
في مشهد بات مألوفاً في مقاهينا وشوارعنا والأسواق، لم يعد غريباً أن ترى أحدث إصدارات الهواتف الذكية لشركات عالمية كبرى مثل (آبل أو سامسونج أو هونر) في يد مستهلك بسيط.
هواتف تتجاوز أسعارها عتبة الألف دولار أمريكي، تُحمل في الجيوب وتُوضع على الطاولات كعلامة فارقة، لكن المفارقة الصادمة تكمن في مكان آخر فالكثير من مقتني هذه الأجهزة الفاخرة يجهلون استخدام أبسط خصائصها الفنية، بل إن بعضهم قد يعاني من أمية هجائية أو تقنية، لا تسعفه معها لغته أو معرفته بالمصطلحات الإنجليزية لفك شفرات هذا الجهاز المعقد.
تطرح هذه المفارقة سؤالاً جوهرياً لماذا يدفع المستهلك ثمن تكنولوجيا فائقة لا يستهلك منها سوى 5% من قدراتها؟ وهل تحول الهاتف الذكي من أداة للإنتاجية والاتصال إلى مجرد أكسسوار طبقي؟
غيبوبة استهلاكية في واقع مرير
المثير للاستغراب والدهشة في هذه الظاهرة، أن هذا النهم الشرائي والركض خلف التفاخرية الرقمية يحدث في بيئة تعاني من أزمات خانقة. فالكثير من هؤلاء المهتمين باستعراض الهواتف الثمينة يبدون وكأنهم في غيبوبة استهلاكية، لم تحرك السواكن فيهم أوضاع البلد المتردية من نقص حاد في الخدمات الأساسية، وتراجع في جودة التعليم والصحة، إلى ضياع مستمر للفرص أمام الشباب الذين باتوا عاجزين عن رؤية مستقبل واضح أو بناء أفق مهني مستقر.
بدلاً من أن توجّه هذه الأموال أو الطاقات للمطالبة بالتغيير، أو الاستثمار في تطوير الذات لمواجهة تحديات الغد، نجد اندفاعاً محموماً لتبديد الثروات الشخصية أو الاستدانة على قشور تكنولوجية. وكأن الفرد العراقي يحاول الهروب من بؤس الواقع الخدمي والمعيشي المحيط به، ليعيش رفاهية وهمية ومؤقتة تنحصر في شاشة هاتف يمسكه بيده، متناسياً أن البريق الخارجي للجهاز لا يمكنه إصلاح عمق الأزمات التي تحيط بيئته وحياته اليومية.
الاستهلاك التفاخري والمكانة البديلة
تفسر السوسيولوجيا (علم الاجتماع) هذا السلوك بما يُعرف بـ الاستهلاك التفاخري. في مجتمعاتنا المعاصرة، تحول الهاتف المحمول إلى أسرع وأسهل مؤشر يرسل من خلاله الفرد إشارات للآخرين حول ملاءته المالية ومكانته الاجتماعية. إنه الوجاهة البديلة التي ترافق المرء في كل مكان.
بالنسبة لمن فاتهم قطار التعليم الأكاديمي، أو من يملكون حِرفاً وأعمالاً حُرة تدر دخلاً ممتازاً دون خلفية ثقافية، يصبح امتلاك أحدث هاتف نوعاً من التعويض النفسي والاجتماعي. الهاتف هنا يمنح صاحبه شعوراً بالمعاصرة والذكاء والقبول، ويحميه من نظرة التهميش، ليقول للمجتمع بصوت خفي قد لا أملك الشهادة أو المستقبل المضمون، لكني أملك ثمن التكنولوجيا التي يملكها الأثرياء
ميزات مدفوعة.. وغائبة عن الخدمة!
تزداد المفارقة عمقاً حين ندرك أن المشتري المحلي يدفع مئات الدولارات الإضافية كثمن لميزات وخدمات متطورة غائبة تماماً عن الخدمة داخل الجغرافيا المحلية. خدمات الاستغاثة السريعة عبر الأقمار الصناعية، أنظمة الطوارئ المتقدمة، وبعض ميزات الدفع الإلكتروني المشفرة، كلها خصائص معطلة، ومع ذلك، يُقبل المستهلك على دفع ثمنها كاملاً؟
هذا يؤكد أن المستهلك لا يشتري جدول المواصفات الفنية، بل يشتري العلامة التجارية (The Brand) وصورتها الرمزية، مدفوعاً بثقافة المحاكاة أو التقليد الأعمى لما يراه في منصات التواصل الاجتماعي ولدى المؤثرين.
كيف تغلبت التكنولوجيا على الأمية؟
من المثير للاهتمام أيضاً أن الشركات التكنولوجية الكبرى، ومن حيث لا تدري، سهّلت هذه الظاهرة. فالتحول العالمي نحو الثقافة المرئية والصوتية جعل الأمية الهجائية عائقاً ثانوياً. بفضل تطبيقات مثل (تيك توك، إنستغرام، ورسائل واتساب) الصوتية، أصبح بإمكان أي شخص إدارة حياته الرقمية بالصوت واللمس دون الحاجة لقراءة سطر واحد أو معرفة مصطلح إنجليزي. لقد تحول الهاتف الفاخر إلى تلفاز تفاعلي صغير يُلبي رغبة الترفيه المطلق، دون الالتفات لخصائصها البرمجية المعقدة.
في النهاية، تعكس هذه الظاهرة تحولاً قيمياً وتحدياً ثقافياً حقيقياً. فالتكنولوجيا التي صُنعت لتكون أداة لرفع كفاءة الإنسان، واختصار وقته، وإدارة أعماله المعقدة، جرى تدجينها محلياً لتتحول إلى مجرد ساعة ثمينة أو
قطعة مجوهرات تُعرض للتباهي. إنها صرخة استهلاكية تعبر عن مجتمع يهتم بالظاهر على حساب المضمون، ويفضل الانفصال عن واقعه الصعب بشراء الصورة، وإن كانت تفاصيلها الفنية غائبة عن الفهم، والخدمات الحقيقية غائبة عن أرض الواقع.







