
أطلعت على الورقة البحثية للزميل العزيز د. على مرزا، بعنوان: الإدارة الاقتصادية، السوق، القطاعين العام والخاص والعملية التنموية في العراق، والمنشورة على موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين، بتاريخ 03/07/2026 وأدناه رابط المقال
تنصب هذه الدراسة الرائعة والقيمة على معالجة أحد أهم المواضيع في الاقتصاد العراقي، الا وهو
الإدارة الاقتصادية، السوق، القطاعين العام والخاص والعملية التنموية. تستند الدراسة على تحليل منهجي
علمي، ومعرفي للمحاور المطروحة فيها، وصولا الى نتائج تساهم في حل المعضلات البنيوية في السياسة الاقتصادية العراقية بعد عام 2003. يستحق الكاتب كل التقدير والتثمين.
أدناه مداخلتي المتواضعة بخصوص الدراسة.
مقدمة
تواجه الحكومة العراقية الجديدة تحدياً يتمثل في الانتقال من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية الى اقتصاد أكثر تنوعاً وإنتاجية. وقد أظهرت التجارب الناجحة أن نجاح هذا التحول لا يتحقق بالاعتماد على آليات السوق وحدها، وإنما يتطلب دولة قوية تمتلك مؤسسات فعالة، وقدرات تخطيطية، وسياسات صناعية زراعية، وتكنولوجية واضحة، ومتقدمة.
بعد عام 2003 اتجهت السياسات الاقتصادية الى إعطاء دور واسع للسوق والقطاع الخاص، إلا أن ضعف المؤسسات، واستمرار الفساد، وغياب التخطيط الاستراتيجي، حدّ من تحقيق التنوع الاقتصادي. لذلك تبرز الحاجة الى إعادة بناء دور الإدارة الاقتصادية بما ينسجم مع مفهوم الدولة التنموية، وممكن الاستفادة من تجارب دول شرق آسيا بهذا الخصوص.
يمثل ملف الإدارة الاقتصادية في العراق أحد أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً، نظراً لارتباطه المباشر ببنية الدولة الريعية، والتحولات السياسية بعد عام 2003، وما رافقها من تحديات في بناء مؤسسات فعّالة قادرة على إدارة الموارد وتوجيهها نحو التنمية المستدامة. في هذا السياق، تبرز أهمية المنهاج الوزاري للحكومة الجديدة فيه، بوصفه إطاراً لتحديد أولويات السياسات الاقتصادية والإدارية، ومحاولة إعادة ضبط العلاقة بين الدولة والسوق، وبين المركز والأطراف، في بيئة تتسم بالهشاشة المؤسسية والاعتماد الكبير على النفط كمصدر رئيسي للإيراد.
أولاً: طبيعة الإدارة الاقتصادية في العراق
تعاني الإدارة الاقتصادية في العراق من إشكالية بنيوية تتمثل في تضخم الجهاز الحكومي، وضعف كفاءة المؤسسات التنفيذية، مقابل محدودية فاعلية القطاع الخاص. وقد أدى هذا النمط إلى تكريس الاقتصاد الريعي، حيث تعتمد الدولة على العوائد النفطية في تمويل الموازنة العامة دون تطوير قاعدة إنتاجية متنوعة.
كما أن التداخل بين السلطات السياسية والإدارية أدى إلى ضعف التخطيط الاقتصادي طويل الأمد، وتحول العديد من السياسات إلى استجابات قصيرة المدى للأزمات المالية أو السياسية. وهذا ما جعل الإدارة الاقتصادية أقرب إلى إدارة أزمات منها إلى إدارة تنمية.
ثانياً: الإدارة الحكومية في المنهاج الوزاري
يُفترض بالمنهاج الوزاري للحكومة الجديدة أن يقدم تصوراً إصلاحياً للإدارة الحكومية، يقوم على إعادة هيكلة المؤسسات العامة، وتعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد، وتحسين كفاءة الإنفاق العام. غير أن التحدي الأساسي يكمن في الانتقال من “الإعلان عن الإصلاح” إلى “تنفيذ الإصلاح” على أرض الواقع.
إن الإدارة الحكومية الفعالة لا تعني فقط زيادة عدد الخطط أو الاستراتيجيات، بل تتطلب بناء جهاز إداري مهني يعتمد على الكفاء لا المحاصصة، وعلى الأداء لا الولاء السياسي. ومن هنا، فإن أي برنامج حكومي في العراق يبقى مرهوناً بقدرته على تفكيك البيروقراطية التقليدية وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.
ثالثاً: العلاقة بين الاقتصاد والسياسة
تُعد العلاقة بين الاقتصاد والسياسة في العراق علاقة اندماجية وليست تكاملية، إذ غالباً ما تُستخدم الموارد الاقتصادية كأداة لتثبيت التوازنات السياسية وليس لتحقيق التنمية. وهذا ما يضعف فعالية السياسات الاقتصادية ويجعلها خاضعة لتجاذبات القوى السياسية.
في هذا السياق، يصبح إصلاح الإدارة الاقتصادية مرتبطاً بإصلاح النظام السياسي نفسه، خصوصاً فيما يتعلق بتوزيع السلطة، وآليات اتخاذ القرار، والرقابة على الإنفاق العام. فبدون إصلاح سياسي نسبي، تبقى الإصلاحات الاقتصادية محدودة الأثر.
رابعاً: التحديات البنيوية أمام الإدارة الاقتصادية
يمكن تحديد أبرز التحديات التي تواجه الإدارة الاقتصادية في العراق بما يلي:
1.إذ يشكل النفط المصدر الرئيسي للإيرادات، ما يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسعار العالمية: الاعتماد الريعي على النفط.
ضعف التنويع الاقتصاد.: غياب قطاعات إنتاجية قوية مثل الزراعة والصناعة.2
البيروقراطية والفساد الإداري.: ما يؤدي إلى هدر الموارد وضعف كفاءة التنفيذ.3
ضعف البيئة الاستثمارية.: نتيجة عدم الاستقرار التشريعي والإداري.4
تداخل الصلاحيات بين المؤسسات.: مما يخلق ازدواجية في القرار الاقتصادي.5
هذه التحديات تجعل من عملية الإصلاح الاقتصادي عملية معقدة تتطلب رؤية استراتيجية طويلة الأمد وليس حلولاً آنية.
خامساً: أولويات الإصلاح في المنهاج الوزاري
يمكن تلخيص أولويات الإصلاح الإداري والاقتصادي ضمن المنهاج الوزاري في النقاط التالية:
إصلاح المالية العامة.: عبر ضبط الإنفاق وتحسين إدارة الموارد.1
تنويع الاقتصاد الوطني.: من خلال دعم الزراعة والصناعة والسياحة.2
إصلاح القطاع العام.: عبر إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية وتقليل الترهل الوظيفي.3
تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.: توسيع قاعدة الإنتاج.4
مكافحة الفساد الإداري والمالي.: من خلال تقوية الأجهزة الرقابية والقضائية.5
تحسين بيئة الاستثمار.: عبر تبسيط الإجراءات وتوفير ضمانات قانونية.6
سادساً: نحو نموذج إدارة اقتصادية فعال
إن التحول نحو نموذج إدارة اقتصادية فعال في العراق يتطلب الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي، ومن الإدارة المركزية إلى الإدارة المرنة القائمة على اللامركزية النسبية. كما يتطلب ذلك بناء مؤسسات تعتمد على البيانات والتخطيط الاستراتيجي، وليس على القرارات الآنية.
كما أن إدخال مفاهيم الحوكمة الرشيدة (Good Governance) يمثل مدخلاً أساسياً لتحسين الأداء الحكومي، من خلال تعزيز الشفافية، والمساءلة، والمشاركة المجتمعية في صنع القرار.
توصيات
1. إعادة هيكلة الجهاز الإداري الحكومي على أساس الكفاءة المهنية والجدارة، والحد من تأثير المحاصصة السياسية في شغل المناصب الادارية.
2.تنويع الاقتصاد العراقي من خلال دعم القطاعات الإنتاجية، ولاسيما الزراعة والصناعة والخدمات، لتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية.
تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد عبر تفعيل دور الأجهزة الرقابية والقضائية، وتطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة..3
4.تحسين بيئة الاستثمار من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية، وتوفير الضمانات القانونية، واستقرار التشريعات الاقتصادية.
اعتماد التخطيط الاقتصادي الاستراتيجي طويل الأمد، وربط البرامج الحكومية بمؤشرات أداء قابلة للقياس والتقييم..5
6.توسيع دور القطاع الخاص وإقامة شراكات فاعلة مع القطاع العام بما يسهم في خلق فرص العمل وتحفيز النمو الاقتصادي.
7.تعزيز اللامركزية الإدارية والمالية بما يتيح للمحافظات إدارة مواردها بكفاءة، في إطار وحدة السياسة الاقتصادية للدولة.
خاتمة
إن الإدارة الاقتصادية في العراق تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في ضرورة تحقيق التنمية الاقتصادية من جهة، وإعادة بناء الدولة المؤسسية من جهة أخرى. وفي ظل هذه المعادلة الصعبة، يصبح المنهاج الوزاري أداة اختبار حقيقية لقدرة الحكومة على الانتقال من مرحلة إدارة الموارد إلى مرحلة إدارة التنمية.
ومع أن التحديات كبيرة، إلا أن وجود إرادة سياسية وإدارية إصلاحية يمكن أن يشكل نقطة انطلاق نحو إعادة بناء الاقتصاد العراقي على أسس أكثر استدامة وتوازناً، بما يضمن تحسين مستوى الرفاه الاقتصادي وتعزيز استقرار الدولة على المدى الطويل.
المراجع (إرشادية))
- World Bank Reports on Iraq Economy, 2023–2025.
- IMF Country Report: Iraq, Recent Developments.
- Ha-Joon Chang, Kicking Away the Ladder.
- تقارير وزارة التخطيط العراقية.
- دراسات حول الاقتصاد الريعي في الدول النفطية.
*المقال منشور على شبكة الاقتصاديين العراقيين، بتاريخ 10/07/2026







