لم تكن أزمة العراق بعد عام 2003 في تعدد الأحزاب أو تنوع الأفكار، بل في عجز النخبة السياسية عن ترسيخ ثقافة الاختلاف. فالنظام الجديد الذي رُفع تحت شعار الديمقراطية والتعددية سرعان ما أعاد إنتاج واحدة من أخطر موروثات الدولة العراقية، وهي ثقافة الإقصاء السياسي، وإن اختلفت أدواتها وأساليبها. تغيرت الأنظمة، لكن بقيت العقلية ذاتها؛ فمن يخالفني في الفكر يُتهم، ومن يعارضني في السياسة يُقصى، ومن لا ينتمي إلى معسكري يصبح موضع تشكيك في وطنيته أو شرعية وجوده.

هذه الظاهرة لا تستهدف حزباً بعينه، لكنها تظهر بوضوح كلما دار النقاش حول الحزب الشيوعي العراقي أو غيره من القوى المدنية والديمقراطية. فبدلاً من أن ينصب الحوار على البرامج السياسية والرؤى الاقتصادية والاجتماعية، يتحول في كثير من الأحيان إلى نقاش حول أحقية هذا الحزب أو ذاك في البقاء داخل المشهد السياسي، وكأن الاختلاف الفكري أصبح سبباً لإلغاء الخصوم بدلاً من منافستهم عبر الوسائل الديمقراطية.

ولا شك أن الحزب الشيوعي العراقي، شأنه شأن جميع الأحزاب، ليس فوق النقد. فمن حق الباحثين والإعلاميين والمهتمين بالشأن العام أن يناقشوا الأسس الفكرية التي يستند إليها، وأن يراجعوا تجربته السياسية وتحالفاته ومواقفه التاريخية، وأن يقيموا أداءه في ضوء التحولات التي شهدها العراق والمنطقة. بل إن النقد الموضوعي يمثل أحد أهم شروط تطور العمل السياسي، لأنه يفتح المجال للمراجعة والتصحيح ويمنع تحول الأحزاب إلى كيانات مغلقة لا ترى في نفسها إلا الصواب.

غير أن هناك فارقاً جوهرياً بين نقد التجربة وإقصاء أصحابها. فالنقد الرصين ينصرف إلى الأفكار والبرامج والممارسات، بينما يستهدف الإقصاء حرمان الخصم من حقه في المشاركة السياسية بسبب هويته الفكرية. الأول يعزز الديمقراطية، أما الثاني فيقوضها.

ومن الناحية الفكرية، يمكن تناول تجربة الحزب الشيوعي من ثلاثة محاور رئيسية. أولهما مراجعة بعض المرتكزات الماركسية ومدى انسجامها مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة وخصوصية المجتمع العراقي. وثانيها تقييم التجربة التاريخية للحزب، بما فيها من نجاحات وإخفاقات، وتحالفات ومواقف أثرت في مسار الحياة السياسية. أما المحور الثالث فيتعلق بالبنية التنظيمية وآليات اتخاذ القرار ومدى قدرتها على استيعاب التجديد الفكري وتغير الأجيال. وهذه كلها موضوعات مشروعة للنقاش، شريطة أن تستند إلى الوثائق والوقائع والتحليل العلمي، لا إلى الأحكام المسبقة أو الخصومات الأيديولوجية.

وفي المقابل، لا يمكن اختزال موقف الشيوعيين من النقد في صورة واحدة. فداخل الحزب، كما في غيره من الأحزاب، توجد اتجاهات مختلفة؛ بعضها يتعامل مع النقد بوصفه فرصة للمراجعة والتطوير، بينما تنظر اتجاهات أخرى إليه بعين الريبة، متأثرة بتاريخ طويل من القمع والملاحقة والاستهداف. وهذه ليست سمة خاصة بالشيوعيين، بل تكاد تكون ظاهرة مشتركة بين معظم الأحزاب العقائدية، سواء كانت يسارية أو قومية أو إسلامية، إذ لا تزال الذاكرة السياسية العراقية مثقلة بصراعات الماضي، فتنعكس على طريقة استقبال الرأي المخالف.

غير أن أخطر ما يواجه الحياة السياسية العراقية ليس اختلاف المواقف من النقد، بل استمرار محاولات الإقصاء التي رافقت العملية السياسية منذ تأسيسها. فقد أظهرت التجربة أن استبعاد أي مكون سياسي، أو التشكيك في حقه بالمشاركة، لم يؤدِّ إلى بناء دولة أكثر استقراراً، بل ساهم في تعميق الانقسامات وإضعاف الثقة بالمؤسسات وإنتاج أزمات متكررة. فالديمقراطية لا تُختبر عندما نتعامل مع من نتفق معهم، وإنما عندما نحترم حق من نختلف معهم في المشاركة السلمية والعمل السياسي.

ومن هنا فإن رفض الإقصاء لا يستند إلى اعتبارات سياسية فحسب، بل يقوم أيضاً على أسس دستورية وحقوقية واضحة. فالدستور العراقي لعام 2005 أرسى مبدأ التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، وأكد في المادة (14) أن العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي. كما كفلت المادة (38) حرية التعبير عن الرأي، وضمنت المادة (39) حرية تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية والانضمام إليها وفقاً للقانون. وهذه النصوص لا تمنح امتيازاً لحزب معين، بل ترسخ حق جميع المواطنين والقوى السياسية في المشاركة المتكافئة في الحياة العامة.

ويتعزز هذا الإطار بالحماية التي يوفرها القانون الدولي لحقوق الإنسان. فالعراق طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يكفل حرية الرأي والتعبير، وحرية تكوين الجمعيات، والحق في المشاركة في إدارة الشؤون العامة والترشح والانتخاب دون تمييز. كما يقوم على مبدأ المساواة أمام القانون وعدم التمييز، وهو ما يجعل أي دعوة لإقصاء حزب سياسي بسبب توجهه الفكري، ما دام ملتزماً بالدستور والوسائل السلمية، تتعارض مع الالتزامات الدستورية والدولية للدولة العراقية.

إن معيار الحكم على الأحزاب في الدولة الديمقراطية لا ينبغي أن يكون عقيدتها السياسية، بل مدى التزامها بالدستور، ونبذها للعنف، واحترامها لسيادة القانون، وقبولها بالتداول السلمي للسلطة. فالدولة المدنية لا تقصي الشيوعي لأنه شيوعي، ولا الإسلامي لأنه إسلامي، ولا الليبرالي لأنه ليبرالي، وإنما تحاسب الجميع على أفعالهم ومدى احترامهم للقانون، لا على أفكارهم وانتماءاتهم.

لقد أثبتت التجربة العراقية أن الإقصاء لا ينتج استقراراً، وأن الاحتكار لا يبني دولة، وأن الديمقراطية لا تُختزل في صناديق الاقتراع، بل تقوم على منظومة متكاملة من الحقوق والحريات والتعددية والمساءلة. ولذلك فإن الدفاع عن حق الحزب الشيوعي أو أي حزب آخر في الوجود والمنافسة ليس دفاعاً عن أيديولوجية بعينها، بل دفاع عن الدستور، وعن مبدأ المواطنة المتساوية، وعن حق العراقيين جميعاً في اختيار من يمثلهم بحرية.

إن العراق لا يحتاج اليوم إلى أحزاب معصومة من الخطأ، بل إلى ثقافة سياسية تعترف بأن جميع القوى قابلة للنقد، وأن جميعها متساوية أمام القانون، وأن الاحتكام يجب أن يكون دائماً إلى الدستور وصندوق الاقتراع، لا إلى التخوين أو الإقصاء أو احتكار الوطنية. فالنقد حق مشروع، والمراجعة ضرورة وطنية، أما الإقصاء فلا يصنع ديمقراطية، بل يعيد إنتاج الأزمات التي خرج العراقيون قبل أكثر من عقدين أملاً في