
غادرتُ جامعة الزيتونة في تونس، منذ زهاء ثلاثة عقود، بعد أن لبثتُ في رحابها عقدًا بأكمله، طيلة فترة التحصيل الجامعي، وإلى غاية إعداد رسالة الدكتوراه حول المقاربة الدينية لليهودية في الفكر العربي. مع ذلك لم أنقطع عن متابعة أحوال الزيتونة وأحوال مثيلاتها من الجامعات التاريخية في أرجاء البلاد العربية. لعلّ ذلك الهاجس هو ما دفعني إلى إهداء أوّل عمل ترجمة أنجزته لمّا كنت طالبا إلى "الزيتونة والقرويين والنجف والأزهر"، وهو كتاب "علم الأديان" للأنثروبولوجي الفرنسي ميشال مسلان. ورغم اتخاذي روما مقاما والتحاقي بالتدريس في الجامعة الإيطالية، ظلّ الإسهام في الإنماء المعرفي العربي حاضرا لديّ، وذلك بموجب عاملين أساسيين: حرصي على تطوير المناهج العلمية لدراسة الأديان في البلاد العربية بحثًا وترجمةً؛ واشتغالي بالشأن العربي والإسلامي في قسم الدراسات الشرقية في الجامعات الإيطالية التي درّستُ فيها سواء في نابولي أو في روما.
ونحن نعالج موضوع "أزمة التكوين الجامعي" حريّ أن نستهلّ الحديث من البدايات. "أليس الصبح بقريب؟" هو عنوان كتاب، أو بالأحرى هو برنامج إصلاحي تعليمي سطره الراحل محمد الطاهر ابن عاشور خلال صائفة 1907، على أمل تطوير التعليم من أجل خلق خرّيج فاعل في المجتمع، ودارس مستوعب لقضايا العصر، حائز لما يكفي من الأدوات العلمية والمعرفية. وأحسب أنّ البرنامج لا يزال حيّا وملحّا، حين نرى دروس جامعاتنا الدينية ومناهجها التعليمية لا تنأى كثيرا عمّا نسمعه في خطب الوعظ في المساجد وفي دروس الحسينيات. والمنهج الرثّ والعقيم في كثير من مضامينه وأساليبه، ليس خاصية من خاصيات كليات الشريعة، بل هو شائع في شتى الكليات المدرّسة للعلوم الإنسانية والاجتماعية أيضا. أتساءل أحيانا أين علم الاجتماع العربي ومدرسته المغاربية الرائدة في المجال، من حيث الانشغال بالدين ولواحقه؟ وهل بلغ إلى مسامعنا الحديث عن علم الاجتماع الديني، وسوسيولوجيا الأديان، والأنثروبولوجيا الدينية، و"الدراسات الدينية" (Religious studies)؟ وكيف لمجتمعات تتنفّس المقدّس وتستهلكه كما تستهلك الخبز والماء، والدّين يقع خارج اهتماماتها العلمية والبحثية المواكبة لتحولات العصر.
البيّن أنّ ثمة خللا مستفحلا في كثير من جامعات بلاد المغرب الكبير، يتمثّل في افتقاد استراتيجية الترابط بين حلقات التكوين، والاستيعاب، والإحاطة بمسارات المعرفة، ممّا حوّلها إلى مؤسّسات مقصّرة في الإسهام في صنع التنمية في أوطانها، وواهنة عن منافسة نظيراتها من المؤسسات العلمية المعتبرة، وبالتالي متخلِّفة بمقاييس جدوى أبحاثها، وقوة كوادرها، ومتانة تكوين خرّيجيها. إذ لم يعد العقل الأكاديمي، منذ ارتباك الاستراتيجيا الوطنية في الخيارات التعليمية، عقلا حاضرا في معترك الحياة ومواكبا لسير المجتمعات، بل غدا عقلا منكفئا على أحواله ومستمرئا لأوضاعه السيكولوجية الاجتماعية لفقدانه حسّ الإحاطة بالماحول والتشوّف قدما، نظرًا للضيق الرؤيوي، والتخبّط المعرفي، والكسل العلمي المستشري بين كثير من الكوادر الجامعية المتحكمة بمصائر الوسط الأكاديمي وأهليه.
الأمر الذي جعل العقل الجامعي سجين مناخاته، ومستفرِغا قدراته في الهراء الذي ينتجه ويعيد تدويره. لسنا هنا بصدد إعداد جرد حساب أو جلد للذّات، لأنّ هذا المقال ليس ذلك مقصده، وإنما غرضنا التملّي في العُقد المستعصية التي جرّت إلى هذا التخبّط وتفكيكها، والتي حالت دون بناء قدرات عتيدة تتحاور بجدارة مع بات معروضا على نطاق كوني، إلى حدّ انكفأنا عن عرض مخزوننا الحضاري العربي والإسلامي، وليتكفّل به غيرنا في الموسوعات العالمية المعنية بتراثنا وثقافتنا، وما شابهها من المداخل العلمية المعتبرة التي باتت البوابة الرئيسة لمعرفة ماضينا وحاضرنا على نطاق عالمي.
وجهٌ بسيطٌ من أوجه هذا التيه الذي نعانيه، يتجلى في شكل تواصلنا مع العالم. ففي قطاع الترجمة الذي أتابعه عن كثب منذ سنوات، وفي أوساط جامعية مغاربية بعضها يدرّس اللغة والآداب الإيطالية منذ أمد يزيد عن نصف قرن، بَيْد أنها لا تملك في أحضانها أو ضمن دفعات خرّيجيها مترجما مقتدرا على ترجمة كتاب أطفال في عربية نقيّة تليق بناشئتنا. وهذا عجب عجاب وحديث لا يصدّق لدى من لا يعرف البيت من الداخل، ولكنّه واقع أليم عن هدر الزمن الدراسي، واستنزاف الأموال العامة، وعن شهادات خادعة صادرة عن جامعات مشوّهة. ومن شاء التثبّت من الأمر، فليبحث عن مترجمين مقتدرين من الإيطالية وإليها على طول خارطة بلاد المغرب الكبير وعرضها، باستثناء ثلّة قليلة جدّا. والسؤال المطروح: هل العقل الأكاديمي المنهَك والمستنزَف في اللّغو والعبث هو قادر على التواصل مع أكاديميات عالمية والتحاور مع كوادرها بندّية والتثاقف مع مخزونها الحضاري بكفاءة واقتدار؟ سألني ذات مرة صحفي مغاربي أثناء برنامج إذاعي، وإحدى الدول المغاربية تتأهّب لعقد شراكة اقتصادية واعدة مع إيطاليا: كيف سنخوض هذه الشراكة وليس لدينا من يفقه الإيطالية؟ فلم أجد جوابا لهول الطامة.
والبيّن أنّ العياء الذي يُعيق جامعاتنا عن أداء دورها، هو على صلة وثيقة بالقدرات المتدنّية أحيانا لمسؤوليها والساهرين عليها. فخلال إحدى زياراتي لرئيس جامعة مغاربية حدّثني عن التطلّع إلى تحويل الجامعة التي يترأّسها إلى جامعة عالمية تستقطب الطلاب من شتى أرجاء المعمورة، وتروّج المعارفَ شرقا وغربا نظرًا للرمزية الفائقة التي تحوزها، في حين هو لا يحسن غير العربية، وانشغالاته لا تتعدّى فقه القرون الخوالي. فهل ذلك الصنف ممّن توكل إليه مهام المؤسّسات العريقة، لديه القدرة على التواصل مع العالم وفهم مقتضياته؟ لا أدري أين تقف مختلف جامعاتنا للدراسات الدينية والإنسانية والاجتماعية والسياسية من مسارات العالم اليوم وحاجاته ومتطلّباته؟ والحال أنها تعقد الندوات والملتقيات، وتنشئ حلقات البحث التي تعجّ بالباحثين والباحثات، مع ذلك تظلّ غير واعية بما يجري في العالم وتظلّ منطوية على أسفارها القديمة وتلوك قضايا مهجورة. خلال السنوات القليلة الماضية كانت مشاركتي في مؤتمر دولي حشِدت له "كفاءات الأمة" -كما قيل- تَعلّق باستيعاب الآخر ضمن نسيج الأوطان، وهو موضوع مغر ولافت. لم يَتمحور الحديث فيه حول مقتضيات المواطَنة وتحدّياتها في الزمن المعولم، بل تركّز الحديث حول مؤسسة أهل الذمة والدفاع المستميت عنها من قبل جلّ المتدخّلين، فيا له من اغتراب عن قضايا عالم متبدّل! وفي مناسبة أخرى دعيت بإلحاح من إحدى جامعاتنا المغاربية للمشاركة بمداخلة علمية ضمن ندوة دولية تتناول موضوع "الدعاء" وأثره في الإنسان والمجتمع. بقيت متأرجحا بين المشاركة والإحجام، ثم حسمت الأمر حين تذكرت قول الراحل علي شريعتي الوارد في كتيّب بعنوان "النباهة والاستحمار"، يحمل فيه الرجل على المفاهيم البائسة، لما فيه من خيانة جلية لجوهر الدين، قائلا: عندما يشبّ حريق في بيت، ويدعوك أحد للدّعاء والتضرّع إلى الله، ينبغي عليك أن تعلم أنها دعوة خائن لأنّ الاهتمام بغير إطفاء الحريق، والانصراف عنه إلى عمل آخر، هو الاستحمار، وإن كان عملا مقدّسا.
وقوفي على مشارف ضفّتين حضاريتين، جعلني متيقّظا لرصد أشكال التمايز والتفاوت بين المناهج والمقاربات، وعلى غاية من الحساسية في هذا الشأن. فمنذ أيام قليلة احتفت كوكبة من المستعربين والمتخصّصين الإيطاليين في دراسات الإسلام بإنجاز عمل ضخم (588 صفحة) وفي غاية من الإتقان والإخراج، بعنوان "العوالم الإسلامية" من إعداد الأستاذين ميكالي برنارديني و روبارتو توتولي من منشورات "دار موندادوري". تابع حشدٌ من المساهمين، كلّ من زاوية تخصّصه، المنجزَ المعرفي، والتحوّلَ الحضاري، والوضع السياسي والاجتماعي، لمجمل أطراف العالم الإسلامي وحواضره، أو كما أطلقوا عليها العوالم الإسلامية. جاءت الأبحاث ذات منزع تاريخي، وسوسيولوجي، وسياسي، وفقهي، وحضاري، وغاصت في الزمن الإسلامي بأبعاده الثلاثة الماضية والراهنة والآتية. الكتاب جديرٌ بالاطلاع والتمعّن والترجمة أيضا لمواكبة ما يشغل الآخر، ولإدراك أي زوايا ينظر منها إلى حضارتنا وشعوبنا ومعارفنا. بَيْد أنّ إيطاليا القريبة من بلاد المغرب جغرافيا تبدو قصيّة معرفيا، وكأنّها في كوكب ناء عن كوكبنا بالنسبة إلى عقلنا الأكاديمي، وقِس على ذلك جيراننا الأوروبيين الذين يقاسموننا المتوسّط. فالجامعة التي يفترض أن تكون في آن، المنصة التي تتقدّم جميع المبادرات والقاطرة التي تجرّ مختلف العربات، إذا بها تتحوّل إلى هيكل خائر ومقعَد.
فكما أشرت آنفا، مرّت عقود ثلاثة تقريبا على اختياري إيطاليا مقاما، أنتجت خلالها عشرة مؤلفات وعشر ترجمات وسهرت على نقل مئة (100 عمل) من الإيطالية إلى العربية والعكس، في التاريخ، والقانون، وعلم الاجتماع، وأدب الناشئة، والسينما، والشعر، بمعية ثلّة من المترجمين، جلّها لفائدة مشروع كلمة في أبوظبي.. أذكر أثناء انعقاد ندوة في دولة مغاربية لمّا اطّلع أستاذ جامعي على سيرتي الذاتية وكان يشاركني الجلسة، ولم تربطني به علاقة سابقة، علّق هازئا ساخرا: لديك "إسهاب" في الكتابة! فلم أعر قوله اهتماما، لأنّي أدرك أنّ الكسل الأكاديمي في أوساط جامعية قد بات قيمة وفخارا.
غالبا ما يتمحور الحديث مع زملائي من الجامعات المغاربية، حين نلتقي، حول تقصّي أخبار البحث العلمي، والسؤال عن المشاريع المعرفية التي تشغل بال الدارسين والباحثين. ولكن نادرا ما أظفر بما يثلج الصدر، أو أجد كلفا حقيقيا بالبحث والإنتاج العلمي على غرار ما رافق الرعيل الأول من رواد الجامعات المغاربية مع الراحلين محمد عابد الجابري، ومحمد الطالبي، وعلي فهمي خشيم، والمنصف ونّاس ومن شابههم. وقد بات يسترعي انتباهي أنّ الفطاحلة الجدد الموكّلين بمهمة النهوض بالوعي الأكاديمي المغاربي قد أضحى لا يشغل بال الكثير منهم البحث العلمي ولا الإنتاج المعرفي، ولكن تشغلهم مزارع الحبوب، وإصطبلات المواشي، والمناقصات التجارية، ومضامير الخيل التي يستثمرون فيها. وكثير منهم غدوا يعتبرون مهنة التعليم والبحث لا تدرّ ربحا مجزيا، ولم يبق فضاء الجامعة معهم سوى لاكتساب الوجاهة وحيازة الكاريزما الواهية. حتى أنّ البحث عن الترقي في سلّم الوظيفة، في الجامعات العمومية، بات التماسه بأي ذريعة كانت، ومن أعيته الحيلة في الترقّي النزيه صار يمارس النطّ عبر ما يسمّى بالنشر "على الحساب الخاص" ومن ثَمّ صعود مصعد الترقّي بما تمّ دفع أجره، بحثًا عن الزيادة في المرتّب واقتلاع درجة علمية ووظيفية أعلى. أضحى هذا الأمر سائدا بشكل مشين وبائس يندى له الجبين. حيث تُطبع أعمال لا يتوفّر فيها الشرط العلمي أو الأكاديمي، وقد تنطوي على مجاهل وليس معارف، ومفعمة بالأخطاء "المتوحشة" لضراوة ما تنطوي عليه من مساوئ، ولكنّها مجدية في اجتياز سلّم الترقي الوظيفي.
ومن جانب آخر، حين يكون الزّاد المعرفي الذي يتلقّاه الطالب طيلة مشواره التكويني لا يخلّف فيه نباهة حضارية، ولا مقدرة علمية، ولا معرفة متينة بالحقل الذي تخصّص فيه، فمن الطبيعي أن يتلبّد المستقبل بالغيوم ويتبخّر الرهان المعوّل عليه، ويغدو الأستاذ والباحث والدارس طرفا ضمن من ينتظرون الإنقاذ لا عناصر فاعلة في تطوير الوطن وإنمائه. ينطبق هذا الوضع على ألوف الخرّيجين من جامعاتنا وقد باتوا جزءا لا يتجزّأ من ثقافة موبوءة ومن مناخ أكاديمي فاسد ومفسد.
وقد كان الأحرى التطرّق في جامعات العلوم الدينية والاجتماعية والإنسانيات وما شابهها، إلى أزمة خرّيجيها، وهشاشة تكوينها، وخواء طروحاتها، وكساح أساتذتها أيضا، وهو ما أخرجها من معايير التصنيف العالمية وعدم اقتدارها على خوض سباق المنافسة على جميع الأصعدة؛ ولكن غالبا ما يقع الاختباء وراء "الظروف"، ونقص الاعتمادات، وتدنّي المستويات، وهي في جلّها تعليلات واهية.
الذي حصل أنّ الجامعة في بلاد المغرب الكبير وفي المشرق قد خبا توهجها المعرفي الذي حازته في مستهلّ إنشائها وعلى مدى العقود القليلة اللاحقة، وذلك على إثر الزعزعة الهائلة الحاصلة في استراتيجياتها التعليمية والتكوينية، الناشئة بفعل التدمير الصامت لمقدراتها وتفرّق الصفوة من حولها، وهو ما بات يتجلى في المستقبل الضبابي المتربّص بخرّيجيها. ضمن هذا التراجع يلحظ المراقب في الراهن الحالي هجران أبناء الفئات المترفّهة وحتى أبناء الشرائح الاجتماعية المحظوظة من الطبقة الوسطى مدارجها التعليمية إلى جامعات خاصة أو غربية، وما عادت جموع واسعة تعلّق أملا كبيرا على الجامعة الوطنية وعلى تكوينها وقدراتها إلا من أعوزته الحيلة، لتقادم البرامج، وترهّل الكوادر، وفقدان المصداقية في مؤسّساتها، مما حوّلها إلى مؤسّسات غير موثوقة لتأمين مستقبل واعد. وأمّا الجامعات التاريخية، مثل الزيتونة والقرويين والنجف والأزهر، وما شابهها فقد تحولت إلى جامعات "متريّفة" و"متكلّسة" تاريخيا، تقع على هامش فائض التخلّف الذي ينهش المجتمعات في وسطها الجامعي الوطني، وتقع خارج التصنيف العالمي للمؤسّسات، وكان الأحرى أن تقود هي القاطرة المعرفية في بلدانها نظرا لعراقتها وثقلها التاريخي، وقد كان منشأها قبل جامعات الدول الغربية بأسرها بقرون.
فحين تنوء المؤسسة التعليمية بمختلف فئاتها، الدارسة والباحثة والساهرة، تحت وطأة القدامة وعدم الكفاءة والموالاة وتلحق بها الفئة المدرّسة، فالأمر يعني أنّ هناك أزمة هيكلية تشقّ المؤسّسة برمّتها لا يفيد معها تغيير عنصر هنا أو إدخال تحوير هناك. وحين يغدو الموكل بالعملية الإنتاجية للمعرفة في حاجة إلى من يرعاه ويسهر عليه يصير التعويل على المؤسّسة الجامعية في رسم خريطة النهوض وانتشال المجتمع من أوضاعه الرثّة خدعة كبيرة، يتقاسمها حشدٌ غفيرٌ من الذئاب والحملان بوعي وبدون وعي. في هذا الوضع لا بد من مصارحة كبرى من الأكاديميين أنفسهم، تطرَح فيها تساؤلات حازمة بشأن الهوية الجامعية، وبشأن الجامعي المعني بالتدريس والتأطير والبحث: هل هو في مستوى هذا الدور المعرفي والرسالة الملقاة على عاتقه؟
ولندنو قليلا من أوضاع تلك الجامعات التاريخية. ما الذي حصل في فضاء جامعة مثل جامعة الزيتونة إبان العقود الثلاثة الأخيرة؟ لقد بلغ الاهتزاز البنيوي للجامعة مبلغه على إثر الصراع في تونس بين الإسلام السياسي ونظام بن علي إبان تسعينيات القرن الفائت، مما حوّل الزيتونة إلى ساحة تصفية حسابات طاحنة بين قوتين: معارضة وسلطوية، عصفت فيها الأوضاع بالجامعة وشرِّد أهلها: خرّيجين وباحثين وأساتذة، وأوشكت أن توصد أبوابها لولا خشية أطراف سلطوية حينها من رمزيتها التاريخية، وأمّا خرّيجوها الذين كانوا يعدّون بالآلاف في الثمانينيات والتسعينيات، فقد أوصدت أبواب التشغيل أمامهم وخضعوا إلى فرز أمني صارم. ألفيتُ نفسي وأنا في مستهلّ مشواري العلمي أتسكّع في شوارع روما وليس معي سوى شهادة دكتوراه ومخطوطات ترجمة وزّعتها لاحقا على دور النشر بأبخس الأثمان خشية تلفها، من ضمنها كتاب ميشال مسلان آنف الذكر وكتاب "السوق الدينية في الغرب" لمجموعة من علماء الاجتماع الأمريكان، وهذا غيضٌ من فيض كما يقول المثل.
* جامعي تونسي مقيم في إيطاليا







