هكذا يشير طالع كارثة الحرب القائمة بين إيران والولايات المتحدة الامريكية، والتي غرّزت ماكنتها العدوانية في وحل مضيق هرمز، وباتت بحاجة الى دعوة الطرفين الى مراجعة استرتيجيتهما الحربية التي رُسمت على (امل الانتصاراللذيذ !!) بمعنى إيران تريد امتلاك السلاح النووي. وهنا لا تتعدى على حقوق اي بلد او قانون دولي، لاسيما انها محاطة بدول نووية، بصرف النظر عن عدم اولوية هذا السلاح بالنسبة لحاجات شعبها الحياتية، غير ان الادارة الأمريكية مع ذراعها في الشرق الاوسط اسرائيل تريدان منعها، وهذا تعسف بحق الشعوب التي ترغب بامتلاك السلاح النووي، محسوباً لديها سلاحاً دفاعياً وحسب.. فلا يوجد من يستعمله كسلاح هجومي الا اذا كان  يروم الانتحار.. كما انه مقيّد استخدامه دولياً وفقاً للشرائع الاممية.

ومن صميم متن ذات المنطلق " حلم الانتصار اللذيذ !! " من قبل الطرفين، استمرت نار الحرب ولكن وفق اية مفاهيم ؟ .. الادارة الامريكية وحلفاؤها بعد ان سنحت لهم الظروف بقمع الشعوب الضعيفة بجبروت قواهم العدوانية،  كاحتلال العراق، وافغانستان، وتحطيم ليبيا، وسحق الشعب الفلسطيني، والعدوان على فنزويلا.. الذي كان قد جرى في ظل سبب قاهر وهو القطبية العالمية الواحدة التي نشئت بعد غياب الاتحاد السوفيتي، الذي كان خط الصد الاول لحماية الشعوب المناضلة فتوجهوا الى إيران، وهنا لابد من التنويه اذ توفرت لديهم اسباب تمكنهم من استثمارها لكي تبرر عدوانهم، والتي تجلت بذلك الامتداد الإيراني الطائفي في اكثر من بلد تحت شعار تصدير الثورة، مما افزعهم ورجفت منه اسرائيل كونه يحمل في طياته المعلنة على اقل تقدير، رغبة لنصرة الشعب الفلسطيني. زد على ذلك الخشية التي كان مصدرها السعي الإيراني لامتلاك السلاح النووي وصناعة الصوريخ البالستية بعيدة المدى.

اما تجليات الحرب فقد كشفت ان إيران ليست كباقي ضحايا العدوان الامريكي، اذ لديها امكانيات الصمود والتواصل رغم فقدان معظم قادتها وتحطم اقتصادها الى درجة الانهيار بفعل العقوبات الامريكية والحصار.. وهنا تواجه المراقب السياسي مفارقة جارحة متمثلة بعنجهية إيرانية حيث لا تأبه بالضائقة الحياتية التي يعاني منها شعبها الابي، مما منح لامريكا فرصة تلقفتها وامعنت في مزيد من الحصار البحري والنفطي والعقوبات الاخرى على إيران، التي من شانها ان تضخم التدهور الاقتصادي الذي يعاني منه الشعب الإيراني، ليس هذا فحسب حيث تحولت لعبة الحرب الى شبيهة بنزالات ملاكمة، الامر الذي جعل الرأي العام ينشغل بحالة من الترقب للضربة القاضية ومن سيسددها الى خصمه ..كما بات مضيق هرمز بمثابة حلبة صراع..  فمرة تسدد إيران ضربة لأمريكا بغلق المضيق، ومن ثم تجاوبها قوات العدوان الامريكي بحصار موانئ إيران وهكذا دواليك..

ومع ان الادارة الامريكية ارادت استخدام الغزو البري لإسقاط النظام الإيراني، وحشدت معظم اساطيلها الحربية على غرار ما حصل في العراق لاسقاط نظام صدام الدكتاتوري عام 2003 ..غير انها واجهت موقف الصين وروسيا الرافضتين بشدة لاحتلال إيران واسقاط نظامها.. وقد نُبهت امريكا من مغبة الدخول في هذا المنعطف الخطير، الذي سيفتح بوابة التشجيع للدول القوية ان تكرر الفعل الامريكي على سبيل المثال المجرد، تقوم الصين على ضم تايوان،  وتقدم روسيا على غزو اوكرانيا واسقاط الحكم التابع للولايات المتحدة وغير ذلك. كما يُحتمل اشعال حرب عالمية ثالثة.. بيد ان الادارة الامريكية خلصت الى استخدام سلاح الحصار الاقتصادي، والهدف منه تجويع الشعب الإيراني وانهاك قدراته العسكرية واللوجستية، لعل ذلك يحقق مآربها في اسقاط النظام الإيراني..

وفي السياق ذاته اطلعنا من خلال الاخبار بان مهمة "جي فانس وتكوف " التفاوضية قد عجزت، ولم تحقق شيئاً بموازات انتهاء مهلة الستين يوماً، وكان تأثير الموقف الإيراني فاعلاً لتسفيه المسار التفاوضي، بسياقاته المقتصرة على الرد والبدل والتهديد الذي يعول عليه " ترامب " كثيراً       لتحقيق احلامه بـ " الانتصار اللذيذ ).. وبقيت الخشية الإيرانية ملازمة لها من اجراءات الخزانة الامريكية الضاربة بصميم الاقتصاد الإيراني العليل المنهك وما يرميه ذلك على حياة الشعب الاراني الصابر.. بيد ان هذا الصبر حبله ليس طويلاً  ما يؤكده المنطق وسير الاحداث..