
كلما أتأمل هذه الصورة، أشعر بأن الهواء يضيق في صدري، كأن العالم كله يُطفئ أنفاسه احتراماً لطفلةٍ رحلت قبل أن تعرف معنى الحياة. طفلةٌ سنجارية ماتت عطشاً على كتف والدها، في الثالث من آب 2014، يوم انكسرت سنجار وانكسرت معها آخر أوهام الأمان.
لم تمت على كتف رجلٍ هاربٍ من جحيم داعش فقط، بل ماتت على كتف الله نفسه، في لحظةٍ بدا فيها أن السماء أغلقت أبوابها، وتركت هذا الأب وحيداً يحمل ابنته نحو معجزةٍ لم تحدث.
كان الرجل قد فقد كل شيء: زوجةً، إخوةً، بناتاً، أبناءً… لم يبقَ له سوى هذه الصغيرة، آخر ما تبقّى من معنى العائلة. حملها على كتفه، ومشى بها في آب سنجار وجبلها، يهرب من جنود “دولة الخلافة الإسلامية” الذين نشروا الموت في كل بيت، وكل طريق، وكل صرخة.
لكن الجسد الصغير لم يحتمل العطش. نامت الطفلة على كتف والدها، لا لتستريح، بل لتودّع. وحين أدرك الأب أن ابنته فارقت الحياة، لم يصرخ. لم ينهَر. لم يطلب معجزة. بل واصل السير، كأن حمل الجثة الصغيرة هو آخر واجبٍ أبويّ يستطيع أن يقدّمه في هذا العالم المنهار.
هذه الصورة ليست صورة هروبٍ من حرب. إنها صورة وطنٍ ترك أبناءه يموتون عطشاً. وهي صورة تاريخٍ أعاد نفسه بطريقةٍ أكثر وحشية، بعدما سلّم العراق إلى قوى لا تعرف معنى الدولة ولا معنى الإنسان، قوى صنعت بيئةً سمحت لداعش أن يولد، ويكبر، ويقتل، ويخطف، ويبيع النساء في أسواق السبي، ويطبخ طفلاً ويقدّم لحمه لأمه التي قاومت الاغتصاب.

في الرابع عشر من آب 2014، سجّل التاريخ فصلاً أسود لا يشبه أي فصلٍ قبله: أطفال يموتون عطشاً وجوعاً، أطفال يُنتزعون من عقيدتهم، أطفال يُدرَّبون على قتل أبناء جلدتهم، أطفال يُفخَّخون ليُفجَّروا في أحضان عائلاتهم.
والعالم صامت. والدولة صامتة. والسماء صامتة.
لكن هذه الصورة لا تصمت. هذه الصورة تصرخ. تصيح في وجه الزمن، أن طفلةً ماتت عطشاً على كتف والدها، وأن موتها ليس حادثاً فردياً، بل جرحاً مفتوحاً في ذاكرة شعبٍ عاش قروناً من الاضطهاد، ثم قُتل بالجملة في زمنٍ كان يُفترض أن يكون زمن الدولة والقانون.
هذه الطفلة لا اسم لها. ولا قبر لها. ولا تاريخ مكتوب لها. لكن صورتها هي تاريخٌ كامل، ومرثيةٌ كاملة، واتهامٌ كامل.
اتهامٌ للعالم. اتهامٌ للسياسة. اتهامٌ للذين تركوا الأيزيديين وحدهم في مواجهة الموت.
هذه الطفلة ليست منسية. هذه الطفلة هي الذاكرة نفسها.







