهد وسائر الشعوب المضطهدة موقف يساري مبدئي أساسي، يستند إلى قيم ترفض القهر القومي والاستغلال الطبقي وكل أشكال التمييز. فالشعب الكردي تعرض لاضطهاد قومي تاريخي ومستمر، شمل الإبادة الجماعية والتهجير القسري ومنع الحقوق الثقافية واللغوية والقمع السياسي.

غير أن هذا التضامن لا يقوم على الاصطفاف غير المشروط، ولا بد أن يميز بوضوح بين دعم حقوق الشعوب المضطهدة في الكرامة والمساواة وحق تقرير المصير، وبين تأييد مطلق لأحزاب قومية بعينها ثبت تورطها في انتهاكات جسيمة وموثقة، مارست عبر تاريخها الاغتيالات السياسية والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب بحق معارضيها، وكثير منهم من صفوف اليسار.

انجذب جزء كبير من اليسار إلى مفهوم «الكونفدرالية الديمقراطية» ونظريات عبد الله أوجلان التي تبنتها الإدارة الذاتية كبديل عن الدولة الأمة المركزية. لكن الممارسة على الأرض كشفت مفارقة حادة: بينما كان الحديث يدور عن الكومونات والديمقراطية الشعبية القاعدية، تركز القرار العسكري والمالي في يد كوادر حزبية وعسكرية غير منتخبة تتحرك بعقلية مركزية صارمة. أما استخدام مفاهيم البيئة والنسوية واللا دولة كغطاء خطابي أمام الرأي العام الغربي وبالأخص اليساري، لسلطة عسكرية أحادية تتعاون وثيقاً مع المؤسسات العسكرية والأمنية الأمريكية وتتلقى تمويلاً منها، فبرأيي أنه لا يخدم الفكر اليساري، وإنما يفرغه من محتواه ويحوله إلى قوة تعمل لصالح تلك المؤسسات.

فاعتماد حركات تقدم نفسها ثورية أو تحررية على الإمكانيات المالية والعسكرية الأمريكية ليس مسألة تكتيكية عابرة، إذ يعيد تشكيل طبيعتها الداخلية تدريجياً. ومع انتقال مركز الثقل من التعبئة الشعبية إلى التمويل الخارجي، تتحول الحركة من قوة اجتماعية نابعة من حاضنة شعبية إلى قوة عسكرية مدفوعة الثمن، ويصبح بقاؤها مرتبطاً باستمرار الدعم الدولي أكثر من ارتباطه بحاضنتها الجماهيرية، وهي التي ستقرر مستقبلها. وعند تغير أولويات الداعم، تنكشف الهشاشة البنيوية دفعة واحدة. وهذا ما حصل حرفياً، وكما أشرت في مقالات سابقة ومنذ عام 2018.

رفعت واشنطن العقوبات عن دمشق في أيار/مايو 2025، واستقبلت أحمد الشرع في البيت الأبيض في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وضمت سوريا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، ثم جاءت حملة كانون الثاني/يناير 2026 في ظل تفاهمات أمريكية تركية. وأعلن المبعوث الأمريكي توم براك صراحة أن بلاده لا تؤيد الفيدرالية في سوريا، وأن الغرض الأصلي من تلك القوات انتهى عملياً، فيما رفض مبعوث أمريكي سابق وصف ما جرى بالخيانة، موضحاً أن واشنطن نظرت دائماً إلى هذا التحالف بوصفه مؤقتاً وتكتيكياً وتبادلياً. شهادات صانعي القرار أنفسهم تغني عن أي تحليل إضافي حول الرهان على القوى الرأسمالية الكبرى.

كما انفرطت البنية التي قدمت «قسد» بوصفها تحالفاً بين مكونات المنطقة عند أول اختبار جدي. وقبل ذلك، كانت قيادتها قد قبلت، بحكم الأمر الواقع، دور الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارزاني) مرجعيةً قومية أولى، رغم حكمه العائلي والعشائري وفساده وتوريثه للسلطة، وظهر ذلك عملياً حين انتقل التفاوض إلى أربيل، وتولى مسعود البارزاني دور الوسيط والضامن.

وهذا ليس استنتاجاً أطرحه اليوم بعد انتهاء تجربة «قسد»، فقد كتبت في هذا الاتجاه منذ سنوات.

ففي مقال بعنوان «الدولة القومية؟ أم دولة المواطنة والحقوق؟» نشرته عام 2018، كتبت عن تجربة اليسار القومي الكردي في سوريا:

«وأعتقد أن تجربة اليسار القومي الكردي من خلال حزب الاتحاد الديمقراطي وتوابعه في سوريا، مهما تطورت، فستكون بمستوى إصلاحات ذات صبغة يسارية ومدنية راديكالية، شبيهة بنظام حكم حزب البعث في العراق وسوريا في سبعينيات القرن المنصرم، والتي كانت أحد أهم التجارب التاريخية لحكم اليسار القومي في الشرق الأوسط، وتحولت جميعها إلى أنظمة دكتاتورية استبدادية فاسدة».

وفي المقال نفسه، حذرت أيضاً من طبيعة التحالف مع الولايات المتحدة، وكتبت:

«أمريكا كأكبر قوى رأسمالية تدعم معظم الأنظمة الرجعية والعنصرية في العالم، ولم تكن يوماً ما في صف الشعوب المضطهدة والقيم الإنسانية والتحررية، إنها موجودة في سوريا فقط لأجل ضمان مصالحها الإستراتيجية في سوريا والمنطقة ومواجهة النفوذ الروسي. وأعتقد أن تحالف أمريكا مع «قوات سوريا الديمقراطية» هو لسد فراغ ونقص أمريكي في عدم وجود قوات برية كبيرة لها على الأراضي السورية من خلال القوات النظامية أو الشركات الأمنية، وبالتالي تعتمد على القوى العسكرية البشرية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» في تنفيذ أجندتها داخل سوريا. هذا التحالف مشابه لتحالف بعض أطراف المعارضة العراقية من خلال «المؤتمر الوطني العراقي» مع أمريكا سياسياً وعسكرياً قبيل إسقاط النظام البعثي الدكتاتوري في العراق، وأعتقد أنه تحالف وقتي هش ووفق المصالح الأمريكية، ويضفي الشرعية على التدخل الأمريكي وممارساته في سوريا، إضافة إلى أنه مساهمة في تجميل وجه أمريكا القبيح والكالح محلياً وإقليمياً وعالمياً. أمريكا معروفة بالتخلي عن حلفائها عند انتهاء مهماتهم، أو عندما تتعارض مع أجندتها، ولدينا أمثلة كثيرة أخرى، ومصالحها الإستراتيجية مع تركيا هي الأهم والأساس، والمسألة قضية وقت لا أكثر».

طغم قومية متشابهة بلغات مختلفة، وأسئلة لا تقبل كلمة «لكن»

سبق أن أشرت في نصوص سابقة إلى أنه لا توجد خلافات جوهرية بين الطغم القومية الحاكمة، سواء في إقليم كردستان العراق أو تلك التي كانت تحكم شمال وشرق سوريا، ولا بينها وبين الأنظمة والبرجوازيات القومية الحاكمة في المنطقة، مثلاً في بغداد أو دمشق أو أنقرة. وهناك تشابهات جوهرية في طبيعة السلطة ومصالحها الطبقية، فالخلاف بينها يدور على الحصص والنفوذ والموارد وتقسيم السلطة، لا على طبيعة الحكم ولا على مصالح الطبقات الكادحة، وهي تشترك جميعاً في إفقار الجماهير وقمع الحريات وانتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وبنسب مختلفة، بغض النظر عن منطلقها القومي أو الديني. وأحداث ووقائع إقليم كردستان العراق وسوريا أكدت هذه القراءة بشكل كبير.

من هنا، لا يكفي أن يعلن اليسار تضامنه مع «الشعب الكردي» بشكل مجرد. فالشعوب ليست كتلاً متجانسة، وإنما تشكيلات طبقية تتقاطع فيها التناقضات القومية مع الطبقية، ولا يوجد شعب أو عرق صافٍ خالٍ من الصراع الطبقي الداخلي. على اليسار أن يحسم موقفه: مع أي طبقة من الشعب الكردي يقف؟ مع برجوازية ريعية ونخب حزبية تحتكر السلطة والثروة، أم مع شغيلات وشغيلة اليد والفكر من الكرد والعرب والتركمان وسكان تلك المناطق من القوميات الأخرى، الذين يعانون من الاستبداد والفقر والبطالة والتهميش وانهيار الخدمات، وتقيَد حقوقهم في التنظيم النقابي والسياسي المستقل، ويدفعون وحدهم ثمن الحروب القومية بدمائهم ومستقبل أبنائهم؟

في ضوء التقارير الموثقة، على اليسار أن يطرح على نفسه أسئلة حاسمة: هل نرفض الحكم الوراثي ونطالب بانتخابات ديمقراطية حقيقية؟ هل ندين الاعتقال التعسفي والاغتيالات والتعذيب أياً كان مرتكبوها؟ هل ندافع عن حرية الصحفيين والناشطين الكرد وحقوق العرب والتركمان والسريان وغيرهم في المساواة الكاملة؟ هل نرفض تجنيد الأطفال ونطالب بمعاملة إنسانية ومحاكمات عادلة لجميع المحتجزين؟ هل نطالب بتحقيق مستقل ومحاسبة عن كل الانتهاكات، وتثبيت الحقوق القومية واللغوية والثقافية دستورياً؟ وهل ندافع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للجماهير الكادحة، ونطالب بتوفير الخدمات العامة وفرص العمل والأجور العادلة، ومواجهة الفقر والبطالة والفساد ونهب المال العام واحتكار الثروة من قبل النخب الحزبية والعائلية؟ وهل نرفض ارتباط القوى اليسارية والتحررية بالمنظومات العسكرية والأمنية للإمبريالية أو تلقي تمويل منها؟

هذه الأسئلة لا تخص سوريا وحدها، وتنطبق أيضاً على إقليم كردستان العراق، حيث يحتاج جزء من اليسار إلى مراجعة نقدية لمواقفه من السلطة والأحزاب الحاكمة، والدفاع عن الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان والناشطين والناشطات والمساواة بين جميع المكونات، بعيداً عن الحسابات الحزبية أو القومية.

إذا بدأ الجواب بـ«نعم، لكن الظروف استثنائية» أو «التوقيت غير مناسب» أو «يجب مراعاة السياق»، فهنا تبدأ المشكلة. حقوق الإنسان والمبادئ اليسارية لا ينبغي أن تكون انتقائية، لأن تبرير الانتهاكات بالظروف الاستثنائية يقرب الخطاب اليساري من منطق الانتهازية والازدواجية الذي ننتقده لدى الرأسمالية.

وما جرى في سوريا، وما يجري في إقليم كردستان، يجعلان هذه المراجعة أكثر إلحاحاً، وهي لا تخص القوميين الأكراد وحدهم. فقد دافع جزء من اليسار في العالم العربي لسنوات عن أنظمة دكتاتورية، مثل الأنظمة القومية البعثية في العراق وسوريا، كما دافع جزء آخر عن نماذج وأحزاب قومية أخرى. ولذلك فإن المطلوب ليس التخلي عن التضامن مع الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، وإنما إعادة النظر في علاقة اليسار بالأحزاب والأنظمة القومية الاستبدادية، وتحرير هذا التضامن من التبرير غير النقدي للانتهاكات وللسلطات والقوى السياسية، أياً كانت هويتها القومية أو الأيديولوجية.

البديل: دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية

مع قناعتي الكاملة بحق تقرير المصير لكافة الشعوب المضطهدة، فإن الظروف المحلية والإقليمية والدولية والوقائع الحالية لا تتيح تشكيل دولة قومية كردية مستقلة في المدى المنظور، ولا يوجد دعم دولي جدي لهذا المسار. وقد قدمت أحداث 2026 برهاناً واضحاً على ذلك، حين انتهى عملياً كيان شبه دولتي، هو الإدارة الذاتية في سوريا، المدعوم من أكبر قوة عسكرية إمبريالية في العالم، خلال أشهر، بمجرد أن تبدلت حسابات مموليه وتغيرت موازين القوى الإقليمية والدولية. ومن الممكن أن تنعكس هذه التطورات أيضاً على إقليم كردستان العراق، وفقاً لتغير المصالح الأمريكية وتحالفاتها وموازين القوى الإقليمية والدولية.

وفي الوقت نفسه، أعتقد أن التطور الفكري والحقوقي للبشرية، وسيادة قيم حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والمواطنة، يفرضان إعادة التفكير في مشاريع الدولة القومية القائمة على الولاءات الإثنية والدينية. لذلك أرى أن النضال الأجدى هو نضال مشترك بين الشعب الكردي وسائر شعوب المنطقة والجماهير الكادحة من أجل تجاوز الدولة القومية الإقصائية، وتجنب تحويل العمال والكادحين إلى وقود لحروب قومية مدمرة تخدم في النهاية مصالح البرجوازيات والنخب القومية.

أما البديل، في نظري، فلا يتعلق بالقضية الكردية وحدها، وإنما يمثل إطاراً لمعالجة مختلف الإشكالات القومية والدينية في المنطقة: دولة المواطنة الديمقراطية، القائمة على دستور يستند إلى مواثيق حقوق الإنسان الدولية، وتحييد القومية والدين عن الدولة، وضمان المساواة القومية والثقافية لجميع المكونات، ورفض كل أشكال الهيمنة القومية. وتقوم على نظام فيدرالي لامركزي وديمقراطي بأسس جغرافية وإدارية عادلة، يتيح حكماً ذاتياً واسعاً ضمن دولة موحدة، إلى جانب انتخابات نزيهة، وتعددية حزبية، وفصل للسلطات، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة والتنظيم النقابي والسياسي، وقطيعة كاملة مع الاستبداد وتوريث السلطة والحكم العائلي والقبلي.

ولا يمكن أن تكتمل هذه الدولة من دون عدالة اجتماعية تضمن حقوق الجماهير الكادحة من جميع القوميات والأديان، وتحمي القطاع العام، وترفض الخصخصة والنيوليبرالية التي تفقر الجماهير وتثري النخب. وبهذا الإطار يمكن ضمان الحقوق القومية والثقافية لجميع القوميات والأديان والمكونات، دون وضع أي قومية أو جماعة دينية فوق الأخرى.

القضية الكردية قضية عادلة تستحق تضامناً حقيقياً ومبدئياً. لكن التضامن الحقيقي لا يعني منح الأحزاب والنخب القومية حصانة سياسية أو أخلاقية، وإنما دعم نضال الشعب الكردي وسائر شعوب المنطقة من أجل حقوقها وحرياتها وكرامتها وعدالتها الاجتماعية. كما يعني رفض تحويل القضية القومية إلى أداة لتكريس سلطة النخب وحماية امتيازاتها الطبقية.

ومن هنا، فإن نقد «قسد» ليس نقداً لحقوق الشعب الكردي، ونقد الأحزاب الحاكمة في إقليم كردستان ليس نقداً للقضية الكردية، ورفض الدولة القومية ليس رفضاً للهوية والحقوق القومية. إنه موقف يساري يدعو إلى تحرير التضامن القومي من التبعية للنخب والسلطات، وربط قضية التحرر القومي بالنضال من أجل الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وبوحدة نضال شغيلات وشغيلة اليد والفكر من جميع القوميات والمكونات.

  • ******************
  • المصادر والمراجع

أولاً: آخر التطورات (2026)

•           Syrian Kurdish leader announces SDF dissolution after its integration into army, France 24, 25 August 2026

https://www.france24.com/en/middle-east/20260825-syrian-kurdish-leader-dissolves-force-that-spearheaded-jihadist-fight

•           Comprehensive agreement between Syrian government and SDF for full integration, SANA, 30 January 2026

https://sana.sy/en/politics/2293263/

•           How Syria's Sharaa captured Kurdish-held areas while keeping the US onside, Reuters, 21 January 2026

https://www.reuters.com/world/middle-east/how-syrias-sharaa-captured-kurdish-held-areas-while-keeping-us-onside-2026-01-21/

•           The Humanitarian Response in Aleppo and the Northeast Governorates, Situation Report No. 2, UN OCHA, 3 February 2026

https://www.unocha.org/publications/report/syrian-arab-republic/humanitarian-response-aleppo-and-northeast-governorates-humanitarian-situation-report-no-2-3-february-2026

•           Human rights update on Syria: mass graves and enforced disappearances in Al-Hassakeh, UN Human Rights Office (OHCHR), April 2026

https://www.ohchr.org/en/press-briefing-notes/2026/04/human-rights-update-syria

ثانياً: تقارير حول إقليم كردستان العراق

•           Freedom of Expression Increasingly Curtailed in the Kurdistan Region of Iraq, UN OHCHR, 2021

https://www.ohchr.org/en/press-briefing-notes/2021/05/freedom-expression-increasingly-curtailed-kurdistan-region-iraq-un

•           Iraq: Kurdistan Region's Authorities Failing Survivors of Domestic Violence, Amnesty International, 2024

https://www.amnesty.org/en/latest/news/2024/07/iraq-kurdistan-regions-authorities-failing-survivors-of-domestic-violence/

•           GCHR Periodic Report on Human Rights Violations in the Iraqi Kurdistan Region, Gulf Centre for Human Rights, 2025

https://www.gc4hr.org/gchrs-periodic-report-on-human-rights-violations-in-the-iraqi-kurdistan-region/

•           2024 Country Reports on Human Rights Practices: Iraq, US Department of State

https://www.state.gov/reports/2024-country-reports-on-human-rights-practices/iraq

ثالثاً: تقارير حول شمال وشرق سوريا

•           World Report 2025: Human Rights Conditions in Syria, Human Rights Watch

https://www.hrw.org/world-report/2025/country-chapters/syria

•           Aftermath: Injustice, Torture and Death in Detention in North-East Syria, United Nations / OHCHR

https://www.un.org/sexualviolenceinconflict/wp-content/uploads/2024/05/Aftermath_ENG.pdf

•           Children and Armed Conflict: Report of the Secretary-General, United Nations, 2024

https://docs.un.org/en/S/2024/384

•           Syria: Kurdish Forces Violating Ban on Child Soldiers, Human Rights Watch

https://www.hrw.org/news/2015/07/10/syria-kurdish-forces-violating-child-soldier-ban-0

•           Independent International Commission of Inquiry on the Syrian Arab Republic, UN OHCHR, 2025

https://www.ohchr.org/en/hr-bodies/hrc/iici-syria/independent-international-commission

رابعاً: مقالات ذات صلة

•           رزكار عقراوي/ عفرين! .... الدولة القومية؟ أم دولة المواطنة والحقوق؟ .... ملاحظات سريعة

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=593808