
يوفر "مركز بيو للأبحاث"، ومقره في واشنطن، معلومات حول القضايا الاجتماعية، والاتجاهات الديموغرافية، كما يجري استطلاعات حول توجهات الرأي العام الأميركي. وقد نشر هذا المركز، في نيسان/أبريل المنصرم، نتائج استطلاع أجراه حول موقف الرأي العام الأميركي إزاء إسرائيل، أثار اهتماماً واسعاً لدى الصحافة الأميركية والإسرائيلية والعالمية، إذ بيّن أن 60% من الأميركيين ينظرون نظرة سلبية إلى إسرائيل، وأن 59% منهم يعبرون عن ثقة قليلة أو معدومة برئيس وزرائها بنيامين نتنياهو.
تحوّل ثابت يتطوّر باستمرار
في 25 نيسان/أبريل 2019، حللت افتتاحية صحيفة "هآرتس" نتائج استطلاع للرأي نشرها "مركز بيو للأبحاث" نفسه، وخلُص إلى أن إسرائيل تفقد دعم أعضاء الحزب الديمقراطي الأميركي بسبب السياسات التي ينتهجها بنيامين نتنياهو. إذ "قال ثلثا الديمقراطيين الذين شملهم الاستطلاع إنهم ينظرون بصورة سلبية إلى حكومة إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو". ولاحظت الصحيفة أن نتائج الاستطلاع تظهر اتجاهاً واضحاً ومقلقاً، ذلك أنه "في ظل حكم نتنياهو، أصبحت إسرائيل تدريجياً قضية تثير الانقسام التلقائي بين الحزبين، تماماً مثل قضايا الأسلحة والإجهاض؛ فالجمهوريون، ما زالوا يدعمون إسرائيل، بينما راح الديمقراطيون يتخذون موقفاً سلبياً إزاءها"، مستشهدة بتصريحات أعضاء كونغرس من الجناح اليساري للحزب الديمقراطي، الذين "يدلون بتصريحات انتقادية لإسرائيل"، ومقدّرة أن أكثر ما يخشاه مؤيدو إسرائيل في الولايات المتحدة هو "بروز موجة معارضة للحكومة الإسرائيلية داخل التيار المركزي والمعتدل للحزب – بما في ذلك بين السياسيين الذين زاروا إسرائيل ودعموها علناً". وتخلص الصحيفة إلى أن تلك الحقبة، التي اعتمد فيها اللوبي المؤيد لإسرائيل في واشنطن على الدعم من كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري، يبدو أنها "قد ولت؛ فنتنياهو لديه ترامب، أما إسرائيل فليس لها مستقبل لدى الحزب الذي يحظى حالياً بتأييد أغلبية الشباب في الولايات المتحدة"[1].
في 20 أيلول/سبتمبر 2025، أكدت مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية الأسبوعية استمرار هذا الاتجاه في التطور، إذ نشرت مقالاً افتتاحياً بعنوان: "كيف تفقد إسرائيل أميركا"، رأت فيه أن الدعم الشعبي الأميركي لإسرائيل "يتآكل بصورة خطيرة"، بينما يواصل بنيامين نتنياهو التأكيد على أن التحالف مع واشنطن "صلب كحجارة الحائط الغربي". وبحسب البيانات التي جمعتها المجلة، تشهد نظرة الرأي العام الأميركي إلى إسرائيل تحولاً عميقاً، ذلك "أن 53% من الأميركيين لديهم اليوم رأي سلبي عن إسرائيل، مقابل 42% في سنة 2022، وأن 43% منهم يعتقدون أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة". ولاحظت المجلة أن الدعم الإنجيلي لإسرائيل، الذي كان يمثل قاعدة انتخابية تقليدية، "ينهار بين الأجيال الشابة"، وأن هناك تآكلاً متزامناً في دعم الركيزتين الرئيسيتين للنظام السياسي الأميركي لإسرائيل؛ فدعم الديمقراطيين يتآكل "لأسباب تتعلق بالقيم والمثل التقدمية"، بينما دعم الجمهوريين يتآكل "لأسباب تتعلق بالمصالح والتكاليف المالية".
وتعتبر المجلة أن بنيامين نتنياهو بحصره إسرائيل ضمن المعسكر الجمهوري، قد "أضعف الإجماع الحزبي الذي كان يشكل قوة التحالف الأميركي-الإسرائيلي"، كما أن صورة إسرائيل باعتبارها "إسبرطة عملاقة، مكتفية ذاتياً وعدوانية"، التي يشيعها، "تثير القلق"، ناهيك عن "أن الخطاب الذي يساوي بين أي انتقاد لسياسات الحكومة، من جهة، ومعاداة السامية، من جهة ثانية، يفقد بريقه ويفقد قدرته على حماية إسرائيل من النقاشات الجوهرية"[2].
كيف يتجلى هذا التحوّل في سنة 2026؟
أصبح لدى 60% من الأميركيين الآن صورة سلبية عن إسرائيل، وفقاً لـ "مركز بيو للأبحاث". وكلما صغرت أعمار الأميركيين، زادت هذه النسبة، إذ يدل استطلاع، أجرته شبكة "إن بي سي" مؤخراً، على أن ثلاثة أرباع الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً "يشعرون بأنهم أقرب إلى الفلسطينيين منهم إلى الإسرائيليين". ومع اختفاء الأجيال التي ولدت بعد الحرب العالمية الثانية تدريجياً، "من المحتمل أن يتفاقم هذا التحول المعادي لإسرائيل، ويتزايد عدد الذين يربطون إسرائيل بنزعة عسكرية عدوانية"[3].
في سنة 2026، نظر 70% من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً إلى إسرائيل نظرة سلبية، ويبرز هذا التراجع بوضوح أكبر بين الشباب الجمهوريين، إذ تبلغ نسبة الرأي السلبي في صفوفهم اليوم 60% مقابل 35% في سنة 2022. وإذا كان التحالف الإسرائيلي-الأميركي لا يزال قوياً على مستوى الحكومتين أو على مستوى التعاون العسكري، فإن هذه الأرقام تمثل خطراً على إسرائيل، ولم يعد في وسع السياسيين في البلدين تجاهلها.
لقد كان هذا التحوّل واضحاً منذ أعوام لدى الديمقراطيين، الذين صاروا يتبنون خطاباً ذا نبرة أكثر حدة إزاء اللوبي المؤيد لإسرائيل "إيباك"، ويعبرون "عن الرغبة في ربط المساعدات لإسرائيل بشروط سياسية"، ويرى 77% من ناخبي الحزب الديمقراطي أن "إبادة جماعية" قد ارتُكبت في قطاع غزة. أما لدى الجمهوريين، فمن المتوقع أن يؤثر تضافر انخفاض شعبية إسرائيل، من جهة، وتصاعد المشاعر الانعزالية التي لا تستثني إسرائيل، من جهة ثانية، إلى تزايد نسبة من ينظرون نظرة سلبية إلى إسرائيل[4].
في 30 نيسان/أبريل 2026، حذر "معهد دراسات الأمن القومي" في إسرائيل، استناداً إلى البيانات الصادرة عن "مركز بيو للأبحاث"، من أن التغير في مواقف الشباب الأميركي إزاء إسرائيل قد يضعف على المدى الطويل قاعدة الدعم السياسي لها.
وأظهرت أحدث الإحصاءات، التي نُشرت لأول مرة في إطار تعاون بين "معهد الدراسات الاستراتيجية" الذي يتخذ من واشنطن مقراً له، و"مركز بيو للأبحاث" أن 80% من الديمقراطيين لديهم رأي سلبي إلى حد ما أو سلبي للغاية تجاه إسرائيل، مقابل 41% من الجمهوريين. وبين الناخبين الشباب المقربين من الحزب الديمقراطي، تبدو الآراء السلبية أكثر حدة، إذ أعرب 85% من الفئة العمرية 18-29 عاماً و83% من الفئة العمرية 30-49 عاماً عن رأي سلبي تجاه إسرائيل.
ووفقاً لـ "معهد الدراسات الاستراتيجية"، فإن تراجع شعبية إسرائيل في الولايات المتحدة يمس عدة مجموعات دينية. "فكل من الكاثوليك والبروتستانت والمسيحيين الإنجيليين البيض الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً يصرحون جميعاً بأن لديهم رأياً سلبياً تجاه إسرائيل". وتعد إسرائيل "غير محبوبة بشكل خاص بين الكاثوليك، إذ يعبر 74% ممن تقل أعمارهم عن 50 عاماً عن رأي سلبي إزاءها". ويبدو أن دعم إسرائيل يتآكل حتى بين الإنجيليين البيض، وهم مجموعة مؤثرة ضمن القاعدة السياسية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، "فمن بين من تقل أعمارهم عن 50 عاماً، يعبّر 50% عن رأي سلبي تجاه إسرائيل، مقابل 47% يعبرون عن رأي إيجابي".
وبالاقتران مع دراسات حديثة أخرى، تشير النتائج إلى أنه لا توجد اليوم أي فئة عمرية شابة ضمن المجتمع الأميركي لديها نظرة إيجابية واضحة تجاه إسرائيل. وحتى بين الأجيال الأكبر سناً، يبدو أن التصورات السلبية تزداد ترسخاً، بحيث قد تجد إسرائيل نفسها، في حال استمرار هذا الاتجاه، "في وضع لا تتمتع فيه بقاعدة دعم مستقرة في أي من الحزبين السياسيين الأميركيين الرئيسيين"، علماً بأن التطورات التي تشهدها الجالية اليهودية الأميركية تزيد من حدة هذا الاتجاه، ذلك "أن الجالية اليهودية المنظمة، التي طالما اعتُبرت ركيزة أساسية لدعم إسرائيل، تشهد تراجعاً في نفوذها السياسي، في حين يتزايد استياء اليهود الأميركيين من سياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية"[5].
كيف ينعكس هذا التحوّل في المواقف السياسية؟
تثير عدم شعبية إسرائيل المتزايدة في الولايات المتحدة الأميركية جدلاً حاداً حول استمرار المساعدات العسكرية المقدمة لها. فقد حاول السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، في منتصف نيسان/أبريل الفائت، حشد المشرعين ضد بيع الأسلحة لإسرائيل، في الوقت الذي يبدي فيه عدد متزايد من الأميركيين انتقادات تجاه الحروب التي تشنها إسرائيل في الشرق الأوسط.
فقد كان من المقرر طرح مشروعي قرارين للتصويت على أعضاء مجلس الشيوخ لمعارضة مبيعات الأسلحة لإسرائيل، يتعلق الأول منهما بتسليم قنابل تزن حوالي 450 كيلوغراماً، بينما يتعلق الثاني بتسليم جرافات د-9، وهي الأداة المفضلة للجيش الإسرائيلي لهدم المباني المدنية سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية أو في جنوب لبنان. وقد تبنى السيناتور بيرني ساندرز عن ولاية "فيرمونت" هذين المشروعين، بالتعاون مع زملائه كريس فان هولن (ماريلاند)، وجيف ميركلي (أوريغون)، وبيتر ويلش (فيرمونت)، ساعياً إلى منع بيع هذه الأسلحة التي تقدّر قيمتها بنحو 660 مليون دولار إلى إسرائيل، ومعتبراً أنه "بالنظر إلى الدمار المروع الذي ألحقته الحكومة الإسرائيلية المتطرفة بغزة وإيران ولبنان، فإن آخر ما ينبغي على دافعي الضرائب الأميركيين فعله اليوم هو تزويد حكومة نتنياهو بـ 22 ألف قنبلة جديدة"[6].
في 8 حزيران/يونيو الجاري، صرّح نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بأن الإدارة الأميركية ستواصل السعي للتوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي، بغض النظر عن موقف إسرائيل. وقال في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز": ”بفضل الأحداث التي وقعت في الأشهر الأخيرة، وبشكل أكثر تحديداً في الثمانية عشر شهراً الماضية، تمكّنا من توفير المساحة اللازمة للرئيس لكي يعتقد، وأعتقد معه، أنه يمكننا التوصل إلى تسوية دائمة للملف النووي الإيراني"، وأضاف: "قد تقدّر إسرائيل ذلك، وقد لا تقدّره، لكننا نعتقد في الأساس أن هذا يصب في مصلحة الولايات المتحدة الأميركية؛ لذا سنواصل السير في هذا الاتجاه، لأن هذا هو السبب الذي انتُخب من أجله رئيس الولايات المتحدة، وهذا ما يتعين علينا القيام به لخدمة الشعب الأميركي على أفضل وجه"[7].
وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" قد أفادت في 7 حزيران/يونيو الجاري، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، بأن تقارير حديثة صادرة عن أجهزة الاستخبارات الأميركية تشير إلى وجود مخاوف بشأن "تزايد خطر التجسس" من جانب إسرائيل، في الوقت الذي تجري فيه واشنطن مفاوضات مع إيران. ومع أن هناك تبادلاً للمعلومات الاستخباراتية بين البلدين، إلا أن بعض المسؤولين الأميركيين يعتقد "أن تكثيف جهود إسرائيل لجمع معلومات حول المواقف الأميركية في المفاوضات مع إيران قد تجاوز خطاً أحمر“، حسبما ذكرت الصحيفة. وتشير التقارير إلى مراقبة إسرائيلية متزايدة لكبار المسؤولين الأميركيين، ولا سيما كبير مفاوضي الرئيس دونالد ترامب، ستيف ويتكوف، وعدد من المسؤولين في البنتاغون. ورفع تقرير منفصل صادر عن وكالة الاستخبارات الدفاعية مستوى التهديد الذي تشكله أنشطة التجسس الإسرائيلية "من مرتفع إلى حرج" وهو المستوى الأعلى، مشيراً "إلى محاولات تجسس استهدفت أفراداً عسكريين ومسؤولين حكوميين"[8].
ماهي العوامل الكامنة وراء هذا التحوّل ؟
في مقابلة أُجريت مع برونو ملكي، وهو محلل سياسي ومختص في الاستطلاعات، وميشيل فياض وهو محلل جيو-استراتيجي، ونشرت على موقع "أتلنتيكو" الإعلامي الفرنسي في 13 نيسان/أبريل 2026 تحت عنوان: "تفوق عسكري لكن هزيمة على مستوى الصورة: هل نحن متجهون نحو انفصال كبير بين إسرائيل والولايات المتحدة؟"، لاحظ هذان المحللان أن العلاقة الأميركية-الإسرائيلية "لم تكن قائمة بصورة أساسية على الرأي العام"، بل على "مصالح استراتيجية ملموسة – الاستخبارات، والأمن السيبراني، والتعاون الصناعي-العسكري، وتشكيل قوة موازنة لإيران – وهي مصالح تتجاوز تقلبات استطلاعات الرأي"، لكن تآكل ما يمكن تسميته بـ "الرصيد الأخلاقي" لإسرائيل هو "أمر حقيقي" في نظرهما، إذ "تدهورت صورة إسرائيل بشكل ملحوظ في الولايات المتحدة والعالم الغربي"، حتى "عندما تحقق قواتها نتائج ملموسة على الأرض"؛ فالمفارقة المذهلة تتمثّل في أنه "كلما زادت فاعلية الجيش الإسرائيلي، كلما خسرت إسرائيل صورتها".
ويقدّر هذان المحللان أن الفجوة بين الأجيال "هي الظاهرة الأكثر إثارة للقلق على المدى الطويل"، ذلك أن الأجيال الأميركية الجديدة "لا تعرف الحرب الباردة، ولا السياق الذي ولدت فيه إسرائيل"، وهي "نشأت في بيئة جامعية أصبح فيها المنظور ما بعد الاستعماري هو المنظور السائد لتحليل أي صراع يشارك فيه طرف غربي أو يُنظر إليه على أنه كذلك"، وهكذا "يُترجم الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني إلى فئتين – المضطَهِد /المضطَهَد، المستعمِر/المستعمَر – مما يقلل بشكل كبير من تعقيداته التاريخية". ويُنظر إلى إسرائيل بشكل متزايد على أنها "مشروع استعماري" من قبل الأجيال الشابة، التي لم تنشأ "على المراجع التاريخية نفسها"، بل هي "أكثر حساسية للروايات المرتبطة بسردية الهيمنة، والظلم المتصور، والصور التي تُبث باستمرار".
ويعتقد هذا المحللان أن هزيمة إسرائيل على مستوى الصورة، ترتبط بـ "حرب إعلامية"، لكن العمليات الإعلامية "لا تنجح إلا لأن التربة خصبة؛ فالتغيير الحقيقي هو تغيير معرفي، إذ إن هناك قطاعاً متزايداً من الغرب يحلل العالم من خلال منظور تُعتبر فيه أي قوة موضع شك"، وتجمع إسرائيل، "المتقدمة تكنولوجياً، والمتفوقة عسكرياً، والحليفة للولايات المتحدة"، من هذا المنظور، "كل علامات المهيمن"، ويتم الطعن بمكانتها "في التسلسل الهرمي للقيم الغربية". ومن دون ارتكاز غربي، ستصبح إسرائيل "قوة مرعبة لكن معزولة، محكوم عليها بحالة تعبئة دائمة ستستنفد في نهاية المطاف حيويتها الإبداعية والديمقراطية – إسبارطة الشرق الأوسط التي تعيش في حالة حصار يثبت التاريخ أنها دائماً، على المدى الطويل، مدمرة للذات".
صحيح أن التحالف الاستراتيجي الأميركي-الإسرائيلي لا يزال متيناً اليوم، وأن الخطر لا يكمن في انهيار مفاجئ لهذا التحاف، إذ "لن يقطع أي رئيس أميركي علاقاته مع إسرائيل بين عشية وضحاها"، لكن مع استمرار التآكل التدريجي للإجماع بين الحزبين، قد يتم "بلوغ العتبة الحرجة في اليوم الذي يظهر فيه مرشح رئاسي يقدّر أن تأييده لإسرائيل يُفقده أصواتاً أكثر – لا سيما في ميشيغان أو بنسلفانيا – مما يجلبه له؛ في ذلك اليوم، لن تكون إسرائيل قضية وطنية أميركية بعد الآن، بل ستصبح موضوعاً للانقسام الحزبي، الأمر الذي سيغير الوضع بشكل جذري".
ويخلص هذا المحللان إلى أنه من المؤكد أن إسرائيل "لم تعد تستطيع الاكتفاء بالفوز في الحروب، بل عليها أيضاً أن تستعيد قدرتها على تفسير سبب خوضها لهذه الحروب – وإلى أي أفق سياسي تقود هذه القوة العسكرية التي تملكها"[9].
أما المراسل الصحفي سيباستيان ليفي فهو يرى، في مقال نشره في 16 نيسان/أبريل 2026 بعنوان: "الولايات المتحدة: كيف فقدت إسرائيل التأييد الشعبي؟"، أن هناك عوامل أخرى تكمن وراء هذا الاتجاه تتمثّل في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ذلك أن هذه الحرب التي "تسببت في خسائر في صفوف المدنيين صدمت الرأي العام الأميركي، والشباب في المقام الأول، وخصوصاً أنها خيضت بالسلاح والدعم الأميركيين". كما أن عدم شعبية بنيامين نتنياهو الشخصية، بما في ذلك لدى اليهود الأميركيين، "تضر بشدة بإسرائيل"، وخصوصاً في ظل "تحالفه السياسي مع المتطرفين الدينيين والقوميين، وهجماته على الديمقراطية الإسرائيلية، وانحيازه إلى ترامب وكذلك إلى قادة غير ليبراليين مثل أوربان وميلي وبولسونارو". وإذا كان نتنياهو "قد اختار أن يربط منذ فترة طويلة مصيره الشخصي بمصير الجمهوريين، فإن هذا الاختيار ينفجر اليوم في وجهه"، إذ إنه "لم يؤد إلى إبعاد الديمقراطيين فحسب، بل إنه لم يعد يضمن حتى دعم الجمهوريين، مما يوسع الفجوة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ويعرض للخطر الدعم الأميركي الكامل لإسرائيل في السنوات القادمة"[10].
خاتمة :
في مواجهة سياسات بنيامين نتنياهو المُحرضة على الحرب المستمرة، وتأثير الصراعات التي يجر الولايت المتحدة إليها على الاقتصاد الأميركي، لم يعد دعم إسرائيل أمراً منطقياً بالنسبة لشريحة واسعة من الرأي العام الأميركي. وبينما يظل التعاون بين البلدين بالغ الأهمية، إذ تبقى واشنطن المورد الرئيسي للأسلحة لإسرائيل والداعم الأكبر لها سياسياً ودبلوماسياً، فإن نظرة الرأي العام الأميركي إليها تتغيّر، بصورة متواصلة على جانبي الطيف السياسي، بحيث أن النظرة السلبية إليها لم تعد مقتصرة على الحزب الديمقراطي، ويساره بصورة خاصة المؤيد للفلسطينيين، فحسب، بل أصبح الآن أيضاً يتوسع داخل الحزب الجمهوري، وهو ما تجلّى في بروز خطابات معادية لإسرائيل تبنتها، في الأشهر الأخيرة، شخصيات ضمن حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً"، وهي الحركة التي اضطلعت بدور بارز في وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.







