
في بلاد الف ليلة وليلة وقصصها العجيبة توارثت الأجيال الروايات والأحداث، وظلم السلطان وتوسل الرعية حتى أصبح أستجداء الحاكم سُنّة في بلاد يلفّها الفقر والفساد وأنعدام الخدمات. أننا ورثة تلك القصص الخيالية بما فيها من أساطير حول نزول الحاكم الى أزقة المدينة متنكرا ليتعرف على أوضاع رعيته، عكس حكامنا اليوم الذين يتنجسون من رعيتهم فتراهم في قصورهم الفخمة، وإن خرجوا منها لأمر شخصي، تراهم يخرجون بأرتال من السيارات المصفحة وجيش من الحمايات. الحاكم عهد الف ليلة ليلة كان لديه ديوان للمظالم، يستمع فيه لشكوى الرعية في ايام معينة، لكن كانت هناك ظاهرة مستمرة لليوم وهي مناشدة الرعية له في امر ما، واكبر مناشدة نقلها لنا التاريخ كانت مناشدة إمرأة عمورية للمعتصم بالله العباسي.
لأن العدل عندنا شبه معدوم، والقضاء لعبة بيد الحكام، وليس هناك ديوان مظالم لمتابعة مشاكل الناس، أرى إننا لسنا بحاجة الى وزارات ومؤسسات رقابية وجهات تنفيذية كالتي عندنا اليوم، وأختصارها بوزراة واحدة نطلق عليها اسم ( وزارة المناشدات). هذه الوزارة ستكون الأكثر نشاطا وتأثيرا في الحياة العامّة، فالرعيّة اليوم استبدلت المطالبة بحقوقها التي يقرّها القانون والدستور، بالمناشدات عوضا عن التظاهر والاعتصام والأنتفاض ضد القهر والفساد وانعدام الخدمات.
انقطعت الكهرباء؟ نناشد.
اختفت المياه؟ نناشد.
انهار الشارع؟ نناشد.
امتلأت المستشفيات بالمرضى ونفدت الأدوية؟ نناشد.
الموظف يطلب رشوة؟ نناشد
ازمة بنزين في بلد النفط؟ نناشد
طفحت المجاري؟ نناشد
الطلبة يتكدسون كالبالات في صفوف مهملة؟ نناشد
مقاول تطالبه ميليشيا بحصة من المشروع ورشوة لتسهيل امره؟ يناشد
تاجر بضاعته رهينة سجون النقاط الحدودية؟ يناشد
ارملة تطالب بحق الرعاية الاجتماعية؟ تناشد
أصبح المواطن لا يبدأ يومه بمناشدة خالقه، بل بمناشدة مسؤول، ولا ينهيه إلا بمناشدة مسؤول آخر.
والأجمل من ذلك أن المسؤول نفسه، الذي يُفترض أنه مسؤول عن حل المشكلة، يتحول إلى بطل المناشدة. فيناشد المواطن المسؤول، ثم يناشد المسؤول جهة أخرى، ثم تناشد الجهة الأخرى لجنةً ما، حتى تضيع المشكلة بين المناشدات وكأنها رسالة تائهة في صندوق بريد قديم.
في الدول التي تحترم شعوبها وتحترم الشعوب بلدانها، يطالب المواطن بحقه لأن الخدمات حق. أما عندنا، فيبدو أن الحصول على أبسط الخدمات يحتاج إلى مهارات في كتابة المناشدات أكثر مما يحتاج إلى وجود مؤسسات تعمل. ولو استمر الحال على هذا المنوال، فقد يأتي يوم تصبح فيه المناشدة مادة دراسية رسمية، يتعلم فيها الطلاب كيفية صياغة الرجاء والمناشدة بأرقى الأساليب اللغوية، لأن مستقبلهم سيعتمد عليها أكثر من اعتماده على الدراسة وطريقها للنجاح
وهكذا تبقى البلاد سائرة بثبات نحو إنجاز تاريخي فريد، وهو تحويل المواطنين من اصحاب حقوق إلى محترفين مهرة في فن الاستجداء والمناشدة. والمفارقة التي لا تخلو من سخرية انني وأنا أكتب هذه السطور منتقداً هذه الأوضاع الشاذة وثقافة المناشدات، وجدت نفسي ذات يوم مضطرا إلى مناشدة وزير الداخلية بشأن ما جرى لي في اروقة دوائر الجنسية لأثبات عراقيتي. وكما يحدث غالبا في بلاد المناشدات، لم تجد مناشدتي من يصغي إليها أو يلتفت لها.
عندها أدركت أن المشكلة ليست في ضعف المناشدة أو سوء صياغتها، بل في تحوّل المناشدة نفسها إلى بديل عن الحق، وإلى وسيلة يُطلب بها ما يفترض أن يكون مكفولا للمواطن بحكم القانون والدستور. ففي الدول التي تكون فيها المؤسسات فاعلة، يحصل المواطن على حقه لأنه حق، أما في بلاد المناشدات فإن الحق لا يكفي وحده، بل يحتاج إلى رجاء وتوسل وواسطة وحسن حظ. وبينما تستمر المناشدات في الصعود من المواطن إلى المسؤول، ومن المسؤول إلى جهة أخرى يبقى الوطن غارقاً في مشاكله، وتبقى حقوق الناس معلقة بانتظار مناشدة جديدة.
الحق يُنتزع بالقانون، أما هنا في بلادنا حيث الفساد والميليشيات والفتاوى، فالحق يُستجدى وإن لم يُستجد ضاع.







