
وُلد فيدل كاسترو في الثالث عشر من أغسطس/آب عام ١٩٢٦ في مزرعة ماناكاس ببلدة بيران ماياري في مقاطعة هولغين جنوب شرق كوبا. أصبح والداه، لينا روز غونزاليس وأنخيل كاسترو أرغيز، من مَلّاك الأراضي الأثرياء بفضل العمل الجاد.
في الرابعة من عمره، أُرسِل فيدل إلى مدرسة في بيران، حيث درس شقيقاه الأكبر سِنًا، أنجيليتا ورامون. هناك، تعلَّم القراءة والكتابة بمشاهدة الطلاب الآخرين. لاحقًا، أُرسِل إلى سانتياغو دي كوبا مع شقيقته الكبرى، وعاشَ مع المُعلمة يوفرازيا فيليو.
كانت عائلة يوفرازيا فقيرة جدًا، تتألف من شقيقتين ووالدهما. كانت يوفرازيا هي المُعيلة الوحيدة. لم يكن دخلها، بالإضافة إلى الأموال التي كانت ترسلها عائلة فيدل لتغطية نفقات الطعام والسكن لَه ولشقيقته، ثم لرامون لاحقًا، كافيًا لإطعام جميع أفراد الأسرة الستة. استخدمت المُعلمة المال، من بين أمور أخرى، لرحلة إلى الولايات المتحدة. تزوجت شقيقة يوفرازيا من القنصل الهايتي في سانتياغو دي كوبا، وأصبحا عرابين له. في كاتدرائية سانتياغو دي كوبا، عُمِّد فيدل أليخاندرو كاسترو روز في سن السادسة.
في ظل غياب التعليم، تعلّم فيدل الحساب بنفسه من الجداول الموجودة على غلاف دفتر ملاحظاته. أثارت قوانين المنزل الكثيرة تهديدات بإرساله إلى مدرسة داخلية. سئِم من القوانين والجوع والعقاب البدني وانعدام التعليم، فخالف القوانين. وفي النهاية، كانت المدرسة الداخلية أفضل شيء له.
درس في السنوات الأولى في مدرسة اسمها لا سال، ثم في مدرسة دولوريس، كان فيدل طالبا مُتفوقا ومُولعًا بالرياضة، وخاصة كرة السلة.
طالب عام ١٩٤٥
بعد ثلاث سنوات، التحق فيدل بكلية بيلين في هافانا. وفي سبتمبر/أيلول من ذلك العام، بدأ دراسته في جامعة هافانا. خلال سنوات شبابه، كان على دراية بالأحداث السياسية الجارية في العالم وكوبا. وسرعان ما انخرط في العمل الطلابي مع اتحاد طلاب الجامعة ، ثم لاحقاً مع حزب الشعب الكوبي.
من خلال دراسته للاقتصاد السياسي الرأسمالي، استخلص فيدل استنتاجات اشتراكية، متصورًا مجتمعًا يعمل اقتصاده بعقلانية أكبر (الشيوعية الطوباوية).
لاحقًا، تعمّق في فهم الأفكار والنظريات الثورية من خلال قراءة البيان الشيوعي ومؤلفات ماركس وإنجلز ولينين. وقد كان لبساطة البيان والوضوح والأسلوب المباشر الذي خاطب به البيان العالم والمجتمع أثرٌ بالغٌ عليه.
كان فيدل من أنصار أفكار خوسيه مارتي، وأَعجبَ به لنضاله من أجل استقلال كوبا عن إسبانيا. وقد تمثلتْ إسهامات فيدل في الثورة الكوبية في مزج أفكار مارتي مع أفكار الماركسية اللينينية وتطبيقها المتسق في النضال.
حرب العصابات
دفعهُ انخراطه في اتحاد طلاب الجامعة، كرئيس لِلجنة جمهورية الدومينيكان ولجنة استقلال بورتوريكو، إلى الانضمام إلى حملة كايو كونفيتي للإطاحة بالدكتاتور تروخيو (١) في جمهورية الدومينيكان.
أثارت فكرة خوض حرب غير نظامية اهتمام فيدل. فمع تجاربه في كوبا، وإلهامه من حروب الاستقلال وأفكار خوسيه مارتي، اقتنع بإمكانية شن حرب ضد الجيش، وفكّر في إمكانية خوض حرب عصابات في جبال جمهورية الدومينيكان. صحيح أنه يمكن خوض حرب في الجبال، لكن القتال المباشر ضد الجيش سيؤدي إلى كارثة لا يمكن تجاهلها.
سافر فيدل إلى عدة دول في أمريكا اللاتينية للتحضير لمؤتمر طلابي، كان هدفه تأسيس اتحاد لطلاب أمريكا اللاتينية ببرنامج مُناهض للإمبريالية والديكتاتورية.
في عام ١٩٥٠، حصل على شهادة في القانون ولقب محامٍ.
بعد عام من استيلاء باتيستا على السلطة بانقلاب عسكري، قرَّر بِضع مئات من الشباب بقيادة فيدل كاسترو وآبل سانتاماريا مهاجمة ثكنات مونكادا في سانتياغو دي كوبا وثكنات كارلوس مانويل دي سيسبيديس في بايامو.
كان الشعب قد سَئِم من الديكتاتورية العسكرية التي قَمعت واضطهدت وقتلت الناس على نطاق واسع. كان من المفترض أن تكون الهجمات على الثكنات إشارة لانتفاضة شعبية. لكنها سارت بشكل كارثي رغم التخطيط والتدريب. والسبب كان نقص الخبرة.
فرَّ الثوار القلائل الناجون إلى الجبال. أسَّرَهم جنود باتيستا وهم على وشك إعدامهم رمياً بالرصاص. لكن الملازم بيدرو ساريا من الجيش منعهم قائلاً: "لا تطلقوا النار، لا تطلقوا النار. لا يمكنكم قتل الأفكار". ولأنَّه لم يكن يعلم هوية الأسير الذي وقع بيده، لم يُعِده إلى الثكنات، بَل سلَّمه إلى الشرطة. كان ذلك من حُسن الحظ، لأن السجناء في الثكنات تعرضوا للتعذيب حتى الموت.
قبل المحاكمة، كان فيدل في الحبس الانفرادي. في السادس عشر من أكتوبر/تشرين الأول، ألقى خطاب دِفاعه تحت حراسة عسكرية في المستشفى المدني في سانتياغو دي كوبا. حُكم عليه بالسجن ١٥ عامًا لقيادة الهجوم على ثكنات مونكادا، ونُقِل إلى سجن جزيرة بينوس (جزيرة الشباب) مع ٢٠ سجينًا آخر.
هُرِّبَ خطاب الدفاع من السجن في يونيو/حزيران ١٩٥٤ على يد امرأتين شاركتا في الهجوم، وهما ميلبا هيرنانديز وهيدي سانتاماريا. نُشِر الخطاب سِرًا تحت عنوان "التاريخ سيُبرئني".
ضد باتيستا
نتيجة للضغط الشعبي أصدر باتيستا عام ١٩٥٥ عفوا عاما عن المساجين على أمل أن يتم انتخابه رئيساً في الانتخابات المُقبلة. في يونيو/حزيران تشكلت بشكل سرّي حركة ٢٦ يوليو/تموز برئاسة فيدل. اضطر بعدها هو وشقيقه راؤول إلى الفرار إلى المنفى في المكسيك، حيثُ التقى لأول مرّة مع إرنستو تشي جيفارا. وخططوا سويةً للعودة إلى كوبا بهدف الإطاحة بنظام باتيستا عبر الكفاح المُسلّح.
في ٢٥ نوفمبر/تشرين الثاني ١٩٥٦، أبحر ٩٢ ثائراً من المكسيك على يخت غرانما متوجهين إلى كوبا، حيث هبطوا على الأرض الكوبية في 2 ديسمبر/ كانون الأول، إلّا أنهم تفاجؤوا بوجود جيش باتيستا، لذلك انقسمت المجموعة، وتوزّعوا في جبال سييرا مايسترا ، بعدها التقوا سويةً وابتدأت حرب العصابات ضد جيش باتيستا تحت قيادة فيدل.
ومن مركز قيادته في سييرا مايسترا، قاد فيدل القتال وعيّن تشي غيفارا وكاميلو سيينفويغوس قائدين.
في الأول من يناير/كانون الثاني عام ١٩٥٩، فرّ باتيستا من كوبا. انتصر جيش الثوار في معركة سانتياغو دي كوبا واستولى على السلطة. وفي الثامن من يناير/كانون الثاني، وصل فيدل إلى هافانا – لقد انتصرت الثورة!
تولى منصب رئيس وزراء الحكومة الثورية حتى عام ١٩٧٦، حين انتُخب رئيسًا للبلاد. وفي عام ٢٠٠٦، تقاعد بسبب المرض، وخلفه راؤول كاسترو.
ومن عام ١٩٦٥ إلى عام ٢٠١١، شغل فيدل أيضًا منصب الأمين العام للحزب الشيوعي الكوبي.
الاشتراكية على الطريقة الكوبية
كانت الولايات المتحدة قد فرضت حصارًا على كوبا عام ١٩٦١ وحاولت "إعادة احتلال" البلاد. ولحسن الحظ، فشلت الولايات المتحدة أيضًا في ٦٣٨ محاولة اغتيال مُخطط لها لاستهداف فيدل.
في الأول من مايو/أيار عام ١٩٦٢، أعلنت كوبا جمهورية اشتراكية. وشَملَ هيكلها تحسينات في الضمان الاجتماعي، ومحو الأمية، والإصلاح الزراعي، وزيادة متوسط العمر المتوقع، وتحسين التغذية، وتعزيز التعليم والرعاية الصحية. لقد أُرسيتْ دعائم الديمقراطية الشعبية التشاركية، والتي لا تزال قائمة.
وبينما كان فيدل يبني كوبا الاشتراكية في ظل الحصار الأمريكي المتواصل، أظهر أيضًا نزعته الأممية التي برزت في أيام دراسته، وذلك من خلال مساعدة الدول الفقيرة، ودعم حركة التحرير في أنغولا، وإرسال مُعلّمين لمحو الأمية، وعاملين صحيين لضحايا الكوارث، وفنيين لمساعدة الدول النامية.
حَظِي فيدل باحترام الملايين حول العالم لتضامنه ومناهضته للإمبريالية. كان محبوبًا جدًا من الشعب الكوبي، وقد خَسر العالم الكثير برحيله في ٢٥ نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠١٦.
لا يُمكن نسيانه، وستبقى ذكراه خالدة. كان هدفه هو "إقامة عالم أفضل"، ووسيلته لذلك "الاشتراكية أو الموت".
(مختصر من قِبل هيئة التحرير)
نبذة عن فيدل كاسترو
الدكتور فيدل أليخاندرو كاسترو روز.
وُلد في ١٣ أغسطس/آب ١٩٢٦.
توفي في نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠١٦ في هافانا.
يحتفل العالم بالذكرى المئوية لميلاد فيدل كاسترو، قائد ثورة ٢٦ يوليو/تموز التي أطاحت بالدكتاتور فولغينسيو باتيستا المدعوم من الولايات المتحدة. شَغلَ فيدل منصب رئيس الحزب الشيوعي الكوبي ورئيس الوزراء من عام ١٩٥٩ إلى ١٩٧٦، ثم رئيسًا للجمهورية من عام ١٩٧٦ إلى ٢٠٠٨. نجا فيدل من ٦٣٨ محاولة اغتيال ومؤامرة.
في عام ١٩٥٩، شنت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية حربًا سرية للغاية ضد كوبا. كان الهدف هو اغتيال زعيم البلاد، فيدل كاسترو، والإطاحة بالنظام الشيوعي. لعقود، ظل كاسترو يعيش في خطر محدق بينما كانت وكالة المخابرات المركزية ترسل إليه قتلة مأجورين، وسجائر مسمومة، وقذائف متفجرة. اعتقد الكثيرون أن كوبا ستموت بموت فيدل، ولكن كان عليهم أن لا يتقبلوا هذه الفكرة.
سيجار بطول 90 مترًا
عندما بلغ فيدل التسعين من عمره، أُهديَ سيجارًا بطول 90 مترًا من قبل عُمال صناعة السيجار، تكريماً وتقديرًا لقيادته لهم وللبلاد لعقود طويلة، ولتضحياته الجسام في سبيل حريتهم. ساهم فيدل في تأسيس علامة كوهيبا، التي تُعد اليوم من أرقى ماركات السيجار.
كوبا باقية. الولايات المتحدة هي التي تخنق الشعب الكوبي، وليس الحكومة الكوبية المُنتخبة.
زار كاسترو الدنمارك مرتين، وشارك في القمة العالمية للتنمية الاجتماعية في كوبنهاغن في مارس/آذار ١٩٩٥، حيث زار مركز فالكونر(٢) أيضًا. وفي وقت لاحق من ذلك العام، أمضى يومين في كوبنهاغن خلال توقفه.

في مارس/آذار 1995، عُقدت قمة الأمم المتحدة الاجتماعية في كوبنهاغن. جمعت هذه القمة كلاً من فيدل كاسترو، زعيم كوبا، ونيلسون مانديلا، زعيم جنوب أفريقيا، في كوبنهاغن.
وقد سلّمَ الحزب الشيوعي الدنماركي صورًا من زيارة كاسترو للدنمارك إلى مركز فيدل كاسترو الرقمي، وهو متحف هافانا الجديد المخصص لحياة الزعيم الثوري الكوبي. طوال حياته، رفض كاسترو أي مظهر من مظاهر عبادة الشخصية، وأعلنَ أنه لا يريد تماثيل ولا آثاراً. لكن أفكاره حيَّة وستبقى مُلهمة.
(١) رافائيل ليونيداس تروخيو هو دكتاتور عسكري حكم [جمهورية الدومينيكان] بقبضة من حديد لأكثر من٣٠ عاماً من عام ١٩٣٠ حتى اغتياله في ٣٠ مايو ١٩٦١
(٢) مركز فالكونر يحتوي على فندق ضخم ومُجمع للمؤتمرات يقع في فريدريكسبيرغ في كوبنهاغن.
*عن جريدة "الشيوعي" الدنماركية (١) في عددها الأخير الصادر في شهر أغسطس/آب .







